(مشهد تخيُلي: يجلس ضابط الشئون المعنوية بالمخابرات متكئًا على كرسي مكتبه الفخم، مُتناولًا سيجارة البايب، يحتسي فنجانًا ساخنًا من القهوة يضحك ملء فيه يقول: سعيد الحظ من يحكم شعبًا كهذا).

انتهت المباراة الأخيره في بطولة إفريقيا بفوز مُستحق لنادي صن داونز على الزمالك، الذي خسر في مبارة الذهاب بثلاثة أهداف نظيفة، شاهدت جزءًا ليس بالقليل من المباراة إلا أنني ما لفت نظري وجذب انتباهي إلا بداية الشوط الثاني، وبالتحديد آخر ربع ساعة من المباراة.

لم أر لاعبًا من الزمالك إلا ويبذل قصارى جهده، بل كان جمهور الزمالك كأن على رؤسهم الطير في تركيز وانتباه شديد لمجريات المباراة، كان الكل يدرك أنها الفرصة الأخيرة للنادي العريق وأن الخسارة حتما تعني ضياع اللقب.

وانتهت المباراة وخابت آمالهم، فبكى من بكى وأُغشي على البعض وهاج آخرون بالسب واللعن للاعبين تارة وللحكم تارة أخرى.

الجدير بالذكر أن هذا المقال ليس للتحليل الرياضي كما أن كاتبه لا يفقه كثيرًا في الرياضة ما يؤهله لكتابة مقال أو تحقيق استقصائي، ولكن أحببت لفت الانتباه إلى أمر هام يغفل عنه الكثير، أن الناس كل الناس في هذه الدنيا لا يُدركون أهمية الوقت وقيمة الفرص الضائعة طوال سنين عمرهم إلا حين يفاجئهم الموت.

مؤكد أن الزمالك كان سيفوز بالبطولة لولا خسارته على أرض الخصم، ولكن ما حدث جعل الأمر صعبًا بل ومستحيلًا، كذلك الناس الذين ضيعوا فرصًا في حياتهم سواءً لتحقيق أهداف دُنيوية كعمل مرموق أو اكتساب مهارات أو سفر أو إقامة مشاريع، أو أهداف أخروية أعني الفوز برضا الله والجنة من خلال الحفاظ على الصلوات وإيتاء الزكاة وحفظ الفم والعين عما يغضب الله، ولا يدري المسكين أنه سيأتي عليه وقت يندم على ما فعل، ويبكي كما بكى جمهور الزمالك ولاعبوه حُزنا على ضياع فرصة الفوز.

الإنسان في الدنيا جُبل على النسيان، ومن مجمل نسيانه أنه ينسى أنها لحظات وسينتقل إلى جوار ربه يحاسبه على الصغير والكبير، إلا أنه لا يدرك هذه الحقيقة، والقرآن الكريم أكد على هذا المعنى كما جاء في قصة غرق فرعون الذي ما أدرك الحقيقة إلا حين أدركه الغرق (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين)،  وعندها لا ينفع الندم ولا البكاء ولا النحيب.

إن مشاهد جمهور الزمالك أثناء وبعد المباراة كانت مثيرة للشفقة جدا، ليس فقط لأن الأمر مهما بلغت أهميته لا ينبغي أن يُشكل كل هذا الحد من الاهتمام والتعاطف إلى حد البكاء والإغماء أحيانًا، ولكن المؤسف أن هذه الطاقات المتوهجة لا تُوجه في الاتجاه الصحيح، فتلك الدموع وهذا التعاطف وهذه المشاعر كان الأولى بها القدس الذي يُدنس كل يوم بأقدام أبناء القردة والخنازير أو أرض سوريا وما يحدث فيها من سفك للدماء التي لا تتوقف حتى كتابة هذه السطور أو بورما وما أدراك ما بورما!

لاينبغي أن يُفهم الكلام على أنه ضد تشجيع فريق والتعاطف معه كلا، ولكن الأمور يجب أن تُقدر بقدرها، فلا يمكن أن نرى مشاهد الشباب وهي تبكي وتنهار حتى يصل الأمر إلى التشاجر والقطيعة بين الناس والسبب مجرد قطعة من الجلد (الكرة )، والأمة تُنتهك حُرماتها وتُغتصب مُقدساتُها، لا أقول أن عدم تشجيع فريق والتعاطف معه سينصر الأمة ولكن يجب أن يكون هناك حد أدنى من حمرة الخجل في نفوسنا.

ملحوظة، كاتب هذه السطور زملكاوي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد