من أول كلمة أقدم احترامي وتقديري لكل مواطن عربي يعيش في المنطقة العربية أو خارجها، وأذكره أيضًا أنه لربما هو الاحترام الوحيد الذي تلقاه آخر ثلاثة قرون تقريبًا، ردي على المقال الذي نشرته السيدة زينب علي البحراني على موقع good news ليس دعوة للذي نسميه في مصر «ردح»، بل هي دعوة لفحص ثغرات نصها.

عنوان المقال الذي نشرته السيدة «عن «تيران وصنافير»: ما يُعرف ولا يُقال»، ولمن يقرأ الموضوع جيدًا ويبحث فيه لن يجد تيران وصنافير في النص تقريبًا، ولكن كل ما يشغل السيدة العزيزة القديرة هو اهتمام الناس بالقضية منذ البداية، لماذا لا يتحدث المواطن السعودي على حكم سعودية الجزيرتين؟ ولماذا لم تتحدث وسائل الإعلام السعودية عن مصرية الجزيرتين، وبعد قراءة النص أكثر من سبعة وعشرين مرة، لم أفهم لماذا اتصلت فكرة عدم الحديث عن الموضوع في وسائل التعبير السعودية من مواطن أو وسائل إعدام بالعمالة المصرية!

هناك عدة أسئلة موجهة إلى كاتبة المقال قبل أن أسترسل قليلاً في بعض نقاط المقال التي يجب التدقيق فيها، أولاً هل توقفت السعودية عن نشر رواية سعود السنعوسي المسماة «ساق البامبو» احترامًا للشعب الفلبيني؟! أو مراعاةً لسكان الكويت؟! ثانيًا كم فردًا من الشعب السعودي يعلم قصة قانون جاستا؟! لم أسمع أن قناة العربية تحدثت عنه، ولم أجد الكثيرين من المدونين المعروفين في السعودية يتحدثون عن تلك القضية؟! هل كان عدم الحديث عن تلك القضية مراعاة للشعب الأمريكي، وإن كان لا سمح الله العمالة المصرية مراعاة لها، عشتُ في السعودية سبعة عشر عامًا، اللبنانية والتونسية والمغربية وغيرها من أراضي العرب أيضًا مجاملة سياسية؟! الآسيويون الذين يعملون في القطاعات نفسها التي ذكرت في مقالتك هل لاحترام الانتماء الجغرافي؟!

أحد أهم النقاط المتعلقة بمقالة السيدة أنها تساوي نظام الحكم في مصر بنظام الحكم في السعودية، وتعتقد أن للشعب السعودي أي دور في السياسة، أي من الشعب السعودي حقيقةً قام بترشيح الملك سلمان؟! وكيف وصل الملك سلمان للحكم؟! وقبل أي إجابة ماذا تعني كلمة «ملك» في لغتكم إن لم تكن العربية التي نتحدث بها؟!

حدث في مصر تظاهرات عديدة، وأحداث طويلة، هناك أكثر من جلسة لقضية حكمت بمصرية الجزيرتين، وكل تلك الأحداث كان يقابلها فراغ عند الشعب السعودي، الذي لم يكن يشارك برأيه في أي شيء، لم تخرج مظاهرة مطالبة باسترداد الجزيرتين، ولم نجد طوال عام القضية الأولى أي رد على تويتر حتى!

لا أحد في مصر، مهما كانت سلطته، يستطيع أن يقول إنه يمتلك أي شيء ومصيره، مسألة تيران وصنافير إن كانت عكسية، إن كانت مصر تطالب بها، سيقوم الملك بدفعها إلينا، بينما الصحف اليومية لديكم ستمتلئ صفحها الأولى بشعراء مجهولين يمدحون الملك وسلطانه وحسن حكمته وبطانته الرشيدة.

حين نتحدث عن دولة مصر ودولة السعودية، مع احترام الشعبين، لكن يجب أن نتذكر أن الأولى تُسمى على الخريطة وفي كتب التاريخ والمراجع الأكاديمية جمهورية مصر العربية، أي إنها دولة تخضع لنظام جمهوري شعبي، يقوم بتحديد السلطات فيها وتقسيم النفوذ، أما السعودية تسمى المملكة العربية السعودية، أي إن الشعب فيها ليس له أي دور في أي شيء، هذا الفرق الذي يجب مراعاته في الحديث حتى تزول كلمة «ملكية»، وأنا لا أدعو لزوالها، كل شعب حر في وطنه، إن أراد المشاركة في السلطة أو أن يسوقه الحاكم بنفسه، وإن لم تدرك تلك المعلومة جيدًا اذهب إلى ويكيبيديا ستساعدك.

«تيران وصنافير» التي لم أرها طوال المقالة، حين تحدث المصريون عن الجزيرتين قدموا أدلة وبراهين أنها مصرية، قدموا مستندات وأوراق، حتى «الهاشتاج» الذي مثل مصر امتلأ بتلك المستندات، مرافعات خالد علي نفسها قدمت أدلة كثيرة عن مصرية تلك الجزر، بينما الرأي العام في السعودية لم يقدم سوى السب والقذف، سؤالي بسيط وواضح ومباشر «كم دليلاً يستطيع رجل الشارع السعودي أن يقدمه على سعودية جزيرة تيران وصنافير؟»، في الأساس هل يمتلك أي سعودي على وجه الأرض منذ قيام الدولة إلى يوم الدين دلالة على أن مدينة الرياض نفسها ليس حقًا لقبيلة معينة، وأن السعودية كلها نتيجة حديثة الوجود؟! هل هناك من يستطيع أن يصرح لنا أن مثلاً هناك آثار للسعوديين القدامى توضح أن سيناء تنتمي لكم؟!

النقطة التي لاحظتها في المقال أيضًا هي مسألة تدهور أحوال مصر بعد الثورة، حسنًا مصر متدهورة من قبل الثورة، مصر تنزف وتنهار منذ عام 1952، مرت مصر بثلاث حروب في تلك الفترة، في فترة ما قبل نادي باريس لم نكن نمتلك أموالاً تقريبًا، والآن نحن في مرحلة اقتصادية صعبة، ولكن ما أريد أن أوضحه من تلك الأزمة، والتي يجعل أي إنسان يعلم قيمة مصر وقدرها الحقيقي، أن مصر لم تهتز ذات يوم لاهتزاز سلعة معينة، البترول كيف جاء الأرض كيف يرحل منها لا يهمنا كثيرًا، إن اختفى البترول الآن من العالم أي الدولتين ستكمل مسيرتها؟! ست سنوات من توقف النشاط الاقتصادي والشعب المصري يستطيع العيش وتكملة حياته قبل تلك السنوات، أما بعد عامين أو ثلاثة من اختفاء البترول أين ستكون المملكة كلها؟!

لا أقصد في التلميح الأخير إهانة الشعب السعودي، لكن ما النشاطات التي تقوم بها الدولة السعودية التي تجعلها دولة ثقيلة وقوية في العالم؟! لماذا مثلاً لم ألمح عن الإمارات؟ كلاهما يأخذان الصف السياسي نفسه بالمناسبة، ودولتي تأخذ الصف نفسه معهم، ولكن الفرق الوحيد بين مصر والإمارات عن السعودية هو أنهما دولتان لا يعتمدان في اقتصادهما على أي سلعة معينة.

أمر آخر أود أن أوضحه، هو مسألة الرأي العام السعودي، هناك فرق بين أن أفراد الشعب كلهم يشاركون في الرأي، وبين أن الأمير والشيخ يشاركون في الرأي، هناك فرق بين شعب يتحاور في مصير قطعة من أرض بلاده – التي بالمناسبة ستعود إلينا عاجلاً أم آجلاً – وبين شعب يتحول الشيخ والأمير فيه لحق قيادة السيارة للمرأة، مصر دولة شعب كامل، والسعودية دولة الأمير والشيخ لن يصل مستوى الرأي العام فيها لمستوى رأي العام الآخر، وإن كان كلامي هذا ادعاء وافتراء، فهناك عدة أسئلة بيننا توضح رأيي ورأيكم وثقل كليهما.

الأول قضايا لجوء السعوديات، والتي سميت بقصص الهاربات من الأراضي السعودية، الفتيات اللاتي استردتهم السعودية من أراض مختلفة مثل تركيا أو ماليزيا ، محاولات الهجرة بسبب الحياة القمعية للفتيات السعوديات؟! مع سبق احترامي لكل مثقفي المملكة، ولكن كم سعوديًا في الحقيقة كتب قصيدة معارضة للملك علي صفحات الجرائد اليومية؟! ونقطة عامة تنطبق على السي بي سي والعربية والجزيرة، لماذا كل تلك القنوات تنقل أخبار البلاد التي تبعد عن مقرها، ولا تنقل أخبار القصر الحاكم لمقرها؟!

سيدي الفاضل، انس الجنسية العربية، انس الانتماء، انس حتى كل ما لا تملك له إجابة نهائية، شاهد أنظمة الحكم معًا، بينما يمارس بعضنا «الردح»، يقف كل الحكام ليقبلون بعضهم بعضًا، فرنسية أو خليجية أو مصرية، أيًّا كانت نوع القبلة، وفي النهاية تزداد أموالهم ونحمل بأنفسنا عاتق ثرواتهم.

الفقرة الأخيرة، إن كانت الجزيرتان سعوديتين ولديكم دليل قدموه في مقالاتكم، قدمنا العديد من قبل يثبت مصريتهما وقدمنا كتبًا كاملة، إن كان لعمالة مصر بالخارج حسنة سياسية لديكم أرجو من كل مواطن سعودي يمتلك دليلاً على أن باقي الجاليات زكاة مال منه أن يقدمه أيضًا، إن كان الشعب السعودي لديه قدرة على المشاركة في الأمور السياسية مثل قدرة الشعب المصري الذي أباد نظام حكم دام ثلاثين عامًا أرجو منه أن يقدمه، إن كان لديكم فرد واحد يستطيع بوضوح أن يعارض الملك في قصيدة في إحدى الجرائد العامة، فلينشرها من بعدها يقدم لنا صورة توضح مشاركته، أما النقطة الأخيرة، والتي أود في الحقيقة أن أعلمها، كم سيدة سعودية سافرت من الرياض إلى جدة آخر قرن في السعودية عن طريق قيادتها بنفسها سيارتها؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد