مرحبًا عزيزتي يُولاند، أودُّ إخبارَك أنني أتممتُ فريضة الصّيام حتى هذا اليوم من هذه الأيام المباركة، لكنّني لم أجد في صيامي فضيلةً كما وجدتُ في فضيلة المحبّة.

هُنا يا حبيبتي أرى إمام مسجدٍ يتلو علينا أوائل سورة النساء بآياتها الستّة عصرًا، صادفتُ أن ساقني القدر إلى منزله قبل المغرب بساعةٍ ونصف لأُعطيهِ بعضًا من التمرات التي أردتُ توزيعَها صدقة جارية، وما رأيتهُ إلا معنّفًا لزوجته التي يكاد صوت بكائها يئنُّ على وقعِ رائحة الطعام الشهي.

لم أطرقْ الباب، لكنني توجّهت صوبَ ذلك البقّال العجوز – أبو ليلى- والذي يمكث بدكّانته أمام منزل هذا الإمام مباشرةً. بادرتهُ بالسؤال: «عمّي أبو ليلى، كل عام وأنت بخير، شو القصّة؟ مالها زوجته لأبو حذيفة بتعيط بصوت عالي؟».

فأجابني: «وأنت بخير يا ابني، الله يهديه نازل يفش غليله في أم حذيفة علشان واحد تعثّر فيه بالشارع قبل شوية وانسكب على جلابيته البيضا صحن الملوخيّة».

أستغفر الله العظيم، ما هذا البؤس الذي سمعته للتوِّ من أبي ليلى، قمتُ من مكاني فزعًا، وأخذتُ بعضًا من تمراتي وقدّمتها لأبي ليلى، ثمّ انصرفت.

سَلَكتُ أدراجي مستمرًا في المُضيِّ بين ثنايا الحي، إلى أن وصلت منزل شيخ المنطقة أبي محمّد، وعندما هممتُ بطرقِ باب المنزل توقّفت يدي اليُمنى قبل أن تلمس الباب على بُعدِ إنشٍ واحدٍ فقط، وما أوقفني من الطرقِ إلا تلك الضحكة العفيفة التي دوّت في أُذني من فتاته الصغيرة الجميلة، أجل، كان يداعبها ويُلاطفها ويضحك معها حتى أنني خجلتُ أن أطرق باب منزله لأقدّم له التمر، فلم أود أن أقتطع بهجة تلك الجميلة مع والدها لأجل تلك التمرات القليلة، فتركته ومضيتُ على قناعةِ أنّ لديهِ من غِذاء البهجة ما يُشبع بطون الأنقياء السُّعداء.

استمرّيتُ في المُضيِّ قُدمًا استكمالًا لجولتي بين أرجاء الحي، فوجدتُ شابًا قَزِعَ الرأس يجلس على ناصيةِ منزله، نظرتُ إليه خلسةً فرأيتهُ يسكب الماء في يديهِ برفقٍ ليسقي تِلكَ القطّة، ويمسحَ على رأسها المُصابة بعد أن تنتهي من الشّراب بكلِّ لطفٍ واطمئنان، ثم تنتفض القِطّة لتقفز إلى صدره ويحتضنها كالأمِ التي تلتقط صغيرها منتظرةً إياهُ أن ينام.

أوه، يا للهول، لقد شعرتُ أنّ الله قد مسحَ ذنوبه عند تلك التمريرة الخفيفة بيده على رأسها المشوّهة، فخرجتُ من مخبئي وذهبتُ مُجعبًّا بالتمراتِ لأشكره على ما أبهرني من مشهدٍ قويم، بإخراجٍ فنِّيٍ عظيم.

تركتهُ وبقيتُ ماشيًا إلى أن صادفتُ أولئك المجاهدين الذين خرجوا لملازمة مواقعهم العسكريّة على نية أن يَفطُروا هُناك ثم يستكملوا تدريباتهم البطوليّة، أوقفتُ أحدهم ممن أعرفه وألقيتُ عليه ثلاثة أكياس من التمر وشكرني مبتسمًا مستعجلًا، فما كان لديّ إلا أن واصلتُ المسير، فوجدتُ فتاةً تعبر الطريق، بإطلالةٍ تستطيع من خلالها أن تنافس القمر ليختبئ في محاقه بكلِّ استحياء، فأوقفتها وألقيت عليها سلامي وقدّمتُ إليها بعضًا من التمرات القليلة، فأخبرتني أنها ستعتبرها كالهديّة نظرًا لكونها فتاةً مسيحية. فاستحضرتُ يُولاند في ذِهني مسرعًا ونظرتُ إلى الفتاة مندهشًا بحجابها ومستفسرًا عن فكرتها الأيدولوجيّة، فقالت لي أنها مسيحيّة لكنّها تلبسهُ احترامًا لطقوس شهرنا الدينية، فشكرتها على قبول الهديّة، وصافحتها ممتنًّا على حُسن معاملتها البهيّة.

عشرون دقيقة على موعدِ الإفطار، عُدت إلى منزلي مبتسمًا، فرأيتُ يُولاند تُعِدُّ إليّ طعامًا شهيًّا، دخلتُ إلى المطبخ فوجدتها منهمكةً تتصببُّ عرقًا على إثر ما تناله من بخارِ المكان، فاقتربتُ منها خلسةً حتى أبصرتها تتذوّق قطعة صغيرة من الطعام الذي تُعدّه إليّ، فأمسكتها من كتفيها بغتةً فقَفَزَتْ إلى الأعلى بكلِّ ما استطاعت من صدمة.

قمتُ بالتهدئةِ من رَوْعِها واعتذرتُ لها عن هذه الخضّة المباغتة، وأخبرتها مازحًا بأنها سيّدة غشّاشة، تستطيع أن تخفي إفطارها حتى لا ألحظه فيُصيبها الخجل، فنظرتُ إلى عينيها الملوّنة وقلتُ لها: «أيتها المسيحيّة الجميلة، ما لكِ تشبهين تقوُّسَ الهلال أثناء ضمِّ رمشيكِ ثم تأتين لتشتكي الخجل من رمضان؟!».

صفر دقيقة، حان موعد أذان المغرب، جلستُ أردِّد خلف الأذان، لتبقى يُولاند تردِّد: «أحبك أحبك أحبك أحبك» حتى ينتهي المؤذِّن من إلقاء النداء، وبعد انقضاء الأذان، اعتدتُ أن أُمسِكَ يديها مقبّلًا وشاكرًا ومُعلنًا بِقُبْلَتي أمام خالقي قضاء فترة الصِّيام.

أيها النساء: الطعام لا يحتاج ملحًا أو سكّرًا، الطعام يحتاج حبًّا وحنانًا.

أيها الرجال: لا تكونوا رمضانيين، وإن شئتم أيضًا لا تكونوا ربّانيين، لكن اِحذروا ألا تكونوا إنسانيين.

أيا حبيبتي يُولاند: أدري أنّ الله غفورٌ رحيم، أدعوهُ أن يغفر لي كلّما رأيتك في هذا الشهر الفضيل، فأنا أروي ظمأي كلّ نهارٍ برشفةِ حبٍّ من ماء عينيك لا تجعلني أظمأ بعدها أبدًا.

أيا جميلتي، إنّ الله قد خلقَ المحبّة قبل أن يخلق الأديان، ولولا أن خلقها نهجًا محكمًا لَمَا ائتلفنا سويًا على دياناتٍ متباينة، وهذا هو رمضان، فهذا ليس شهر العبادة بالصلواتِ فحسب، فرمضان شهر المحبّة التي اختصّها الله عن باقي الشهور؛ لنُعيد ترتيب حساباتنا ونمحو كلّ فُتور، فكان هذا الشهر شهر الفتوح والأعمال الطيبة، فلم تكن حكمة الله فيهِ إلا أن جعله فيصلًا زمنيًّا يربطنا من سنة لنُحدد في خِتامها معالم تلك السنة الأخرى في شهرٍ وجيز، وها أنا أعودُ جالسًا أمامكِ كما تجلسين، أجثو على ركبتيّ بكلِّ حبٍّ كما فعلتُ على مدارِ سنين، لأضع عهد الإله الذي أوفيتُ فيه كل عام وحين، فأنا أعاهدك في هذا الشهر وفي هذا اليوم وفي هذه الساعة وتلك الدقيقة وهذه الثواني «أن أحبكِ أكثر، وأبقى لنهجِ الحبِّ وفيًا كلّما عمّت صيحة – الله أكبر-».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد