لن نطيل الحديث عن أبناء زايد الإمارات.. فهم لا يمثلون ثقلًا إستراتيجيًا، ولا يشكلون أدنى فراغ لا على المستوى الجغرافي أو الديموغرافي.. وقد لا يغطون مساحة سطر في ورقة على هامش تاريخ الأمم كنظم.. إلا أنهم يتساوون في الرؤوس مع أعتى نظم المنطقة من حيث التطابق.. كأذرع إلكترونية تتحرك وفق برنامج مُعَد في الغُرَف السوداء للنظام العالمي.. فالسمع والطاعة هما المقدمة كأوراق اعتماد لحكم البلاد والعباد.

وبعيدًا عن التلميحات والتوصيفات الرمزية لشناعة الإجراء الفردي لتطبيع أولاد زايد مع الكيان الإسرائيلى المغتصب، دون أدنى اعتبار لأهل الإمارات.. ولو باستفتاء شكلي! ولم يعد سرًا أن النُظم الحاكمة للمنطقة العربية، دون استثناء، على علاقات دبلوماسية منها على استحياء، ومنها من الباب الخلفي، إلا أنها تَحذر أن يكون التطبيع على المشاع، وهذا الاستدلال لا يحتاج إلى حدس عبقري، فالذي يبني علاقات تبعية انهزامية مع الولايات المتحدة الأمريكية، تُفرَض عليه طوعًا أوكرهًا إقامة علاقات مع الكيان الإسرائيلي، كَون الكيان الإسرائيلي أحد مُخرجات النظام العالمي، وهمزة الوصل بين نظم المنطقة والبيت الأبيض، أو كما يتراءى للبعض قدرة الكيان الإسرائيلي بالتحكم في القرار الأمريكي، سواء في الكونجرس، أو مجلس الشيوخ.

التطبيع مع الكيان جاء في وقت فارق وكقارب نجاة لإنقاذ نتنياهو من قضايا الفساد التي تلاحقه، ولتُعلي من قدر ترامب، وكإنجاز قرب نهاية فترته الرئاسية الأولى، يغازل به اللوبي اليهودي لدعمه لفترة رئاسية ثانية، والوفاء بوعد إتمام صفقة القرن!

من زاويتي، إن ضيق المسافة حتى موعد الانتخابات الأمريكية.. جعل ترامب يستهل برنامج التطبيع بدويلة مُنكشفه سياسيًا، ولا نبالغ، إذ يمكن القول إنها لا تمتلك مقومات الدولة بالمعنى الواسع الحديث، لا من ناحية الجغرافيا، ولا التاريخ، ولا الديموغرافيا، ومعلوم أن نسبة الأجانب المقيمين على أرض الإمارات يفوق أصحاب الأرض ذاتها، كما أن الشركات الغربية والمتعددة الجنسيات، التي تمارس العمل التجاري على أرضها، وبالتحديد في منطقة جبل علي، تمتص غالبية اقتصاد الإمارات، أو يقوم سوق المال عليها.. وتتحكم في القرار الإستراتيجي من خلف الستار، ولهذا جاء إرغام هذه الجغرافيا على التطبيع سهل، كما أن التركيبة الديموغرافية جعلت خطوة التطبيع أكثر يسرًا.

وهذا ينطبق بشكل كبير ومماثل على البحرين، فكل منهما يعاني من الوجود الرقمي بين الأمم المركزية، فقط يمكن وصفهم «كتوتاليتاريات» بالوراثة.

ولضيق الزمن كما أسلفنا، تم تاُجيل خطوة التطبيع دول أخرى سوف يأتي دورها بالأمر، كالسعودية، والسودان التي تعيش حالة بين التلميح والتصريح بين الفينة والأخرى لولوج سوق التطبيع كثمن رفعها من قائمة الدول راعية الإرهاب وأشياء من هذا القبيل! والمتابع الحذق يهديه الحدس إلى أن الدول غير العصية على التطبيع.. هي دول ابتداءً لديها معضلة شرعية الجلوس على كرسي الحكم، وبحاجة لتأهيل المجتمع لتقبُل التطبيع كفكرة، والسعودية خير مثال على ذلك، وجدير بالذكر أن عامل تأهيل المجتمع تشترك فيه غالبية شعوب المنطقة، لكن الملاحظ أن التفاني في سبيل كرسي الحكم، هو الرهان الضامن لراعي الفكرة في البيت الأبيض!

ولقد أبدت هذه الدول المرشحة للتطبيع والمُطبِعة ترحيبًا بالدور الذي خُوّلَ لها في ذبح ثورات الربيع العربي، وكانت جزءًا أصيلًا من الدولة العميقة، وبددت من المال ما يمكن به بناء دول من الألف إلى الياء، أو أقل ما يُقال تُعيد بناء البنية التحتية للمنطقة العربية بأسرها، بالطبع لم تنفق هذه الأموال طوعًا فقط، بل بأمر دول المركز التي تمسك بعمود الحكم في تلك البلاد.

نعلم ويعلم المراقب أن التطبيع ولد مع ولادة الكيان الإسرائيلي، بل لا نبالغ بالقول إنه (التطبيع) ولد مع فكرة الوطن القومي الإسرائيلي، وحتى يبدو طرحنا مُطردًا اطرادًا منطقيًا، لا نستثني التنسيق الأمني كوجه من أوجه التطبيع، وهو أولى بالتناول، أن نعيبه لأنه يُمارَس على الأرض المحتلة المكلومة، ومن جبهة يمثل أفرادها – من المفترض – شرف القضية إقليميًا، حتى لا يكون ثمة خلل معياري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد