يحزن الأب حينما يرى ابنه منساقًا خلف أصدقائه بلا عقل وبلا تفكير حيث يخرج الولد مع أصدقائه في الوقت الذي يحددونه وفي المكان الذي يحددونه، فسرعان ما يشك الأب في تربيته لهذا الابن ويقول ربما قسوتي عليه بعض الشيء جعلته هكذا؟ يخاف الأب على مستقبل ابنه إذا ظل هكذا، فانسياقه لأصدقائه قد يتطور ويكون منساقًا للجميع مما يُضيّق مساحات الإبداع لديه إلى أن تختفي ويصير شخصًا نمطيًا يلفظه العالَم.

يروي صنع الله إبراهيم قصة حياة البنت ذات ابتداءً من انزلاقها في هذه الدنيا ملوثة بالدماء مرورًا بحياتها في بيت أهلها ثم بيت زوجها انتهاءً بمرحاضها الذي يحتويها لحظات البكاء.

تناقش رواية «ذات» الأحداث التي تمر بها ذات في ظل الأعراف المجتمعية السائدة في الفترة منذ جلاء الإنجليز عن مصر 1952 حتى عصر مبارك ونجد بالتوازي مع أحداث ذات الاجتماعية أحداث مصر السياسية، فيبرع صنع الله إبراهيم بتشبيه حياة ذات الاجتماعية بحياة مصر السياسية.

يدور المقال حول عدة نقاط، صورة المنساق في الرواية ودور السلطة في جعل الشخص منساقًا، دور السياق الثقافي والاجتماعي في ذلك، الصراعات التى يواجهها المنساق، ما بعد الانسياق.

عزيزي القارئ/القارئة، أريد أن أخبرك بأمرين، الأول إن الرواية تختلف كثيرًا عن المسلسل، الأمر الثاني برجاء عدم اعتبار هذا المقال نقدًا أدبيًا فيمكنك اعتباره تحليلًا اجتماعيًا لنص أدبي.

تنزلق ذات إلى العالم ملوثة بالدماء وتُصدم سريعًا بأول صدمة لها في الحياة حينما رفعت في الهواء وقلبت رأسًا على عقب ثم صفعت على مؤخرتها، فربما يختصر هذا المشهد الرواية من البداية إلى النهاية ولكن دعنى أكمل ربما نجد مخرجًا في التفاصيل. الصدمة الثانية حدثت عندما أمسكوها وفتحوا فخذيها عنوة ثم اجتثوا ذلك النتوء الصغير الذي سبب إزعاجًا للمصريين من قديم الزمان.

عاشت ذات فريسة تقاليد وعرف العصر في بيت أهلها، ولكي لا يصدق البعض الأسطورة التي تقول بأن البنت تأخذ حريتها بعد خروجها من بيت أهلها جاء «عبدالمجيد أوف كورس» ليحطم تلك الأسطورة، فالذي حدث هو أنها استكانت إلى المظلة المتينة المهداة إليها والتي مثّلت امتدادًا طبيعيًا لمظلة أبيها.

ما بين قبل الخطوبة وبعدها نجد سلسلة من الرفض القاطع ليس فقط لرغباتها بل الرفض القاطع لإعلان نواياها الأمر الذي كان بمثابة بداية لحياة كاملة من القبول بما لا ترضى، فكانت الصورة الذهنية التي تعشش في ركن من رأس عبد المجيد المتمثلة في صورة الغسالة الجالسة أمام الطشت كاشفة عن فخذيها وأحيانًا ثدييها كانت سبب رفضه لإعلان نوايا ذات لشراء الغسالة. بعد ذلك رسم بلهجته القاطعة أوف كورس ثلاث غرف وصالة (يجب أن نفكر في الأطفال)، بلكونة على الشارع (لا بد أن نكون على وش الدنيا)، الطابق الثاني (خير الأمور الوسط) وحينما عجز عن تحقيق ذلك فرض بنفس اللهجة شقة في الدور الرابع بلا بلكونة تطل على الشارع وغرفتين فقط، وبين هذا وذاك يتضح البند الرئيسي في عقد الزواج العربي وهو الطاعة، فإن الزوج هو الآمر وهو الممسك بالدفة، أما الزوجة، فالتراث الشعبي والنصائح الموروثة تؤكد فضيلتها الكبرى تكمن في كونها زوجة مطيعة، ونرى لاحقًا أنها كانت مطيعة حينما حرمها زوجها من العمل، وكانت مطيعة أيضًا حينما قال أن بقاءها في البيت لم يعد له ميننج – كما يقول عبدالمجيد أوف كورس – ولابد أن تعمل مثل الأخريات. وأطاعت زوجها حينما وضع تخيّلًا للبيت ووافقته على خياله، وحينما عجز عن تحقيق ما تخيله أطاعته في التصور الجديد الذي أصبح واقعًا مفروضًا.

«اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته»

لم تكن ذات كالورقة البيضاء تمامًا بل كانت تتبنى إيجابيات الموقف على ضوء السباق القائم بينها وبين أختها الكبرى «زينب» والتي تزوجت بلا شقة، وابنة خالتها «عفاف» التي تقيم مع زوجها في البدروم، وأعز صديقاتها «هناء» التي تعيش في غرفتين على السطوح، و«صفية» التي تقيم مع زوجها عند أهله، و«منال» التي تعيش أيضًا مع أهل زوجها، وأخيرًا والدا ذات نفسها اللذان يقيمان في شقة رطبة مظلمة بالطابق الأرضي. وفيما يتعلق بعملها فهي أحرزت نقطة في البداية على ابنة خالتها التي أجبرها زوجها على العمل في اليوم الأول من الزواج فكانت ذات رُحِمَتْ من المواصلات والزحمة ونسيت النقطة التي أحرزتها حينما أمرها زوجها بالعمل هي الأخرى.

«القفه أم ودنين، يشيلوها اتنين»

تظهر ذات مناضلة في أكثر من موضع، فيرفض زوجها أن يلتحق بمسيرة التجديد التي لحق بها كل سكان العمارة من تغيير السباكة القديمة أوتصليح ما بها من أعطال أو دهانات البيت أو تركيب السيراميك، وبعد شعور ذات بالدونية بين أقرانها وبين زملاء العمل وحزنها الذي يكمن في أنها حينما رأت واقع من هم أقل منها ارتضت بواقعها في البداية تطبيقًا للمثل القائل «اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته» فكانت قد ارتضت لا لأنه الأفضل بل لأن واقعها أفضل منهن، فرأت المنافسات يسبقنها بمراحل و لم تستطع التحدث ببنت شفة، فصعدت عفاف من البدروم إلى شقة تدخلها الشمس وتطل على البحري، وزينب سافرت إلى الخليج وعادت بسيارة فارهة مع زوجها، وانتقلت منال من أمريكا إلى جنيف بعد أن أصبح زوجها خبيرًا في الأمم المتحدة، وغيرت هناء عفش البيت من ورق الحائط الملون إلى استبدال إيديال 10 قدم بوستنجهاوس 20 قدم، وتليمصر 16 بوصه بناشيونال 26 بوصة. نجد ثمة محاولات تصحيحية تنتهي بنفاذ جعبة ذات المالية. وفي موضع آخر حينما رأت ابنها مُهَانًا في المدرسة الحكومية صعب عليها ذلك وطلبت من زوجها أن يدخله مدرسة بمصاريف أكثر ورفض قطعًا، فبدأت تدبر الأموال وتخفي ما تأخذه من المكافأت إلى أن استطاعت أن تدخله المدرسة الخاصة.

تتوالى الأحداث ونجد أن ذات كانت تبذل كل ما في وسعها لتحسين أحوالها بينما كان عبد المجيد أوف كورس متبلد أناني هادم مخرب ذلك تحديدًا ما وصفته به ذات في إحدى تجاربها الثورية الفاشلة، فمن هو مثل ذات يعيش في وطأة عبد المجيد لابد وأن يكون لها منفذ ينفّث فيه عن غضبه فظلّت تكتم في نفسها كثيرًا وكان المرحاض هو البطل الشريك في الرواية، فقد كان المرحاض هو المهوّن فكانت حينما تحزن تدخل وتجلس على المرحاض وتبكي، تكرر جلوسها على المرحاض مرات عديدة إلى أن ملّت وثارت، وبعد أن فشلت كل تجاربها الثورية عادت إلى المبكى إلى المرحاض.

«دوّخيني يا لمونة»

كان لديها أمل في تغيير الأوضاع، فتارة تنصح زوجها بالسفر إلى الخارج، وتارة تترك البيت يأسًا وتذهب لصديقتها لتشحن طاقتها وتعود مرة أخرى، وعلى الرغم من أنها أدركت أنها لم تعد أفضل من غيرها بل صار الجميع أفضل منها إلا أنها عادت لأجل الأبناء، عادت لترى حسنات زوجها لتتكيّف معه. فبتشابك ذات مع الزمن والأحداث والتوهان الذي يحدث أن ينسي الشخص همومه أو بالتحديد ينسيه مكان الألم الحقيقي، فأحيانًا يذهب المريض إلى الطبيب يشكو له ألمه دون تحديد واضح لمكان الألم، يقول للطبيب أنا مريض وفقط، تتشابك هموم العمل وزملاء العمل الذين هم أفضل منها نسبيًا، بناتها اللاتي يكبرن، ابنها الذي تأخر في النطق وصعب عليها وضعه واضطرت إلى تعليمه في مكان خاص، وعبدالمجيد أوف كورس الذي سُجن 3 شهور ظُلمًا، لم يتبق لذات سوى المرحاض الذي هو سر تضخم مؤخرتها كما صوّرها المبدع صنع الله إبراهيم على غلاف الطبعة الأولى للرواية.

ذات ولدت مع جلاء الاحتلال، فجاء الأمل، خُتِنَت مع النكسة، فذهب الأمل، كبرت في اشتراكية عبد الناصر وكانت سعيدة، خطفها زوجها إلى رأسمالية وانفتاح السادات فصارت تعيسة وأنجبت أولادها في ظل فساد مبارك فباتت النهاية تعيسة.


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ذات
عرض التعليقات
تحميل المزيد