نعيش اليوم أيامًا مليئة بالأحداث الإقليمية والعالمية المتسارعة؛ فقبل فترة أعلن مسؤولون أمريكيون عن نيتهم إنشاء جيش منظم من 30 ألف عسكري عاموده قوات سوريا الديمقراطية؛ لتأمين الحدود العراقية السورية مع تركيا.

لم يكن هذا الإعلان أمرًا عاديًّا، بل دق ناقوس الخطر في تركيا؛ فخرج الرئيس التركي أردوغان بكلمة أمام نواب حزبه متوعدًا الأمريكان والميليشيات الكردية بعملية عسكرية جديدة على غرار عملية درع الفرات، تبدأ من عفرين حتى مدينة منبج وقال: «يحاولون تأسيس جيش من الإرهابيين على حدودنا الجنوبية قوامه 30 ألفًا، ومهمتنا اليوم سحق هذا الجيش قبل أن يولد وتدمير أوكار الإرهابيين من عفرين وصولًا إلى منبج، سنلاحقهم حتى نقضي على آخر إرهابي منهم. نقول لحلفائنا أزيلوا راياتكم من مواقع الإرهابيين كي لا نضطر إلى تسليمها إليكم، انزعوا شاراتكم الموجودة على زي الإرهابيين العسكري حتى لا نضطر لتمزيقها مع أصحابها وسحقهم تحت التراب».

لقد عملت أمريكا ومنذ أكثر من عام على تسليح عناصر ميليشيات قسد وتدريبهم، وأمدتهم بأكثر من 4800 شاحنة محملة بالأسلحة من أجل توجيه هجوم مباشر ضد تركيا، فنحن اليوم لسنا أمام مشكلة إرهاب فقط، بل أمام هجوم صريح على تركيا، فهم يخططون لحصار تركيا من الجنوب وقطع جميع علاقاتها بدول المنطقة؛ لينتقلوا بعدها إلى مرحلة ضرب تركيا من الداخل.

إننا أمام عملية إعداد لهجوم دولي جديد؛ إذ إنهم يهيئون الرأي العام لهذا الهجوم الذي خططوا لإطلاقه مع هجمات 15 يوليو (تموز) ويقضي مخططهم على إثارة فوضى «في الداخل»، بالتزامن مع الهجوم المذكور، ويبدو أنهم سيحاولون تنفيذ هذا المخطط خلال العام الجاري.

بالطبع، لا يمكن لأي دولة أو شعب أن يقف موقف المتفرج أمام تشكيل «خط هجوم» لمئات الكيلومترات عند النقطة صفر من حدوده، ولا يمكن لأي حجة أن تجعل تطورًا كهذا أمرًا عاديًّا. فكيف لدولة يمتد تاريخها إلى ألف سنة، وتتمتع بالعقل السياسي المتواصل على هذه الأرض منذ أيام السلاجقة أن تقبل بهذا الأمر.

تأخرنا في التدخل نعم، إذ كان يتوجب علينا التدخل ما إن توضحت معالم مشروع الممر الإرهابي، لكن أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي أبدًا، بالفعل فقد بدأت قبل أسابيع عملية #غصن_الزيتون المباركة، واستطاعت القوات المسلحة التركية والجيش السوري الحر تحييد 650 من إرهابيي Pkk وPYD وداعش، حتى تاريخ كتابة هذه السطور، لنعلم جميعًا أنه لم يكن هناك وقت للانتظار أو التردد في هذه المرحلة؛ لأنه سيكون بمثابة انتحار سياسي لهذا البلد.

ليس هناك خيار آخر أمام تركيا. يجب القضاء على هذا التهديد «مهما كلف الأمر». يجب تأمين المنطقة الواقعة غربي الفرات، وإفشال مخطط التدخل الأجنبي هذا، والقضاء على ذلك الكيان الذي يستعد ليحاصر بلدنا من الجنوب. وإذا لم نتدخل اليوم، فسيتحول ممر الإرهاب إلى جبهة هجوم ضد تركيا على طول حدودها. ولهذا لا بد من القضاء على هذه الجبهة قبل فوات الأوان، ولتكن أفضل خطة للدفاع هي الهجوم. فتركيا تتمتع بالقدرة على فعل ذلك.

أما عن خطر المنطقة الواقعة شرق الفرات، فهي تعد تهديدًا أساسيًّا ليس لتركيا وحدها، بل هي تهديد للعراق وإيران وسوريا معًا. إنهم يخططون لتقسيم أربع دول مرة واحدة، من خلال مشروع واحد. وما الاستفتاء الذي كلف مسعود بارزاني بإجرائه إلا مرحلة من مراحل هذا المشروع، ولكنه فشل بفضل الموقف المشترك بين أنقرة وطهران وبغداد. والآن يجب تبني موقف مماثل لمواجهة تهديد شرقي الفرات بعد تطهير عفرين ومنبج في الغرب.

إن ممر الإرهاب الذي يسعون جاهدين لتثبيته في شمال سوريا والعراق ليس قضية تخص تركيا وحدها، بل هو مشروع يستهدف أمن المنطقة بأسرها، إنهم يحاولون خلق «إسرائيل جديدة» لتكون حامية غربية وقاعدة تدخل في جميع دول المنطقة، إنهم يسعون إلى خلق الخط الأزرق الأعلى الموجود على علم دولة الاحتلال الإسرائيلي. لقد خططوا لهذه الخريطة الأجنبية وفقًا لموجات الاحتلال التي كانت موجودة أيام الحملات الصليبية، وبدأوا وضع حجر الأساس لـ«عنصر أجنبي» جديد في قلب العالم الإسلامي، وإن نفذ مراحله عصابات البي كا كا والبي إي دي، واتخذ طابع الهوية الكردية.

إن الدور الأساسي لهذه الحامية هو تدمير مساعي التقارب بين الدول الإسلامية، والتحريض على الفرقة والصراعات، والحيلولة مستقبلًا دون تشكيل أي شراكة إقليمية. ولهذا فإن تركيا وإيران وسوريا والعراق تتعرض لتهديد استثنائي، تهديد يشبه قيام دولة «إسرائيل جديدة».

كلما طال أمد الحرب في سوريا، ازدادت العمليات السرية من أجل تضييق الخناق على تركيا، لذلك نرى أن الولايات المتحدة الأمريكية وبعض حلفائها في حلف الناتو يبذلون ما بوسعهم لتستمر الحرب، ويحاولون بشتى الطرق خلق أزمةً إقليمية مرتبطة بهذه الحرب.

ذلك أن الحرب لو انتهت سينتهي أمر «ممر الإرهاب»، وستفشل مخططات أمريكا وإسرائيل لتشكيل حامية في المنطقة.

ولكم مني وعد ولتذكروني يومًا ما، إن الولايات المتحدة لم تعد مؤهلة لحكم العالم كما حاولت عبر العقود الماضية، فهي تشهد صراعات داخلية على السلطة. وصراعات دولية مع كل من الصين وروسيا في مناطق عدة من العالم، كما أنها عاجزة عن توجيه منطقة الشرق الأوسط من خلال كيانها السياسي الممزق. لقد ولى العهد الذهبي لأمريكا؛ إذ خسرت في سوريا والعراق، وانتهى منذ زمن بعيد عصر تمزيق البلاد ومحاولة إخافة تركيا من خلال حفنة من تنظيمات إرهابية. أمريكا اليوم باتت عاجزة عن فرض آرائها في ساحات العالم وبالتالي فهي لا تستطيع ردعنا.

لذلك يجب علينا كأمة أن نستغل هذه المرحلة الحساسة في السياسة الدولية، وعلينا إفشال تلك المخططات من خلال عملية عفرين ومنبج وشرق الفرات، وما دعوات الرئيس أردوغان ومواقفه وخطاباته إلا تعبير عن محور تركيا، ومحاولة لإنقاذ حاضرها ومستقبلها ومواصلة عهد الرقي الكبير فيها، لأننا نؤمن جميعًا بقدرة القيادة السياسية التركية في التغلب على تلك التهديدات التي تحاول النيل من تركيا ودول الجوار.

بما أننا نخوض لعبة كبيرة فيجب أن تكون طموحاتنا أكبر بكثير. اليوم غرب الفرات وغدًا الشرق، لنمنع إقامة إسرائيل الجديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد