أربعة أشهر فقط من سنة 2021 عرف فيها الشرق الأوسط تغيرات مهمة، وذلك بعد أن عاشت المنطقة أربع سنوات من الاستقطاب الخطير في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وربما يكون أخطر مظاهر هذا الاستقطاب احتدام الصراع في اليمن بين التحالف العربي بقيادة السعودية وجماعة الحوثي المدعومة من إيران، لكن وبعد ست سنوات من الحرب التي اشتعلت في اليمن ودُولت بعد تدخل عاصفة الحزم في 25 من مارس (آذار) سنة 2015، وجدت السعودية نفسها محاطة بالمشاكل إقليميًا، إضافة إلى عدم تحقيقها لمطامحها من التدخل في اليمن، بل تسببت الحرب في مقتل أكثر من 230 ألف شخص، بينما يعاني ملايين الأشخاص من الجوع والأمراض في ظل انهيار النظام الصحي اليمني، وذلك حسب بيانات للأمم المتحدة، لتعرف بذلك اليمن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

 وبعد خسارة السعودية لحليفها وداعمها الأول في البيت الأبيض دونالد ترامب، أضحى من الضروري على صناع القرار في المملكة مراجعة سياساتهم الإقليمية، بداية من الانخراط في الحرب باليمن إلى حصار قطر ومعادات كل تيارات الإسلام السياسي في المنطقة، خاصة أن ساكن البيت الأبيض الجديد جو بايدن، وفي أول خطاب له بعد توليه الحكم أعلن وقف واشنطن دعم عمليات التحالف العربي في اليمن، والتوقف المؤقت لبيع الأسلحة الأمريكية للسعودية، والإمارات، ومراجعة اتفاقيات بيع السلاح بين الدول الثلاث.

 يبدو أنه لا خيار أمام المملكة العربية السعودية في الظروف والتغيرات التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد وصول جو بايدن إلى الحكم في الولايات المتحدة الامريكية إلا أن تعمل على حلحلت المشاكل الإقليمية والذهاب إلى سياسة صفر مشاكل مع جيرانها وفي مجالها الحيوي.

فعلى أي أساس تقوم السياسة الخارجية السعودية الجديدة في جوارها الاقليمي؟

إعادة التموضع السعودي والذهاب إلى سياسة صفر مشاكل:

1- اتفاقية العُلا والصلح الخليجي القطري

في 5 من يناير (كانون الثاني) المنصرم رصدت كاميرات كبرى القنوات التلفزيونية استقبال بالعناق بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والأمير القطري تميم بن حمد آل ثاني كإعلان عن نهاية الخلاف بين دول الخليج الثلاث (سعودية، الامارات، البحرين) ومصر من جهة، وقطر من جهة أخرى، خلاف تسبب في فرض حالة حصار على قطر دامت أكثر من ثلاث سنوات، لتُوَقع اتفاقية العُلا ويفك وفقًا لبنودها الحصار البري والجوي المفروض على قطر من قبل الدول الأربعة، جاءت هذه المبادرة بعد جهود حثيثة من قبل دولة الكويت التي رفضت الحصار من الأول، وعملت على لعب دور الوسيط لحلحة التوتر الخليجي، من جهة أخرى توقيع اتفاقية العُلا كانت بعد الموافقة السعودية، والتي أقنعت أطراف الحصار الأخرى بضرورة عودة العلاقات مع قطر.

من الواضح أن الاتفاقية جاءت بعد التغيير الذي طرأت في البيت الأبيض وطريقة تعامل جو بايدن مع القضايا السياسة في الشرق الأوسط أهمها الملف النووي الإيراني، فالسعودية كانت ترى أن عودة إيران إلى الالتزام بالاتفاق النووي فيحد بنسبة شبه كاملة من العقوبات الأمريكية عليها ما يجعلها – إيران – تتفرغ لاستغلال الخلاف الخليجي أكثر وإضعاف دور السعودية المهم في منطقة الشرق الأوسط، هذا ما كانت ترفضه المملكة جملة وتفصيلًا، وكان فك الحصار وعودة العلاقات مع قطر الحل الوحيد.

من جهة أخرى الأهداف الاقتصادية التي رسمتها دول الخليج عامة والسعودية خاصة والتي تهدف إلى تحقيق التنوع الاقتصادي والتخلص من التبعية للمحروقات لا يمكن أن تكون في ظل التوتر الخليجي والحصار على قطر، ورغم أن اتفاقية العُلا هي عبارة عن اتفاق سياسي، لكنها تخدم المصالح الاقتصادية لدول المنطقة التي انشغلت بالتوتر السياسي للأعوام السابقة ومواصلة هذا الوضع يعيق تحقيق أهدافها الاقتصادية.

2-التفاوض مع إيران

في الملف النووي الإيراني تتبنى إدارة بايـدن نهجًا تفاوضيًا يبتعـد عـن سياسـة الضغـط الأقصى التـي تبنتهـا الإدارة السـابقة وعليه أصبح على السعودية إعادة تموضعها وتغيير سياستها اتجاه إيران، وكانت العاصمة العراقية بغداد قد استضافت في أوائل شهر أبريل الحالي اجتماعًا بين إيران والسعودية الذي وصفته تقارير رسمية بأنه بناء جدًا، الاجتماع الذي تناول ملفات تخص المنطقة كحرب اليمن والاتفاق النووي، وكانت السعودية قد تقدمت بطلب للمشاركة في مفاوضات الاتفاق النووي، لكن إيران وعلى لسان وزير خارجيتها رفضت الفكرة باعتبار أن موقف السعودية من هذه القضية واضح وأن المملكة ساندت الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في الانسحاب من الاتفاق سنة 2015، غير أن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية كان قد رحب بأي قرار سعودي حول استعداداها لحوار إقليمي جاد داخل المنطقة، وعليه ينتظر أن تستأنف الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة بين إيران والسعودية نهاية أبريل أو بداية شهر ماي دون تحديد الأطراف موعدًا محددًا، قرار رفع الحصار عن قطر، تبحث السعودية عن اشراك قطر كوسيط في مفاوضاتها القادمة مع إيران نظرًا لقرب العلاقات القطرية الإيرانية، لكن نظرًا ا الاجتماع الأول لم يخرج بأي قرارات مهمة فمن المرجح ان تكون هذه الاجتماعات ليس للتوصل إلى اتفاق بين إيران والسعودية بل كمحاولة الطرفان لتخفيف شدة التوتر بينهما خاصة وأن محاولات السعودية غسل يدها من حرب اليمن يمكن أن تساعد فيه إيران بضغطها على جماعة الحوثي في إتفاق السلام اليمني.

3- البحث عن قنوات حوار مع تركيا

جرى في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي اتصال بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، من أجل تحسين العلاقات بين البلدين بعد أن عرفت هذه الأخيرة ولأكثر من سنتين توترات وخلافات الحادة بدأت بعد مقتل الصحافي السعودي خاشقجي في قنصلية بلده في إسطنبول، تبعتها الكثير من القضايا الإقليمية على رأسها الحرب في ليبيا وسوريا واليمن، والتي لم تتوافق فيهم الرؤى التركية والسعودية، الوضع الذي أدى إلى تدهور العلاقات أكثر بين البلدين، وعليه جاء هذا الاتصال مع انطلاق أعمال قمة العشرين في الرياض ليتفق فيه الطرفان على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة بينهما لتمكين البلدين من مناقشة قضايا الخلاف بينهما.

الكثير من الأسباب التي تدفع السعودية إلى مراجعة علاقاتها مع تركيا، نذكر أن تركيا وفي الأعوام القليلة الماضية استعادت ثقلها الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط واستطاعت أن تتموقع بشكل يجعل منها البلد الأجدر بقيادة المنطقة، في الجهة المقابلة تراجع دور السعودية كثيرًا بسبب الإرهاق السياسي الذي أصابها نتيجة حربها في اليمن والتنافس مع إيران والحصار القطري وغيرها، ودائمًا في ظل السياسة الجديدة التي كانت ترسمها الولايات المتحدة الأمريكية والتي تسعى لإرجاع إيران إلى الاتفاق النووي الذي إذا ما تم يعني رفع العقوبات وتعافي الاقتصاد الإيراني، فأي تفاهمات تركية إيرانية ستعود بالسلب على مصالح الرياض في المنطقة، وعليه يجب على المملكة العمل على التقرب من تركيا وكسب دعمها السياسي خاصة في مواجهة أطماع النفوذ الإيراني، يظهر هذا التقارب جليًا في توقيع الرياض العام الماضي عقدًا مع شركة «فيستل» التركية للصناعات الدفاعية بقيمة 200 مليون دولار، وذلك في إطار بدأ التصنيع المشترك لطائرات تركية مسيّرة من طراز «كاريال» التي كانت قد استعملتها السعودية في قصف مناطق تابعة لجماعة الحوثي في اليمن».

4- مبادرة لإنهاء الحرب في اليمن

أعلن عنها وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود وقف إطلاق النار في جميع أنحاء البلاد تحت إشراف الأمم المتحدة وإيداع عائدات الضرائب من المشتقات النفطية في حساب مستقل بالبنك المركزي، وفتح مطار صنعاء، وبدء مشاورات الحل السياسي بين أطراف النزاع، وذلك بعد أن استولى الحوثيون على العاصمة صنعاء وأجزاء كبيرة من شمال غرب اليمن. كما شنوا مؤخرًا هجومًا على مدينة مأرب الغنية بالنفط.

قابل الحوثي الاقتراح السعودي لوقف إطلاق النار بالرفض، فحسبهم المبادرة لا تتضمن جوانب جديدة، معتبرًا أن فكرة فتح الموانئ والمطارات التي وضعتها السعودية كبند من بنود اتفاقية السلام هذه أنها حق وجودي للشعب اليمني، ولا ينبغي إساءة استخدامه كشرط لإبرام الاتفاقيات، وقال كبير المفاوضين الحوثيين محمد عبد السلام، إنه مستعد للمزيد من المحادثات مع الحكومات في الرياض وواشنطن للتوصل إلى اتفاق سلام عادل.

المبادرة السعودية جاءت نتيجة اعلان واشنطن تعليقها الدعم العسكري للتحالف العربي بقيادة السعودية والذي كان – وقف الدعم – من الوعود الانتخابية لجو بايدن حيث يقول الخبير بشؤون الشرق الأوسط، غيدو شتاينبرغ، من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمن في برلين: «خسرت السعودية الحرب في اليمن – ويرجع ذلك أساسًا إلى أن حكومة بايدن أوضحت أنها لم تعد تدعم الإجراءات السعودية هناك»، وعليه إنهاء دوامة الصراع في اليمن يعتبر أولوية بالنسبة للسعودية في هكذا ظروف، لكن أمام رفض الحوثي المبادرة تسعى السعودية إلى مواصلة البحث عن فرصة للمفاوضات مع الحوثيين بوساطة عمانية للتوصل إلى إعلان السلام في اليمن، حيث إن المملكة وبعد ست سنوات من القتال أيقنت أنها الخاسر الأكبر اقتصاديًا وعسكريًا وجيوسياسيًا في اليمن.

 في الأخير ليس غريب على منطقة الشرق الأوسط أن تعيد ترتيب أولويات سياستها الخارجية كلما تغيرت الإدارة في البيت الأبيض وهذا ما تقوم به حاليًا المملكة العربية السعودية التي بدأت هي الأخرى في تغيير نهج سياستها الخارجية، كعملية لإعادة التموضع في المنطقة في ظل التوجهات الجديدة لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية تجاه القضايا الرئيسة هناك، لاسيما الملف الإيراني وحرب اليمن، لكن ما يمكن ملاحظته أن ليست السعودية فقط من تحاول تغيير سياستها الخارجية، بل معظم قوى المنطقة، وهذا ما سيشكل في الأيام القادمة نوع من صدام المصالح بين هذه الدول ما يعرقل بشكل أو بآخر الأهداف الخارجية التي رسمتها المملكة.

 محاولة تطبيق السعودية لسياسة صفر مشاكل وتنظيف محيطها الإقليمي لن يكون بتلك السهولة خاصة وأن بعض القضايا تعتبر من المشاكل المتأصلة في تاريخ المنطقة وطريقة حل السعودية لهذه المشاكل لن يلائم بالضرورة سياسات الدول الأخرى خاصة وان عملية إعادة التموضع تخضع لحقائق جيوسياسية واستراتيجية معقدة، وعليه ستشهد الأشهر وحتى السنوات القادمة مزيدًا من محاولات المملكة تقليل صخب التوترات والعداءات في المنطقة بدون التخلي عن حلفائها ومصالحها الحيوية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد