لا يتحدثُ كثيرًا، الأدب والخجل سمتان تستحوذان على شخصيته، الأناة والاتزان يبدوان واضحين عليه، يميل إلى العمل بصمت، مُثابر دون كلل أو ملل. تدرج في سلم العمل على نحو تصاعدي، وكلما نجح وصعد إلى القمة ازداد تواضعًا، وهذه من شيم العظماء.

الرئيس الفرنسي السابق – جاك شيراك– وصفه بعبارات جميلة: «عبقري فريد من نوعه، ونموذج للانتماء ولهذا فرنسا كلها تحبه وتعجب به للأبد».

أن تكون موهوبًا ذلك لا يعني أنك ستكون ناجحًا ويأتيك التوفيق سريعًا؛ لأن الموهبة وحدها لا تكفي أبدًا! ثمة أمر غير مألوف عن تلك العلاقة بين الموهبة والصمت! دائمًا ما يميل الموهوب إلى الصمت ليترك ما يقوم به يتحدث بدلًا عنه!

المؤلف الإيرلندي الشهير – جورج برنارد شو- نُسبت له عبارة علّها توضح شيئًا من تلك العلاقة الغامضة بقوله:

 «العربة الفارغة أكثر جلبة من العربة الممتلئة».

يظهر في المؤتمر الصحفي الذي يكون قبيل المباراة وبعدها فيبدأ بالحديث فلا يخرج عن النص، ولا يقلل من قيمة الخصم، ولا يتحدث فيما لا يعنيه!

في الرابع من شهر يناير عام 2016، أعلن رئيس نادي ريال مدريد – فلورنتينو بيريز- عن تعيينه مدربًا للفريق الأول كمفاجئةٍ أسالت الكثير من الحبر في الصحف الأوروبية عامةً، والإسبانية بشكل خاص.

الشجرة المثمرة عادةً ما يقذفها الناس بالحجارة، وهذه سنة كونية مستمرة ولا يمكن أن تتبدل، فالمدرب الألماني الشهير       – أوتمار هيتسفيلد- هاجمه قائلًا: «إنه يعيش على شهرته كلاعب، وكونك كنت لاعبًا عظيمًا لا يعني بالتأكيد أنك ستكون مدربًا جيدًا».

وكونك مدربًا حاذقًا كيف تنبأت وأطلقت الحكم المسبق بفشله قبل أن ترى عمله؟

زيدان بعبارة بسيطة هو مشروع مدرب من الطراز الراقي قابل للنجاح، كما أنه قابل للفشل وذلك لأنه من بشر. لكن الآن ماذا يمكن أن نقول عنه بعد أن أمضى (512) يومًا على مقاعد البدلاء للنادي الملكي، وكانت المحصلة ما يلي:

· بات أول فرنسي يحرز لقب دوري أبطال أوروبا لاعبًا، ومن ثم كمدرب 2016.

· سادس لاعب ومدرب يحرز لقب كأس السوبر الأوروبي 2016.

· بطل العالم للأندية مع ريال مدريد 2016.

· الرجل السادس في تاريخ ريال مدريد الذي يحرز لقب الدوري الإسباني كلاعب ومدرب 2017.

· أول مدرب يحتفظ بلقب دوري أبطال أوروبا 2017.

منذ أن حقق نادي ميلان الإيطالي اللقب الأوروبي في مناسبتين متتاليتين أعوام 1989 و1990، لم يتمكن أي فريق من الدفاع عن لقبه في دوري أبطال أوروبا على مدار أكثر من ربع قرن، حتى سطر ريال مدريد الإسباني تحت قيادة زين الدين زيدان عام 2017 صفحة جديدة في سجلات التاريخ.

يقول عنه زميله السابق في يوفنتوس الأوروغواياني باولو مونتيرو:

«يستحق هذا النجاح، إنه يظهر اليوم على أنه مدرب كبير، إنها مباراته النهائية الثانية (في دوري الأبطال) أو الثالثة إذا احتسبنا تلك التي خاضها كمساعد لانشيلوتي. ومع كل ما حققه يبقى كما هو، إنه لم يتغير».

تواضع تكن كالبدرِ لاح لناظرٍ *** على صفحات الماء وهو رفيع

إذا كان قائد فرنسا التاريخي – نابليون بونابرت- اجتاح بجيوشه قارة أوروبا وعين نفسه عام 1804 إمبراطورًا لها، فإن زيدان بفضل هذا الإنجاز نصب نفسه إمبراطورًا تاريخيًّا لبطولة دوري أبطال أوروبا!

شهدت وسائل الصحافة والإعلام الفرنسية خلال السنوات الماضية تحولًا كبيرًا في سياساتها التحريرية بعد صعود أحزاب اليمين المتطرف، وذلك من خلال مهاجمة الشخصيات الناجحة ذات الأصول العربية ونعتهم بالمهاجرين.

وخير دليل على ذلك التعهد التي صرحت به زعيمة الحزب اليميني المتطرف – مارين لوبان- بطرد المهاجرين أثناء حملتها الانتخابية لرئاسة فرنسا! ولم يسلم – زيزو- منهم فقد تناسى الإعلام الفرنسي كل ما قدمه خلال فترة تمثيله لمنتخب فرنسا  واصفًا إياه بالجزائري!

لكنه أرغم الصحافة الفرنسية على العودة إلى صوابها والركوع له، ولم تجد بُدًّا من الإشادة بالإنجازات النوعية التي حققها خلال هذه الفترة القصيرة مع نادي ريال مدريد. وعلى ذات الخط سارت بقية وسائل الإعلام الفرنسية بأنواعها المكتوبة والمسموعة والمرئية.

بعيدًا عن الرياضة هُنا أكتب عن النجاح:

في أبسط تعريف للنجاح كما عرفه – جون سي ماكسويل–: «يمكن القول إن النجاح هو أن تعرف هدفك في الحياة، وأن تنمو حتى تصل إلى أقصى قدراتك، وأن تزرع بذور الخير للناس، في كافة مناحي الحياة إن لم يكن لنا أهداف نضعها أمام أعيننا فإننا لن نصل إلى شيء».

زيدان، وضع أمام عينيه التتويج بلقب الدوري الإسباني، وقد صرح منذ بداية الموسم أن الفوز بالليغا يُعد أولوية بالنسبة له، وقد ركز جهده على هذا الهدف حتى وصل إليه رغم كل الصعوبات والمعوقات التي اعترضت طريقه.

أيها الشاب العربي ضع لك أهدافًا تود أن تحققها، وذلِّل الصِّعاب التي تعترض طريقك، وحتمًا ستصل إلى مبتغاك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد