استفزني جدًّا الجدل الدائر حول قيمة العالم الكبير د. أحمد زويل بعد وفاته، وشعرت بفقر الوعي المعرفي عند العقل الجمعي المصري باستثناء قلة من المثقفين الذين لم يعد لأكثرهم قبول عند الجماهير، وتحول مقدمو البرامج الحوارية لمسئولين كبار يبرهنون على معرفتهم بخبايا الأمور، وكان على التوازي من ذلك؛ الانحدار الكمي والكيفي والخططي في البحث العلمي، ومآسي ومعاناة التعليم الجامعي وقبل الجامعي، كل ذلك وغيره ساهم بشكل متدرج ومتراكم لدرجة أننا نجد بعض شبابنا وبناتنا يقول مثلًا: «أحمد زويل مصري أتيحت له الفرصة وتوفرت له الإمكانات، وفروا فرصًا كما كانت لدى زويل ستجدون ألف زويل، وألف نوبل».

ولم يكن هذا التحليل العبقري وحده فقط، وإنما سمعت بأذني من يقول: «ماذا قدم زويل لمصر؟ لم نر منه شيئًا». وكأن زويل رحمه الله كان عليه أن يزوج الشباب ويأتي لهم بفرص عمل ويرصف الطرق!

تأملت قليلًا في هذه الكلمات العبثية الساذجة التي تصف أناسًا يعيشون خارج الزمان في عصر العولمة. وتأملي جعلني أفهم – أو أدعي أني أفهم – بعضًا من أسباب تلك الظاهرة الطارئة على العقل المصري، وتساءلت:

ماذا يعرف من يتخرج في الجامعات المصرية عن آخر النظريات الحديثة في العلوم خاصة الكيمياء والفيزياء؟

قطعًا هناك نابهون ومميزون، لكن دعنا نتكلم عن تشكيل الوعي العام، أكثر الطلبة المصريين يعتبرون «الفيزياء» لوغاريتمات غير مفهومة وقوانين لا قيمة لها، ولم يجد أكثرهم من يربط لهم بين هذه المعادلات المعقدة وبين ظواهر الطبيعة أو المكتشفات العلمية الحديثة، فالحديث عن المعامل ومجرد وجودها من حيث كونها موجودة صار مضحكًا في هذا العصر الذي لا تمر فيه ثانية أو فيمتوثانية بدون بحثٍ جديد، ولاحظ معي عزيزي القارئ أنني لا أتحدث عن الأميين الذين لا يقرؤون ولا يكتبون بل ربما يكونون أكثر براءة ونقاء، وإنما أتحدث عن عشرات الآلاف من الخريجين ممن تشكل في اللاوعي لديهم خصامٌ وبُغضٌ للفيزياء والرياضيات، ورأى بعضهم في الكيمياء نوعًا من العذاب بسبب حفظ رسومات المركبات الكيميائية، ومع ذلك التوهان والشعور بالعجز الذي تحول لشعور بعدم الجدوى لتلك العلوم، صارت أبحاث زويل بلا قيمة عند بعض من درسوا في الكليات العملية.

في اعتقادي الشخصي أن ثمة خطيئة كبرى تحدث، وهناك إصرار على أن تتكرر، وهي أن يصبح التعليم الجامعي كمصنع يقدم نسخًا كربونية تحمل شهادة ما، ربما صلحت هذه الشهادة في عمل شيء ما، يكون سببًا في بعض المال، ولا بأس من القليل من الوجاهة الاجتماعية، أما ما تعلمناه ودرسناه وقضينا زهرة شبابنا نحفظ ونصم ونتوتر ونتألم، ظهر لنا – أو عند أكثرنا – بلا قيمة!

عندما نبرمج طلابنا على أن يهتموا بما سيأتيهم في الامتحان من أسئلة، ولا بأس إن كانت في حوزتهم مسبقًا، ودعونا ننتهِ من هذا العام وهذه الدراسة، لننتقل إلى سنة أخرى نقوم فيها بما قُمنا به من قبل ثم نتخرج لتكتمل فرحتنا وننشر على صفحات الفيسبوك صورتنا ونحن نستلم شهادة البكالوريوس أو الليسانس، لكن يبقى السؤال المرّ والذي تكون إجابته أكثر منه مرارة، ماذا تذْكُر مما تعلمت؟ وعندها يكون الصمت أفضل من الكلام.

عندما يصر كثيرٌ من الأساتذة على «تلقين» طلبته – حتى في أرقى الكليات العلمية – كما كان يفعل الشيخ في الكتّاب، ويشير بإلغاء أجزاء من الكتاب ليبادر الطالب «المبرمج» بشطب الصفحات التي ألغاها «البروفيسور» وهو ينصح زملاءه «هذه ليست هامة» أو «من صفحة كذا… حتى صفحة كذا… (ملغى)».

وقد يُفاجأ الكثيرون أن ما اعتقدوا أنه ليس مهمًا لمجرد أنه لن يأتي في الامتحان، هو من أهم ما يحتاجونه في الممارسة العملية!

وكيف يكون في العلم – الذي ساهم في بنائه ألوف من العلماء عبر العقود المتتابعة – شيء غير مهم، إلا إذا كنا ندرّس أحدث النظريات والأبحاث، وبكل الأسف العكس من ذلك هو الغالب في أكثر جامعاتنا. وبصفتي أحاضر وأدرب الخريجين وأرقب ردود أفعالهم، فصدقوني حين أقول لكم أن ظاهرة الحساسية المفرطة من المعلومات «الزائدة» – من وجهة نظر ما – واضحة بشدة عند أكثرهم، لأنه سلوك كرروه وتعودوا عليه صار عادة عندهم، وهم ضحايا بلا شك، لأنهم لم يجدوا من يعلمهم شيئًا آخر، باستثناء حالات نادرة كما نؤكد، لكن كونها استثناء يعد خللًا.

إذًا، بدهي جدًا أن يرى بعض من درس الكيمياء والفيزياء جهود زويل وأبحاثه ليست مهمة، ببساطة لأنها خارج المقرر، ولن تأتي في الامتحان. ولسبب أعمق لأنها تحتاج لجهد مضاعف ومحاولة للتنقيب والبحث، وبرغم عصر الإنترنت وتداول المعلومات، لا تزال محاولات البحث عن المعلومة وبالشكل الصحيح ومن الموقع الصحيح، لا تزال خجولة للغاية.

وبالتأكيد لست في حاجة لأن أؤكد ما أكده علماء العالم بأن زويل ممن أحدثوا ثورة علمية كبرى في علم الكيمياء، وقد شرعت في تأليف كتاب عن العالم والإنسان أحمد زويل، وأسأل الله أن يوفقني فيه لتوثيق الحقائق وتوضيح وتبسيط منجزاته العلمية التي ستؤثر في جيل قادم من الباحثين في الفيزياء والكيمياء والطب، فما كنا لا نتمكن من رؤيته، صرنا نستطيع أن نراه ونتعرف على سلوكه وأدق مراحل حياته، كالخلايا السرطانية، والجزيئات والذرات، وعالم مليء بالأسرار، فتحه زويل وفريقه البحثي على مصراعيه لمن سيأتي بعده.

تابعوا مقالات «واشنطن بوست» لتعرفوا كيف يقدر المجتمع الأمريكي عالمًا بجنسية مزدوجة وأصول غير أوروبية، ابحثوا عمَّن كرم زويل وتسابق لنيل شرف انضمامه لأي جمعية علمية من مشارق الأرض لمغاربها، اختير زويل في عام 2011 من بين 7 شخصيات قادوا أمريكا للريادة العالمية، حمِّلوا «السيرة الذاتية» له من موقع جامعة «كالتاك» المليئة بالفطاحل والحاصلين على نوبل، وانظروا فيها، أو ابحثوا عمن يترجمها لكم ستكتشفون أننا ما قدرنا زويل حق قدره، وببساطة لأن العلم ومنهجياته وأصول البحث العلمي، لا يحتلون حيزًا مناسبًا في عقول أكثرنا.

وقد يسألني البعض: وما الحل؟

يبدأ الحل بإصلاح التعليم والتدريب على كيفية البحث على المعلومة منذ الصغر، ثم ربط النظرية بالواقع، ودفع الدارس ليفكر ويقول: كيف أضيف لهذه المعلومات؟

وعلى الإعلام والمسجد والكنيسة، ومنظمات المجتمع المدني، أن توقر العلم والعلماء، وتقدم قدوات للشباب، وتجنب لعبة خلط العلم بالسياسة لتشويه أي إنسان، مهما قدم للإنسانية، وأمة تحطم رموزها أمة حمقاء، تحكم على شبابها بالضياع لغياب من يقتدون به.

والخلاصة: زويل عالم كوني (universal) لا يقل عن أينشتاين ونيوتن وغيرهما، وقد صرح مرارًا أنه لا يعنيه إلا أن يكون عالمًا فحسب، فلماذا نحمله ما لم يدّعِه أصلًا، وفي النهاية هو إنسان له وعليه، لكن يكفينا شرفًا وفخرًا أن نجد الصحف والمجلات والتلفزيونات العالمية تعيد وتكرر بأن زويل أول مصري وعربي يفوز بجائزة نوبل في العلوم. وكون ما قام به خارج المقررات الدراسية، فذلك لا يقلل من أهميته، وهنا عليّ أن «أبتسم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

زويل
عرض التعليقات
تحميل المزيد