لفت انتباهي وأنا في طريقي إلى العمل ظهيرة أحد الأيام التفاف المارة حول اشتباك بين مجموعة من الأفراد، لم أتوقف لأشاهد ما يحدث بل صَعدت ما يقرب من 20 درجة هي التي تفصلني عن المعركة الناشبة أسفل سُلَّم أحد مخارج الطريق الدائري بالقاهرة، وجلست في الميكروباص فأُتيحت لي فرصة رؤية المعركة من أعلى بشكل بانورامي من كل جوانبها، فوجدت أنني أعرفُ وجوه أغلب المتشابكين: إنهم المتسولون الذين يتناوبون على هذه المنطقة، فرأيتهم يتقاتلون كما تتقاتل الوحوش في البرية من شدة الجوع على فريسة، وسمعتهم يتنابزون بالألقاب ليؤكدوا أنهم مجردون من أدنى مستويات الأخلاق ويتملكهم حب المال.

ورأيت المارة يتحلقون حولهم عاجزين عن التفرقة بين أياديهم المتشابكة بعنف وإصرار على الرغم من محاولة بعضهم، ليبدو قانون الغابة مطبقًا بحذافيره أمام عينيك، حتى علا صوت أحد المشاهدين قائلًا: «سبوهم يموتوا بعض، أنتم عارفين هُمَّ بيتخانقوا ليه؟» إنهم يتعاركون بسبب خلافهم على ترتيب أدوار قبض جمعية يشتركون فيها، ويدفع فيها الفرد منهم ألف جنيه يوميًّا! ويقبض في دوره 300 ألف جنيه، وأنهم قد اجتمعوا وقت الظهيرة بعد انقضاء فترة العمل الصباحية للاتفاق وترتيب الأمور.

مما يعني أن الجمعية من 10 أسماء ومدتها 10 شهور، وأن المتسول الواحد منهم يُخصص 30 ألف جنيه كل شهر للجمعية فقط، وما خَفي كان أعظم! فبدا المشاهدون وكأن على رؤوسهم الطير من هول ما سمعوا وأنا معهم لدرجة أنه لما تحركت السيارة التي أُقلها واستلمنا الطريق لم تذهب صورة المعركة من ذهني ولم تتوقف كلمات من كشف سبب المعركة عن الترديد في أذني، فأشفقت على كل من خدعتهم مَسكنة هؤلاء المتسولين وادعاؤهم الحاجة والظروف الصعبة، فاستقطع الطالب من مصروفه والموظف من راتبه وغيرهم ليسدوا بعض حاجاتهم ظنًا منهم أنهم من أحق الناس بالصدقات، وهم لا يعلمون أن التسول أمسى مهنة باهظة الربح.

وبذلك أرى أنه لا بد أن يكون للمسلم فِراسة نافذة في تحري أولى الناس بالصدقات وأموال الزكاة فهم الذين تحسبهم أغنياء من التعفف ولا يسألون الناس إلحافًا كما قال تعالى، والمتسولون يسألون الناس إلحافًا فكيف تجوزعليهم أموال الزكاة والصدقات إذن؟! فعلى المسلم أن ينظر حوله بعين البصيرة بأن يتجاوز المظهر وما تراه عيناه من طرق التعفف، فيرى من عليه هَمُّ الحاجة ومن عنده خواطر العَوَز، ويمكنه استنباط حاجة الفرد من زلات لسانه أو حكاياته العارضة، وألا يستعظم تقديم المساعدة أو الصدقة لمن يراه محتاجًا متعففًا ظنًّا منه أن هذا قد يسبب له حرجًا ومن ثم سيرفض قبول صدقته، فقد يجد قريبًا له أو جارًا أو حتى زميلًا في العمل في أمس الحاجة إلى المساعدة لكنه يستحي السؤال.

وأرى أنه من السُنن النبوية المتروكة في هذا الزمان المتسارعة وتيرته سُنة إطعام الطعام كما أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «أطعموا الطعام»، فإذا كنا لا نستطيع دعوة الناس إلى بيوتنا لإطعامهم، فعلى الأقل يتوجب علينا ألا نلقي بقايا طعامنا في القمامة بل نغلفها ونعطيها لبائع متجول مثلًا أو أسرة تفترش الشارع وغيرهم ممن نستشعر حاجتهم للطعام. كما أرى أنه يَحْسُن للمسلم أن يتصدق بما يزيد على حاجته من ملابسَ مستعملةٍ أو أحذية أو أجهزة أو غيرها من الأشياء التي قد تكون أفضل من المال عند المحتاج الذي لا تكاد تُغطي ميزانيته شراءها، وأرى أنه علينا ألا نستسهل التخلص من الأشياء الزائدة جملة واحدة ولجهة واحدة بل ننظر حولنا ونجتهد في معاينة الشخص الملائم لكل شيء، فنسعد باستخدامه للشيء بدلًا من إهماله إياه إن لم يكن يحتاجه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد