أصبح من الأكيد أن الإعلان الذي أعده بيت الزكاة المصري، وشاركت فيه الفنانة دلال عبد العزيز أثار إزعاج وانتقاد الجميع بل استفز الكثير، وإن تنوعت الأسباب، وهو ما تُرجم بإلغاء عرض الإعلان بقرار من الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، بدايةً الإعلان يحث الناس على التبرع لبيت الزكاة لتوصيل مياه صالحة للاستخدام لقرى نائية بالصعيد عن طريق حديث يدور بين الفنانة دلال عبد العزيز و«عفاف» إحدى قاطنات قرية كفر ناصر بمحافظة بني سويف، وهي سيدة لديها ثماني بنات، ولا يوجد مصدر للمياه لديهم سوى ملء الزجاجات مباشرة من النيل.

ويأتي المشهد الثاني حين تصطحب عفاف الفنانة دلال عبد العزيز لترى الزجاجات التي تستخدمها لتفاجأ الأخيرة بكم القذارة التي تعتلي هذه الزجاجات ومنظر المياه الملوثة، وتذهب معها بهذه الزجاجات الملوثة لتملأها من النيل الملوث أيضًا وتشرب منها وتغسل وجه ابنتها الصغيرة به، وتناشد الفنانة الجمهور بالتبرع موضحة أن قيمة توصيل المياه ألفان جنيه فقط، إلى هنا ينتهي الإعلان ليفتح العديد من أبواب الانتقاد التي لم يتوقعها أي من القائمين على الإعلان؛ فالانتقاد الأول جاء لرد فعل دلال عبد العزيز حين رأت الزجاجات سواء للاستنكار المنفر دون مراعاة للسيدة المتضررة، أم من التعليق حيث اكتفت بطمأنتها قائلة «معلش»، وهو ما أثار تهكمات الجمهور فضلاً عن تردد بعض الأقاويل بأن قيمة الإعلان حوالي ربع مليون جنيه لتصحح من قبل أحد القائمين على الإعلان بأن قيمته حوالي 600 ألف جنيه أي ما يكفي لإيصال المياه النظيفة لـ300 أسرة بهذه القرى، مما أثار غضب الناس.

لم تتوقف دائرة الانتقادات عند هذا الحد، بل انتقد البعض أداء الحكومة التي تترك الناس بلا مصادر شرب ليصلوا إلى هذه المرحلة، خاصة في ظل العدد من المشاكل الاقتصادية التي يمر بها الناس حاليًا ما جعل غضبهم سهل الاستثارة، وبعض الناشطين بدأوا يروجون لكون هذه الإعلانات دلالة على فشل الحكومة وعدم أدائها لوظائفها كما يجب، وسط استحضار للعديد من المشكلات التي يعاني منها الناس، والبعض روج لإمكانية أن تكون هذه الإعلانات موجهة لإشعار الناس بأن هذا الإصلاح وتلك المساعدات واجبهم، في حين أنه مهمة الحكومة ووجود مثل هذه الحالات دليل قصور واضح يتطلب ردًا وسرعة حل لهذه الأزمات.

ازدادت الأزمة احتقانًا حين انتشر فيديو للسيدة التي ظهرت بالإعلان مؤكدة أن أحدًا لم يحاول حل مشكلتها أو توصيل المياه لها، وأنها ما زالت على حالتها إلى الآن!

ويبدو أن مثل هذه الآراء وجدت صداها عند الحكومة، وهو ما ظهر في طلب المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام من الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر والقائم على مؤسسة بيت الزكاة المصري وقف الإعلان لما يصدّره من صورة سيئة عن أداء الحكومة وعن تأكيد وجود قصور وتلوث بالمياه وهو عكس الصورة التي تعمل الحكومة على تصديرها من خلال جهودها لتنقية مياه النيل، فضلاً عن الإشارة إلى أن هذا الإعلان يؤكد صحة الحملة التي تنتشر بالخرطوم – السودان لوقف استيراد الفواكه والخضروات من مصر لتلوث مياه النيل.

بالطبع لا يمكن إغفال الدور التسويقي والضرورة الإعلانية لأي مؤسسة لتصل إلى الفئة المستهدفة وهذا بالتأكيد ينطبق أيضًا على الجمعيات الخيرية لكن عندما نصل إلى هذا الحد من «استخدام» الأشخاص ومشكلاتهم لاستدراج الناس لدفع تبرعاتهم دون أن يجدوا أو يروا تطورًا أو حلولاً ملموسة أمام أعينيهم سينقلب السحر على الساحر، وستثار التساؤلات لماذا هذا الكم من البذخ في استخدام الدعاية دون توظيفها بشكل صحيح لخدمة المحتاجين، ولم لا يوجد كشف سنوي بحجم التبرعات وأماكن إنفاقها تجنبًا للشبهات والشكوك؟! فحملة تتكلف 600 ألف جنيه لمؤسسة خيرية، أعتقد أنه رقم مبالغ فيه جدًا، خاصة أن هذا بخلاف ثمن عرض الإعلان على القنوات الفضائية، والتي قدرت من 5 سنوات بـ100 ألف جنيه للدقيقة!

من حق المتبرع أن يعرف أين تذهب نقوده، ومن حقه أن يجد مكانًا أمينًا لدفع ذكاته وصدقاته، وأن تصل فعلاً للمحتاجين الذين من الصعب الوصول إليهم، والذين لا يجدون المساعدة المطلوبة، فالأزمة ليست في إعلان لمؤسسة بعينها، ولكن في منظومة الجمعيات الخيرية الكبرى ككل، وفي ظل القانون الجديد لتنظيم عمل المجتمع المدني فالمبادرات الصغيرة من المتوقع أن تتضاءل بشكل ملحوظ قد لا نجد أمامنا سوى هذه المؤسسات الكبرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تحميل المزيد