“الفوانيس تكشف عوراتنا .. فهل نزيح الستار ؟ هل نكشف الغطاء الذى أمدنا الله به ؟ هل نتطاول ونبدد سواد الليل من كل شبر فى المدينة ؟ هذا كفر لا نقبله ..”

– هذه الكلمات ( من رواية الزينى بركات – جمال الغيطانى ) قيلت على لسان واعظ من وعاظ خطبة الجمعة تعليقًا على قرار الزينى بتعليق الفوانيس فى المدينة لاهتداء الناس بها ليلًا، وهكذا كان رأى الدين مهمًا – كما هو الحال الآن – خاصةً وأن الرواية تدور أحداثها فى زمن الخلافات الإسلامية .

الفوانيس حرام ، الفوانيس تُذهب بالبركة بين الناس ، الفوانيس بدعة !!

هذا هو الرأى الذى أراد أن يبعثه رجال الدين بين الناس ، حيث إن الفوانيس ستحرض النساء على الخروج من المنازل ليلًا ، تهتك أسرار الناس ، وغير ذلك من المصائب التى يحجبها الليل عن المسلمين . إذا نظرنا للأمر نظرةً سطحية ، سنجد أن الفكرة وتوابعها ترهات وتفاهات ؛ فما هذه الدولة التى تطلق النداء فى البلدة ، وتوعظ فى المساجد ، و تتحدث فى الشوارع عن أمرٍ صغير لا قيمةَ له كهذا ، حيث لم يحدث شيء إلا أن والى الحسبة أمر بإشعال الفوانيس ليلًا !
ولكننا فى الواقع ، نمر بما مرَّ به الناس فى تلك الأيام ، ونعيش ذات السيناريوهات التافهة تطبيقًا لفلسفة ” التاريخ يعيد نفسه “.

لم يكن أمر الفوانيس أمرًا ضئيلًا ، بل كان حقًا من مقتضيات هذا العصر ومن احتياجاته ، حيث كانت صلاة العشاء هى نهاية اليوم ، لا أحد فى الشوارع ولا رجال تسعى، لا صوت يصدى إلا صوت سياط الجلادين الظالمين، وصياح المساجين المظلومين، فالفانوس وقتئذٍ ، هو مثل الهاتف الجوال الآن ، الإنترنت ، فهم أيضًا – بنفس المنطق – يكشفون أسرار المنازل ، و يتعارف عن طريقهما الشباب على الفتيات وإلخ ، إلخ.

إذًا فلنضع جانبًا أننا فى القرن الحادي والعشرين، ونتخيل أننا فى هذا الموقف ، ماذا ستكون ردود أفعالنا على هذا القرار ؟ هل هو إصلاحى أم فقط وجهة إصلاحية تخفى وراءها أطنان من الفساد ؟

 

سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ :

“قد سخر الله لنا النجوم لنهتدى بها فى السماء ، وإذا كانت نية الزينى هى أن يجعل لنا الفوانيس على الأرض اقتداءً بجمال خلق الله – عز وجل – وإعجاز خلقه، فليوفقه المولى لما يحب ويرضى ولما فيه منفعة للأمة ، فما من أحد يكره أن تكون مدينتنا مضيئة ، سبحان من سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ، فهنيئًا للزينى على هذا الأجر والثواب العظيم ، وهنيئًا للمسلمين الذى بعث الله فيهم الزينى ليكون خير خليفةً لله على الأرض.

 

نظرية المؤامرة التى ربما تكون سليمة :

“الفوانيس ليست إلا غطاء لكل أفعال الفساد التى يريد أن يرتكبها الزينى ، فهل بات المواطن فى رخاء ونعيم ، هل أصبح يجد عملًا مشرفًا و لقمةً نظيفة ، هل فى مقدوره أن يعلم ولده تعليمًا سليمًا ليغدو أفضل من أبيه بل وأفضل من الزينى ؟ فلم ينقصه الآن إلا إنارة الفوانيس على جوانب الطريق وتجميل شكل المدينة كما لو كانت مدينة الأمل والسعادة ؟

لا .. هناك ما هو أهم من إضاءة الليل و لكن الزينى فضل أن يشيح ببصره عن كل احتياجات الشعب الحقيقية ، و أن يكتفى بالمظاهر أمام الغرباء ..

لا للفوانيس ونعم للظلام إذا كان هذا هو ثمن كرامتنا .”

وغير ذلك من الآراء التكفيرية المماثلة لما ورد فى الرواية والتى سبق ذكرها فى بداية المقال، ربما تكون الفوانيس حقًا خدعة ، وربما تكون بدايةً للإصلاح ، ولكنها ليست حرامًا أو فى إضائتها مخالفةً لشرع الله . ربما كان الزينى يريد إضاءة الشوارع و إشاعة الصخب ليلًا ليتفشى الظلم صباحًا – وهذا ما حدث فعلًا فى الرواية – ولكن كان هناك أيضًا احتمالية حسن النية فى بداية الأمر ، ولكن إضاءة الفانوس فى حد ذاتها ليست ظلمًا أو فسادًا، وليست هتكًأ لأسرار الناس ولا تحريضًا للنساء على عدم الاستحياء .

إشعال الفوانيس أمرٌ طيب ، ولن يبدد سترة الليل إذا كان المواطن شريفًا ، وإذا أراد المشكك فى نية الزينى أن يجعلها بدايةً للنظر فى أحوال الكادحين باسم شرعية الثورة سيقدر على ذلك بكل سهولة ، وإذا أراد الشعب أن يظل الزينى مناصرًا وخادمًا له ، لن يبالغ فى الاحتفاء بالفوانيس ، فالقيام بالإصلاح ليس تفضلًا منه أو علامةً على أنه من أولياء الله أو خليفة الأنبياء فى هذا الزمان.

 

كما أن رفض الفوانيس بحجة أنها مخالفة لإرادة الله أن يكون الليل سترة وسكينة ، ليس تدينًا إنما هو إتجارًا بالدين و تلفيقًا و افتراء الكذب على الله.

تأملًا فى أحداث هذه الرواية ؛ وجدت أننا منذ مئات السنين قلَّما طبقنا الآيات الداعية إلى إعمال العقل ، بل نتفنن فى تطويع القرآن لأغراضٍ سياسية أو حتى إجتماعية ، حتى نبرئ ذمتنا من العقاب الإلهى .

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد