في عام 2013، وقبل 5 سنوات بالتمام والكمال، قام السيد أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية التركية بتحديد الملامح العامة لما يريد أن تتبناه تركيا من سياسات في المراحل المقبلة، ولخصها تحت عنوان (سياسة صفر مشاكل مع دول الجوار) اقترح أوغلو المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية التركية كما تصورها، وجاء علي رأس هذه المبادئ التوازن في معادلة الأمن والحريات، صفر مشاكل مع دول الجوار، سياسة خارجية متعددة الأبعاد، سياسة إقليمية استباقية ونشطة، أسلوب دبلوماسي جديد ودبلوماسية إيقاعية، كانت توجهات أوغلو في ذلك الوقت تركز على ما يجب أن تقوم به الحكومة التركية من مبادرات غير مألوفة، مثل السعي لحل مشكلة قبرص، وإنهاء العداء مع سوريا، وتطبيع العلاقات مع أرمينيا إلى جانب تعزيز العلاقات القائمة مع الدول الصاعدة في كل من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وجهة نظر أوغلو كوزير للخارجية آنذاك كانت تدور حول البعد قدر الإمكان عن المشاكل المزمنة التي تهيمن على أجندة السياسة الخارجية التركية مع الدول المجاورة لها، والتي استنفدت طاقة الدولة التركية في علاقاتها الدولية والإقليمية. الأمر الجدير بالاهتمام أن أوغلو قد حذر مبكرًا في هذا التوقيت من أن تواجه تركيا حربًا باردة جديدة يتسبب بها النزاع الطائفي والمذهبي الآخذ في الاحتدام بما يهدد مستقبل واستقرار وسلام المنطقة. يقول أوغلو بالنص: (علينا ألّا نسمح بإقامة حواجز جديدة تؤدي إلى تقسيم مجتمعات منطقتنا على أسس مذهبية أو عقائدية، حيث تعد هذه الحواجز من أكبر التحديات التي تواجه سعينا نحو التعاون والاندماج).

حسنًا، خمنوا ماذا حدث بعد ذلك للسيد أوغلو؟ ما حدث تحديدًا هو أن الرجل الأول في حزب العدالة والتنمية في تركيا قد استقال (أو أُقيل!) في مايو من عام 2016، نعم انسحب أوغلو من رئاسة الحزب الحاكم في تركيا ليترك المجال مفتوحًا على مصراعيه لأردوغان وحده كحاكم أوحد فوق الأراضي العثمانية.

استقال الرجل بهدوء في مؤتمرٍ صحافي مُسالم رافضًا الإفصاح عن أية خلافات مع الرئيس الفعلي للحزب أو رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان. انسحب الرجل من المشهد تاركًا أعلى كرسي حزبي في تركيا، ثم أعلن بعدها رحيله عن أعلى كرسي تنفيذي كرئيس لمجلس الوزراء، فبعد أربعةٍ وثلاثين عامًا من نظامٍ يمنح رئيس الوزراء الصلاحيات الواسعة، فعلها أردوغان وألغى هذه الصلاحيات عبر تغيير نظام الحكم من برلماني الى رئاسي ليكتمل حلمه السلطاني باستعادة أمجاد أجداده من سلاطين بني عثمان.

برحيل أحمد داود أوغلو تنتهي مسيرة العلاقات بينه، وهو الرجل المحافظ الأصولي، وبين أردوغان، البراغماتي النفعي الوصولي، لم يستطع أوغلو المثقف الرزين أن يتأقلم مع أطماع أردوغان الذي  استمر بعدها في زرع العداوات الداخلية والخارجية لنفسه نتيجة الأقنعة التي يُبدِّلها كما يبدل ملابسه.

لكن ما هو التقييم الموضوعي لسياسة (صفر مشاكل) الآن في تركيا؟

في الداخل نجا الرجل بأعجوبة في يوليو 2016 من انقلاب عسكري ما زال الكثيرون يعتبرونه تمثيلية هزلية أشرف هو بنفسه على إخراجها، المعضلة هنا أن مفهوم الإسلام الذي يتبناه أردوغان لا يُرضي جماعة فتح الله غولن الأصولية، كما أنه في نفس الوقت لا يُرضي الأجيال التركية الشابة المتطلعة للحريات، على المستوى الحزبي هو عدو الحزب الجمهوري الرافض للنظام الرئاسي، وهو خصمٌ عنيد لحزب الحركة القومية، وهو عدوٌ شرس في المواجهات الدامية مع حزب الشعوب الديموقراطي (الكردي).

في الخارج إن أردوغان يتبع السياسات الميكافيلية التي توارثها عن معلميه ومرشديه بمنتهى المهارة والإتقان، أمام أوروبا يتظاهر بكونه مسلمًا معتدلًا رغبةً منه في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، هو مع مصر (إخواني) متشدِّد يرغب باستحضار إرث حسن البنا الذي قامت حركته على مبدأ استعادة الخلافة الإسلامية بعد زوال آخر ولاية إسلامية عثمانية، وهو مع سوريا كذلك لاستعادة أمجاد السلطنة وأحلام التوسُّع، وهو مع إسرائيل قومي تركي عقد معها منذ عام 2010 عشرات الاتفاقات للتعاون والحماية المتبادلة.

أردوغان فقد بشكل كبير علاقاته مع الخليج ووصل مع السعودية إلي طريق مسدود في أزمة ثقة لن تنتهي إلا بسقوط أحد النظامين التركي أو السعودي. من جهةٍ أخرى فإن أردوغان كعادته يمارس هواية السير على الحبال في علاقاته مع موسكو وطهران. في سوريا مشهد المرتزقة الملتحين الآن في عفرين المدعومين من النظام التركي العثماني بسحناتهم الكئيبة ومهامهم القذرة يحكي للجميع وبمنتهى الوضوح لماذا وصلت سوريا الى ما وصلت اليه، ولماذا ضاعت أحلام السوريين في التغيير الديمقراطي لتسقط بين شقي رحى نظام بشار الدموي من جهة وبين نظام أردوغان الداعشي من جهة أخرى. في أوروبا فإن الرسالة الموجهه له من قبل الاتحاد الأوروبي وعلى رأسه ألمانيا تحمل بين طياتها جملة واضحه وصريحة (عفوًا، لقد نفد رصيدكم).

أردوغان الآن لا يكتفي بكل هذا، ولكنه يتحرك بالتدريج نحو إقحام بلاده في مشاكل جديدة مع التكتل المصري اليوناني القبرصي كعادته في السعي لخلق الخصومات والمشاكل، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمال والثروات الطبيعية كما هو الحال في شرق المتوسط.

السؤال الذي يلح على الذهن الآن: ما هو مصير سياسة (صفر مشاكل) التي سعى إليها أوغلو ودمرها أردوغان؟ ثم ما الذي يمكننا أن نتوقعه من شخص يعادي الجميع ويعتقد في الوقت نفسه  أنه يخدع الجميع؟

على كل الأحوال، فإن الأيام القادمة سوف تكشف لنا الستار عما إذا كانت الدولة التركية قادرة على تحمل كلفة المشاكل التي تتورَّط فيها داخليًا وخارجيًا بسبب سياسات انفعالية غير مسؤولة ترتبط بشخصية رجب طيب أردوغان العثماني الفكر والطموح والعقيدة.. وإن غداً لناظره قريب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد