أطلقت شركة المحمول «زين» إعلانًا جديدًا خاصًا بشهر رمضان بجودة عالية وفكرة مواكبة لقضايا مجتمنا العربي كما تفعل كل عام في رمضان، فتثير إعلاناتها كل القلوب وتنهمر الدموع استشعارًا لما يقدمه محتوى الإعلان من قضية شائكة في المجتمع العربي حينها، ولكن في حقيقة الأمر، هذا العام لم تكن القضية قابلة للمناقشة والعرض بسهولة ما تم عرضه مسبقًا. حيث إن تحدث زين بشأن القدس موجهة إشاراتها وتلميحاتها لنقل السفارة الأمريكية للقدس، وهي القضية التي تشغل ملايين العرب الآن، لم تكن موفقة مثل كل عام.

بالحديث عن الإعلان، هو يبدأ بطفل جميل المظهر بوجه عربي – يظن البعض أنه يمثل الأمة العربية – يدخل المكتب البيضاوي فيجد دونالد ترامب منشغلًا بالكتابة، فيبدأ الطفل بدعوته للإفطار ويبدأ بالشكوى عن منزله المدمر، وأمه بقلبها المكسور. ثم ينتقل المشهد إلى مطبخ في بيت مدمر يترأس مجلسه الرئيس الروسي بوتين، ويكمل الطفل الشكوى، ليريه الكنائس والمساجد، ويشيد بجمال سماحة الدين بالوطن العربي.

قبل انتقالنا للمشهد التالي، يجب علينا ذكر تصريحات دونالد ترامب الأخيرة عن المهاجرين الشرعيين ووصفهم بالحيوانات. والأكثر أهمية معرفتنا بأن روسيا متورطة في تدمير جزء كبير من سوريا في تجاربها بأسلحة الدمار الشامل. فهؤلاء هم من ندعوهم للسلام وللإفطار.

في المشهد التالي تظهر مجموعة من المهاجريين غير الشرعيين وهم غارقون مستنجدون بمن هم على الشاطئ محاولين الخروج من الماء والنجاة؛ فتساعدهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. ويظهر الرئيس الكندي جاستن ترودو في نفس المشهد، ولكن في آخر الإعلان مبتسما فقط، وهي إشارة إلى أن دولتي ألمانيا وكندا هما الأكثر مساعدة للاجئيين السوريين. فهل لهذا سوف ندعوهم للإفطار؟ أم أننا نطلب مساعدتهم مرة أخرى لإخراجنا مما نحن فيه من هزيمة؟

تنتقل الكاميرا الى غرفة الطفل المدمرة بسبب الحروب والأسلحة ويظهر زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون مُخفضًا رأسه في خجل من لوم الطفل له على الدمار. أى أنه يلومه على كل تلك الأسلحة التي نقلتها كوريا إلينا. أى أن كل ذلك الدمار والخراب ذنبه. بعد ذلك يظهر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس في مصاحبة الطفل وبعض المهجرين من مُسلمي بورما، ويقوم الأمين العام بمساعدتهم وحمل طفلة، وهي دلالة على أن الأمم المتحدة قد فعلت ما في وسعها لمساعدة المسلمين في كل بقاع الأرض. فينقلنا المخرج هنا من قضايا الوطن العربي إلى قضية المسلمين في العالم. ولكن هل حقًا تمت مساعدتهم بالكامل أم أننا ندعو أيضًا للسلام في سبيل ذلك؟

بعد ذلك يذهب الطفل ليحرر طفلة شقراء مرتدية وشاح فلسطين فيبدو أنها عهد التميمي، قائلًا: سنفطر في القدس، عاصمة فلسطين، يكتبها رب الأمنيات العالقة بين ياليت وآمين.

حسنًا، فهي مجرد أمنيات ندعو بها الله ولا نحققها. نظل في قول يا ليت وآمين أن يحرر الله القدس، وأن يخرج هو المظلومين من السجون، وأن يعطي الحقوق للمسلمين وللأمة العربية بينما نحن نقف مكتوفيِ الأيدي ندعو دعوة عامة للسلام للظالم. نستجدي حقوقنا ممن أخذوها منا فى البداية بغطاء دعوة للإفطار والسلام. دعوة السلام لا تكون من نصيب الظالم، فمن المفروض من يدعو إلى السلام هو الطرف الأقوى في الخلاف، عندها فقط تكون دعوة للسلام وإيقاف الحرب. ولكن عندما تكون دعوة السلام من الطرف المستضعف فلا تكون إلا استجداءً للحقوق ودعوة إلى الخنوع.

لمس إعلان زين الكثير من رواد مواقع التواصل، ناهيك عن الجدال بين معجبيين وساخطين. ولكن الملحوظ هو هذا القدر من الإعجاب من الجانب العربي الذي لا يميز بين السلام والخضوع. فإعلان زين بكل تلك البراعة في التصوير والألوان والمؤثرات كان قادرًا على نقل المواطن العربي من الإحساس بالهزيمة إلى إحساس الحلم والسلام السهل اللين الذي لا يتطلب إلا الدعوة فقط، فلا يتطلب مجهودًا كبيرًا من المحاربة والمدافعة عن حقوقنا، فيتحول العالم في عالم زين إلى جنة كل من فيها على قدر كبير من التسامح فيعود لنا القدس بسهولة وتنتصر الأمة العربية في كل حروبها وينتشر العدل في المجتمع. وهي في الحقيقة قفزة كبيرة بين الواقع والخيال أدخلت المشاهد العربي في حس من الوطنية المزيفة الذي يتمتع فيها وطنه بقدر كبير من السلام؛ فيخلد ضميره إلى النوم ويُستكمل الدمار في اليوم التالي كما هي. فوق كل ذلك لا يجب علينا غض البصر عن الأداء الضعيف للأغنية والموسيقى الرديئين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد