في صبيحة يوم السبت 2 يناير 2016م تم تنفيذ حكم بالإعدام على سبعة وأربعين شخص في المملكة العربية السعودية، وقد تم تنفيذ حكم الإعدام في اثني عشر مكان في المملكة في وقت واحد.

وسرعان ما انتشرت أنباء تلك الإعدامات الجماعية داخل المملكة وخارجها، حيث تداولت وكالات الأنباء ذلك الخبر على نطاق واسع وظهرت الكثير من ردود الأفعال التي علقت على الخبر؛ فما بين مؤيد لتنفيذ تلك الأحكام ومعارض لها حدث نوع من الصخب والضجيج الإعلامي على المستوى المحلي (داخل المملكة) والمستوى الإقليمي (الخليج– إيران– البلاد العربية) بل وحتى على المستوى العالمي (الدول الأوروبية– الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول).

وقد أحببت في هذا المقال أن أشير لبعض النقاط التي أراها على قدر كبير من الأهمية والتي تم إهمالها والتغاضي عنها بعفوية وحسن نية في بعض الأحيان، وبقصد متعمد في أحيان أخرى.

 

أولًا

بالرغم من تنفيذ أحكام الإعدام على 47 شخصًا، إلا أن الضجة الإعلامية برمتها قد تم توجيهها في اتجاه واحد، وأقصد به الشيخ نمر باقر النمر.

المملكة وحلفاؤها التقليديون في المنطقة حشدوا كامل ترسانة أسلحتهم الإعلامية لتأييد قرار الإعدام والإشادة به، وعلى الجانب الآخر نجد أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأبواقها الدعائية السياسية في سوريا ولبنان والعراق واليمن قد شنت حملة إعلامية شعواء في الاتجاه الآخر.

الشيخ النمر هو أحد أبرز وأهم رجال الشيعة الاثنا عشرية في السعودية، وهو من منطقة القطيف التي تقع في شرق السعودية ويوجد بها عدد كبير من المواطنين الذين يعتنقون المذهب الشيعي الاثنا عشري، ويعانون من حالة التمييز المذهبي الممنهج الذي تستخدمه ضدهم السلطة الحاكمة، والذي تمثل في إبعادهم عن المناصب العليا والمهمة في الدولة.

كان الشيخ النمر واحدًا من أهم المعارضين للنظام الحاكم في السعودية، وقاد العديد من المظاهرات الاحتجاجية على ذلك النظام. ومما زاد من ثقل النمر السياسي في جبهة المعارضة في السعودية أنه في عام 1980 م انتقل إلى إيران حيث مكث بها لمدة تقترب من عشرة أعوام ودرس في حوزاتها العلمية الدينية على يد عدد من آيات الله الكبرى، ثم انتقل من إيران إلى سوريا وبعدها رجع إلى السعودية للمشاركة في الحركات والمظاهرات الاحتجاجية.

 

ثانيًا

هل كانت حركة النمر الاحتجاجية ذات بعد سياسي أم أنها اقتصرت على البعد المذهبي؟

السعودية اعتبرت أن النمر هو رجل إيران في المملكة، واعتبرت أن الاحتجاجات التي قادها ودعا إليها كانت بتحريض مباشر وصريح من الجارة الفارسية غير المرحب بتدخلها في منطقة الخليج.

أما إيران، فقد اعتبرت أن إعدام النمر موجه لضرب النفوذ الشيعي المتنامي في المنطقة، وأنه مجرد وسيلة لضرب الهيبة الإيرانية المتصاعدة.

المشكلة الحقيقية أن جميع الأطراف المؤيدة والمعارضة لحكم الإعدام على النمر، قد نست – أو لعلها تناست عن قصد – أن مشكلة النمر ليست مقتصرة على الدوافع السياسية-المذهبية، بل إنه يوجد الكثير من الدوافع المادية البحتة والموجودة على أرض الواقع والتي تحتاج إلى جهود حقيقية لتفهمها ولجهود أكبر لإصلاحها والقضاء عليها.

هل من حق أهل القطيف (من الشيعة الاثنا عشرية) أن ينالوا من الحقوق السياسية ما يناله غيرهم في باقي أنحاء المملكة (من السنة)؟

هل هناك حقوق أصيلة للمواطنين؟ وهل هناك تطبيق عملي لمصطلح المواطنة… أم أن ذلك المصطلح لا يتم استخدامه ولا استدعاؤه إلا عند الحاجة للحشد المجتمعي للوقوف بجوار فكرة الدولة القطرية (التي تم ترسيم حدودها في فترة ما بعد الاستعمار) ضد الدولة التقليدية (دولة الخلافة) التي تدعو لها الاتجاهات المختلفة للإسلام السياسي؟

 

ثالثًا

في الكثير من الأحاديث والخطب المتلفزة للشيخ نمر النمر، يعلن بوضوح أن مشكلته الرئيسية مع مفهوم (الظلم) وما يرتبط به من مصطلحات ومضامين مثل الطغيان والفساد، بغض النظر عن الشخصية التي تقوم بتلك الأفعال.

ففي إحدى خطبه الموجودة على موقع اليوتيوب، نجده يهاجم الظلم في المجتمعات العربية ويعطي على ذلك بعض الأمثلة، فيقول:

(آل خليفة حكام البحرين ظلمة والسنة بريئة منهم… هؤلاء ليسوا سنة… هؤلاء طغاة… آل الأسد في سوريا ظلمة والتشيع بريء منهم، لا ندافع عن ظالم ولا يجوز للمظلوم أن يدافع عن ظالم).

إذن فآل سعود لم يكونوا المصدر الوحيد للظلم والتعسف في عقلية النمر وأتباعه، فقد كان يهاجم النظام السوري العلوي المدعوم من إيران وحزب الله، ومعنى ذلك أن دعوة النمر لم تكن مقتصرة على الجانب السياسي-المذهبي فحسب بل كان لها بعد إثني اجتماعي لا ينبغي أن نغفله.

 

رابعًا

في الوقت الذي تعالى فيه الصخب حول إعدام الشيخ الشيعي نمر النمر، نجد أن حادثة إعدام الشيخ فارس آل شويل الزهراني قد مرت مرور الكرام.

فتقريبًا لم يتم ذكر إعدام الزهراني إلا بشكل عارض عند الحديث عن إعدام النمر، ففي الوقت الذي وجهت فيه كل الكاميرات وكل الميكروفونات لتغطية ردود الأفعال حول إعدام الأخير، نجد أنه تقريبًا لم يحظَ إعدام الأول بأي شكل إعلامي.

الشيخ فارس الزهراني الذي يلقب بـ(أبي جندل الأزدي) هو واحد من أهم منظري القاعدة في المملكة العربية السعودية، ويُنسب إليه عدد من التفجيرات الإرهابية في عدد من المناطق مثل الخُبر وشرق الرياض، وله عدد من الكتب والأبحاث الفقهية المهمة للتنظيمات السلفية الجهادية لعل أشهرها هو كتاب بعنوان (الباحث عن حكم قتل أفراد وضباط المباحث).

الزهراني يمكن أن نصنفه سياسيًا بكونه راديكاليًا بامتياز، فهو أحد منظري السلفية الجهادية كما أسلفنا القول، وهؤلاء تنظر لهم الأغلبية المسلمة على كونهم خوارج.

فكما أوردت جريدة المدينة السعودية، أن القاضي الذي أدان الزهراني قد برر حكم الإعدام الذي أصدره (باعتناقه منهج الخوارج في التفكير واستباحة دماء المسلمين والمعاهدين والمستأمنين داخل البلاد وخارجها).

والزهراني على عكس النمر فيما يخص الموقف من فكرة الدولة؛ فبينما نجد النمر يقبل شكل الدولة السعودية الحالي ويطالب بتعديلها وإلغاء ما بها من ظلم ومفاسد واستبداد، نجد أن الزهراني على عكسه تمامًا يرفض شكل الدولة الحالية جملة وتفصيلًا، بل ويرفض أساسًا أن ينسب إلى السعودية، ويوجد له فيديو شهير على اليوتيوب معنون بـ(جنسية آل سعود تحت قدمي!).

إذن فإطلاق صفة الخوارج على الزهراني وأتباعه، ليس أمرًا اجتهاديًا من صاحب المقال أو من صحيفة أو مجلة، بل إنه (توصيف شرعي صدر بحكم قضائي) ولذلك يجب الوقوف أمامه طويلًا.

 

خامسًا

إذا ما عقدنا مقارنة بين كل من الشيخ النمر والشيخ الزهراني، لوجدنا أن هناك الكثير من النقاط التي تحتاج إلى إعادة تفكير وتدقيق:

  • لا أعتقد أن المنطقة العربية قد وصلت على مدار الأعوام المائة السابقة (الفترة الزمنية الممتدة ما بين سقوط الخلافة العثمانية وحتى الآن) إلى تقارب تاريخي لظواهر الدولة الإسلامية الأولى بالقدر الذي وصلت إليه الآن.

فالصراع (الشيعي-السني-الخارجي) الذي لطالما جرت أحداثه على مدار التاريخ الإسلامي بداية من أحداث ثورة الأمصار والحرب الأهلية، وحتى الصدام العثماني الصفوي في القرن السادس عشر هجريًا، لطالما كان حاضنًا مناسبًا لقيام الدول الإسلامية القوية على اختلاف مذاهبها.

فما حدث من إعدام للنمر والزهراني هو بمثابة واقعة بسيطة اختزلت فيها الكثير من الأحداث (السياسية- المذهبية- الاجتماعية) التي تدور في الجوار وتعاني منها دول المنطقة بأسرها، وهو ما ينبئ عن اقتراب حدوث حالة تغيير كبير وضخم في واقع المنطقة العربية كلها.

  • إذا كانت إيران هي الداعم الأكبر للفرق الشيعية في المنطقة، وتعتبر نفسها الأخ الأكبر للشيعة في جميع الدول السنية، فذلك بسبب أولًا قوتها العسكرية المتصاعدة، وثانيًا -وهو الأهم – نفوذها السياسي في منطقة الشرق الأوسط ودول آسيا الوسطى وعلاقتها القوية بباكستان الإسلامية.

ومعنى ذلك أن إيران تستند في الأساس على مجال حيوي سياسي كبير وممتد، مما يمكنها أن تستخدم قوتها الناعمة في الكثير من الأحيان – بل في جل الأحيان إن شئت الدقة – أما على الجانب الآخر، فإننا نجد أن تيار (السلفية الجهادية/ الخوارج) لا يلقي بالًا لمسألة القوة الناعمة أو التوازنات السياسية، بل إنه يبني إستراتيجيته على التدخل العنيف فحسب، والدولة الإسلامية في العراق والشام أبرز مثال على ذلك.

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هنا، هل من مصلحة الجانب السعودي (السني) أن يستنفد قوته وموارده وينهك نفسه في معركة مع الجار الإيراني (الشيعي) القوي، الذي أثبت التاريخ أنه يمكن أن يقبل بالحلول الوسطى وبأنصاف الحلول؟ أم يدخر قوته لمواجهة تيار فكري ديني مذهبي راديكالي لا يقبل إلا برفع رايته على أرض الحرمين الشريفين؟

  • في الوقت الحالي تنشغل التنظيمات الجهادية الإسلامية بمعركة وجود في العراق ضد ميليشيات الحشد الشعبي العراقية الشيعية، ومن عجائب القدر أن الطرفين المتقاتلين على أرض الرافدين قد أعلنا غضبهما مما قامت به المملكة السعودية من إعدام للنمر والزهراني، وتوعدا المملكة بالرد.

وسوف تثبت الأيام الآتية عن حجم تلك التهديدات ونتائجها، فهل تلجأ إيران لإجراءات تصعيدية ضد آل سعود؟

وهل تنتقم عناصر السلفية الجهادية ممن أعدموا أحد أهم منظريهم ومفكريهم؟ أم أن انشغال تلك العناصر في معاركها المتلاحقة سوف تثبت أن الزهراني لا بواكي له؟

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد