يعتبر إدوارد ميشو بلير من بين أهم أعلام السوسيولوجيا الكولونيالية، سواء على المستوى النظري، أو الميداني، ترأس البعثة العلمية في طنجة سنة 1907، بعد جورج سالومون، الذي كلفه لوشاتولي على رأس البعثة العلمية قبل ميشو بلير، ليعرف البحث السوسيولوجي الكولونيالي بالمغرب مع ميشو بلير تحولًا جوهريًا باعتباره قد قسم خريطة السوسيولوجيا المغربية إلى ثلاثة حقول أساسية:

– سوسيولوجيا المغرب.
– سوسيولوجيا المخزن.
– السوسيولوجيا الإسلامية.

كما نحت المفاهيم الأساسية لفهم طبيعة المجتمع المغربي، مفهوم الزاوية، مفهوم المخزن ومفهوم القبيلة، وأضاف مفهومًا فرعيًا وهو الجماعة، وهنا سنتوقف عند مفهوم الزاوية كمفهوم مركزي في سوسيولوجيا ميشو بلير داخل المجتمع المغربي.

يرجع الاهتمام بظاهرة الزوايا في المجتمع المغربي إلى الدور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الذي تقوم به، كونها لعبت دورًا مهمًا في تاريخ شمال أفريقيا عمومًا، وفي المجتمع المغربي على الأخص منذ القرن 19 حسب ميشو بلير. وما كانت تقوم به على المستوى التنظيمي سيشكل بلا ريب إحدى الأشكال الأكثر أهمية فيما يتعلق بالسياسات الأهلية، وكما تحدث عنها أيضًا في جانبها الاقتصادي ودفاعها عن حيزها الجغرافي، إذ إنها كانت تتحكم في الطرق التجارية، إضافة إلى أنها شاركت في الحروب ضد الأجانب نظرًا لشراسة أولئك الذين ينتمون إليها من أهل البدو، كما عبر عنهم ابن خلدون في مقدمته وقال: إن أهل البدو أشجع من أهل الحضر، خصوصًا مشاركة بعض الزوايا في معركة وادي المخازن، و كمكافئة لها على مشاركتها في هذه المعركة، قام المخزن بتوزيغ الأراضي لصالحها، والتي عرفت بالعزيب، وهي عبارة عن قطع أرضية، أو بلدات تكون للزاوية السلطة المطلقة في التحكم فيها، وكما يحق لبعضها جمع الضرائب.

كما تناول ميشو بلير الزاوية كظاهرة سوسيولوجيا لها امتدادات متعددة، فهي ظاهرة اجتماعية ظلت في الاستمرارية كمؤسسة اجتماعية تنظيمية حية تقوم بمهام متعددة، وسنذكر قولته الشهيرة عن الزاوية خلف كل مؤسسة زاوية يختفي طامعي للعرش، أو توجد بذرة طامعي في الملك، وهنا أبرز البعد الخفي للزاوية، ألا وهو البعد السياسي في علاقتها مع القبائل وعلاقتها مع المخزن، وستنتج أن الزاوية سلطة تضاهي سلطة المخزن، وهي ذات طبيعة دينية في مظهرها، وذات أبعاد سياسية في باطنها، أي تسعى إلى الحكم، وكلما ضعفت السلطة المركزية زاد طموحها في تولي الحكم، كما حدث في عهد المرابطين، فالدولة المرابطية في المغرب هي دولة بربرية نشأت انطلاقًا من الزاوية الصنهاجية، والموحدون انطلقوا من الزاوية التي أنشأها ابن تومرت قرب مراكش.

في الجانب الآخر شكلت إطارًا توزيع المخزن لنفوذه، حيث يعمل على استمالة الزوايا، وتوطيد العلاقات مع شيوخها لتوسيع سلطته على القبائل البربرية أو بلاد السيبة على بسط سلطانه عليها، وهو كذلك منح شيوخ الزوايا نوع من التوقير والاحترام، هكذا استغل المخزن نفوذها لتقليص بلاد السيبة، ولا ننسى تلك العلاقة المتوترة أحيانًا بين الزوايا والمخزن.

إضافة إلى أن الزاوية تشكل نوعًا من الإسلام المحلي، بحيث من خلالها يتم استحضار الأبعاد المحلية، ويختلط فيها الإسلام ببعض العادات والتقاليد الماقبل إسلامية، وبالخصوص في المناطق البربرية منها، فوفق هذا التصور وكما يعتقد ميشو بلير أنها تشكل نوعًا من الإسلام المحلي، وفي نفس الوقت نوعًا من الوطنية في شكلها الجنيني.

كما أن الزاوية عند ميشو بلير تعتبر سلطة مركزية إلى جانب سلطة المخزن، وقاعدة تنظيمية للمجتمع، ونوعًا من الإسلام المحلي داخل المجتمع المغربي ، إلى جانب دورها الاقتصادي والسياسي، فهي ظاهرة اجتماعية لها أدوار متعددة على حد السواء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد