من سجلات التاريخ الدينى الكنعانى يأتينا البرهان على أن الإيمان بإله واحد مسكنه السماء، كان الأساس الذى يقوم عليه صرح هذا الدين اليهودى، وفى الإصحاح الثانى عشر من سفر التكوين نقرأ: (قال الرب لإبرام … اذهب من أرضك، ومن عشيرتك، ومن بيت أبيك إلى الأرض التى أريك).

 

وهذا هو أول نص يسجل فكرة الأرض الموعودة، نعم هذا هو أول نص يسجل انبثاق فكرة الأرض الموعودة فى السفر الأول من (كتاب) نفث فيه يهود الأسر البابلي أنفاس القدسية، وناولوه عبر الأجيال إلى هؤلاء الصهاينة الذين يحملونه اليوم بأيديهم، فى تجاهل تام لعلمهم بتاريخ كتابته وزور نصوصه على موسى، ويقدمونه للعالم على أنه الحجة الشرعية التي تمنحهم الحق الروحانى فى امتلاك فلسطين، ولا جدال في أن الدعوة الصهيونية إنما هي من هذا النص نابعة، وكل النصوص الأخرى مشتقة من هذا النص، ومن هذه النصوص أيضا: (فذهب إبرام كما قال له الرب، فأخذ إبرام سارى امرأته، ولوطا ابن أخيه، وكل مقتنياتهما التي اقتنيا، والنفوس التي امتلكا فى حاران، وخرجوا؛ ليذهبوا إلى أرض كنعان … وكان الكنعانيون في الأرض، وظهر الرب لإبرام، وقال: لنسلك أعطى هذه الأرض)، الإصحاح الثاني عشر/ سفر التكوين.

 

عبر هذه العبارة الخطيرة تطلع علينا فكرة الأرض الموعودة، وقد انعطف بها المؤلف فى دور انبثاقها ناحية العاطفة؛ ليصبغها بالقداسة كوعد إلهى، ومن هنا بدأت الفكرة تتحسس طريقها إلى وجدان الجماعة، هذا وترجع جذور الحركة الصهيونية الحديثة إلى القرن الـ 19 حيث سرعان ما تلاقت الفكرة الصهيونية مع المصالح الاستعمارية فى ذلك الوقت، ويتركز المفهوم الصهيوني فى ضرورة تكوين مجتمع يهودى محض، يتمتع بالحكم الذاتي في فلسطين.

 

وفى هذا المقال سوف نسعى إلى لمس العلاقات والصلات التي ربطت الحركة الصهيونية، وهى لم تزل فى مهدها بالغرب الأوروبي والقوى الدولية آنذاك ( انجلترا – فرنسا ) فضلا عن الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، والتى كان لها – أي: هذه الصلات – الدور الحيوي في توطيد دعائم الحركة الصهيونية العالمية، وغرس الكيان اليهودي اللقيط فى أرض فلسطين العربية.

 

علاقة الصهيونية ببريطانيا والتغلغل الصهيونى فى الدوائر البريطانية

 

أولا: دوافع التقارب البريطاني الصهيوني

 

حاول البعض إرجاع العطف البريطاني على اليهود إلى دافع ديني يتعلق بالمذهب البروتستانتي، يؤكد ذلك أن الساسة الإنجليز ممن ساندوا الصهيونية، أمثال: لويد جورج، وبلفور كانوا من المتأثرين بالتوراة وما فيها من نبوءات دينية، وكانوا يرون فى عودة اليهود إلى فلسطين تحقيقا لنبوءة إنجيلية.

 

غير أنه في الواقع لم يكن الدافع الديني هو الدافع الوحيد أو الاكثر تأثيرا في تبني بريطانيا للفكرة الصهيونية؛ ذلك أن المصالح الاستعمارية للقوى الكبرى تلاقت مع الفكرة الصهيونية، وسعى بلفور لتوجيه تيار الهجرة اليهودية إلى فلسطين؛ تحقيقا لكسب استراتيجى يخدم السياسة البريطانية فى الشرق، والحق أن موقع فلسطين الجغرافي وجه السياسة البريطانية إلى أهميتها، وخصوصا مع حملة بونابرت على مصر، وبالأخص بعد نشوء المصالح البريطانية في الهند.

 

وضوح أهمية فلسطين بالنسبة للطريق المؤدي إلى مستعمراتها هناك، هذه كانت السياسة البريطانية الرسمية، أما من ناحية الشعب البريطاني، فاهتم بمسألة الكيان اليهودي فى فلسطين متأثرا بالناحية الدينية، ومتأثرا كذلك بمشكلة اليهود الروس.

 

وكان العامل الاستراتيجى ورقة رابحة فى أيدي الزعماء الصهيونيين كلما أتيحت لهم فرصة الاتصال بالدولة البريطانية، وقد فطن هرتزل إلى أهمية فلسطين بالنسبة إلى المواصلات الإمبراطورية، فحرص على التلميح بذلك أثناء حديثه مع تشامبرلن عن مشروع العريش، حيث قال: (لكن يجب أن يفهم أننا سنضع أنفسنا تحت الحكم البريطاني، وليس الحكم المصري)، ورد تشامبرلن (سوف لا نرحل عن مصر)، هذا ولم تكن فلسطين مهمة فقط بالنسبة للساسة الإنجليز، وإنما كذلك رأى نفر من العسكريين أنها ممر جوى هام بين الشرق والغرب يضارع قناة السويس كممر بحري.

 

والى جانب الدافعين الديني والاستراتيجي للتفقرب البريطاني الصهيوني كان هناك عامل آخر شديد الأهمية، وهو التدهور الشديد فى موقف الحلفاء فى الحرب العالمية الأولى، ونجاح الألمان المستمر، والخسائر الفادحة للإنجليز والطليان والجيش الفرنسى مرة تلو الأخرى إلى الحد الذي تسبب في تمرد فى صفوف الجيش الفرنسى بعد هزيمة مروعة مرت به في وقت اشتم فيه الحلفاء إمكان خروج روسيا من الحرب بعد ثورة 1917، وهنا بدا للحكومة الانجليزية أن تستميل الرأي العام الأمريكي لعلها تقنع الولايات المتحدة بالاشتراك فى الحرب بجانب الحلفاء، وكانت انجلترا تعلم أن جانبا قويا من الرأي العام الأمريكي قوامه العنصر اليهودي، فجذبت الصهيونيين إليها؛ لتمهد لنفسها الطريق، وقد حصلت بالفعل مفاوضات مع كبار المسئولين الأمريكيين انتهت بدخول أمريكا الحرب، ناهيك عن المحاولات الإنجليزية للتقارب مع يهود روسيا؛ لإثناء السياسة الروسية عن مسألة خروج روسيا من الحرب بعد الثورة.

 

ثانيا: التحرك الصهيوني نحو الدوائر البريطانية

وجدت الدوائر السياسية في بريطانيا أنه لابد للحكومة أن تعمل على كسب التأييد اليهودي في كل أنحاء العالم؛ تعضيدا لموقف الحلفاء سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وبات واضحا أن ذلك يتحقق بالتفاهم مع الجانب الصهيوني من اليهود الذي يؤمن (بالعودة) إلى فلسطين حلا للمشكلة اليهودية.

 

وقد وجد الساسة البريطانيون أن الأطماع الصهيونية في فلسطين يحقق لبريطانيا مكاسب كبيرة، غير أن الالتقاء البريطاني الصهيوني مر بمراحل من العمل الصهيوني حتى استجابت له الحكومة البريطانية، نرى ذلك في جهود وايزمان وزعامته للعمل الصهيوني من خلال ملازمته للعديد من قادة الفكر والرأى والسياسة في بريطانيا، حتى تحولت السياسة البريطانية من رفض أو إهمال للمبادئ الصهيونية (وزارة سكويث) إلى تأييد ومساندة لها ( لويد جورج) وقد حدث هذا مع وجود شخصيات يهودية هامة فى مراكز قيادية فى الحكومة البريطانية، مثل: ( هربرت صمويل)، وكان وايزمان يؤمن بأن الصهيونية في حد ذاتها قوة حيوية خلاقة، وليست مجرد دعوة شعب طريد إلى التجمع فى بيت خاص به، وهو متأثر بـ( آحادهاعام) فى الفكر السياسي الصهيوني، وكذا اهتمامه بالناحية الاقتصادية في مساندة الحركة الصهيونية، ووجوب استخدام العبرية كوحدة لا تتجزأ من البرنامج الصهيونى.

وقد سعى وايزمان مع زملائه من كبار الصهيونيين فى المنظمة مثل ليون سيمون – صمويل لاندمان.. سعوا إلى الاتصال بالشخصيات البريطانية الرسمية وغير الرسمية، ولذا بدأ الاتصال ببعض من كبار اليهود فى إنجلترا، مثل السيدة (كرو) التى كان زوجها يعمل فى الحكومة البريطانية، فقال فى رسالة لها: (نحن الذين جئنا من روسيا وبولندا؛ لنحيا حياة أفضل، فما جدوى الاندماج بالنسبة لليهودي المؤمن بالدين الموسوي، فالاندماج يبعد اليهودي عن كل مظاهر الحياة اليهودية، وكل يهودي لا يعيش في فلسطين لا يحيا حياة يهودية طبيعية، مثل تلك الحياة الانجليزية الطبيعية التى يحياها الإنجليزي في بريطانيا )، ثم تحول الكلام عن مأساة اليهود في روسيا.

 

ثم بدأ وايزمان التحضير لحملة دعائية كبيرة باستخدام الصحافة البريطانية من خلال صداقته بالصحفي ( سكوت) المحرر بجريدة الجارديان، ورأى أنه يمكن تسخير قلم سكوت ونفوذه في خدمة أغراضه عن طريف الغزو الفكري، فجعل يمده بما كتب عن فلسطين من وجهة النظر الصهيونية البحتة، وأهداه خريطة بها توزيع أماكن الاستقرار اليهودية فيها، وكانت بينهما مراسلات كثيرة، وجعله دائما يربط بين الأطماع الصهيونية في فلسطين وبين هدف بريطانيا في السيطرة على الطريق لمستعمراتها فى الهند.

 

وقد أوضح وايزمان لسكوت أن الصهيونيين أعدوا كل شيء لخططهم نظريا، ولم يبق إلا التطبيق العملي، كما كان وايزمان على علاقة طيبة بـ(بويكهام ستيد) المحرر بجريدة التايمز اللندنية الواسعة الانتشار، وقد ساعدت هذه الجريدة الرأي العام البريطاني، في تقبل الآراء والمعتقدات الصهيونية، يالإضافة لذلك نشر الصهيونيون مجلتين إحداهما باسم (….) وجهة النظر الصهيونية، والثانية (..) فلسطين، وكانت أسبوعية، ولم تقتصر الدعاية الصهيونية على هذا فقط، وإنما اتخذت أشكالا أخرى، مثل تشكيل اللجنة الفلسطينية البريطانية عام 1916 وكان لهذه اللجنة دور كبير في تهيئة أذهان بعض الشخصيات المرموقة في المجتمع البريطاني لتقبل الفكرة الصهيونية، وهي – أي: اللجنة – قد نشرت جريدة أسبوعية كان لها أثر كبير في تنمية العطف الحكومي البريطاني على الأماني الصهيونية، بالإضافة لكل ما سبق قامت دعاية صهيونية في بعض المدن الكبيرة بإنجلترا عن طريق بعض الجمعيات الصهيونية.

 

وتعضيدا للجهود السابقة استمر وايزمان يوالى اتصالاته بمختلف الشخصيات في المجتمع الإنجليزي محاولا اكتساب صداقات جديدة، ومن خلال الصحفي سكوت استطاع وايزمان التعرف بالسياسى المرموق ( لويد جورج) الذى تقابل مع وايزمان وهربرت صمويل، ثم حدثت مشكلة الأسيتون، ومن خلالها صار وايزمان على صلة بالبحرية البريطانية ككيميائى فى إنتاج الأسيتون.

 

مشكلة الأسيتون

كان وايزمان محاضرا للكيمياء فى جامعة مانشستر، وكانت له تجارب وأبحاث هامة في عمليات التخمر، إلى حد أن دعته الأميرالية البريطانية رسميا، وهناك قابل رئيس إدارة البارود الذي أخبره أن هناك عجزا خطيرا في مادة الأسيتون الذي يستخدم كمذيب للبارود فلا يطلق دخانا، وأنه بدون توفر هذا المذيب سيكون من الضروري إجراء تغييرات في بنادق البحرية، وهنا رسم وايزمان المكاسب التى يمكن تحقيقها للدعوة الصهيونية إذا نجح في الوفاء بطلب الحكومة البريطانية، ومن هنا تم استخدام الإمكانات العلمية لديه ومنح وايزمان تفويضا مطلقا، واستغرق مدة سبعة أشهر حتى نجح في إنتاج طر من الأسيتون خلال كل عملية تخمر، وبعدها بدأ الإنتاج يتزايد.

 

ومع زيادة الإنتاج زادت قيمة وايزمان لدى رجال الدولة في بريطانيا، وكانت جيوش الحلفاء في هذا الوقت تخوض أعنف المعارك ضد الألمان، ثم انتقلت عمليات الإنتاج إلى كندا والولايات المتحدة التى أعلنت دخول الحرب.

 

وبعد المقابلة مع لويد جورج تردد وايزمان وزملائه على بيوت العديد من الوزراء الإنجليز طوال 1915 ، محادثين إياهم في مسألة حماية بريطانيا على فلسطين، وكان لويد جورج – مديرا للإمدادات الحربية وقتها، ويقدر خدمات وايزمان تقديرا جليلا، فلما صار لويد جورج رئيسا للوزارة، ألقى بثقل سياسي كبير فى مساندة الصهيونية، كما تعرف وايزمان بشخصيات كبرى وهامة من طراز (ماينز) ذي الأصول الدانماركية الذي قدم لبريطانيا أعدادا كبيرة من الرجال الأكفاء، والسير مارك سايكس الذى تفهم فكرة تحرير العناصر المداسة بالأقدام (اليهود – العرب – الأرمن) وكذلك وزير الخارجية فى وزارة أسكويث – وأسكويث كان معارضا للفكرة الصهيونية – ويدعى ادوارد جراى، الذى اتضح أنه شديد العطف على الفكرة الصهيونية، هذا بالإضافة إلى اشتراك مالكولم فى نشاط الحركة الصهيونية الذي كان مكسبا كبيرا قدمته الظروف.

 

وهكذا صار وايزمان قوى الجانب بعد اكتساب شعبية صهيونية واستقطاب صهيونيين جدد بريطانيين وغير بريطانيين، وكذلك الاتصال بعديد من الشخصيات السياسية البريطانية، والتغلغل داخل الدوائر البريطانية عامة، والرسمية بشكل خاص.

 

وقد حدث أن قدر لويد جورج خدمات وايزمان تقديرا عظيما، وعرض على الزعيم الصهيونى أن يقدمه لصاحب الجلالة ليمنحه وسام الشرف، فرد وايزمان بأنه لا يطمع في كسب شخصي، ولما سأله لويد جورج عما يمكن أن تقدمه الحكومة البريطانية، قال: (نعم، أود أن تفعلوا شيئا لشعبي)! وأفاض في شرح الأماني الصهيونية وإعادة اليهود إلى فلسطين.

ثالثا: الالتقاء البريطاني الصهيوني

عقد مالكولم اجتماعا غير رسمي بين الصهيونيين والسير مارك سايكس 7 فبراير 1917 شهده كل من ( هربرت صمويل وروتشيلليد ووايزمان وسكولوف وغيرهم)، ولم يحضره مالكولم بسسب أعماله الرسمية، وقد ترأس جاستر هذا الاجتماع، وبدأ بعرض الأهداف الصهيونية، وأكد أن الأهداف الصهيونية لا يمكن تحقيقها‘ إلا فى وجود الإدارة البريطانية فقط، وأن تنظم الجماعة اليهودية نفسها باعتبارها جماعة قومية، لا هيمنة عليها لأحد.

 

هربرت صمويل: وافق على آراء جاستر وكذلك روتشيللد ضد الحكم المشترك، عدا الأماكن المقدسة، وطرح مبدأ خلق الأمة اليهودية.

سوكولوف: بريطانيا هي الأكثر عطفا على اليهود، ويجب وضع فلسطين تحت جناح إنجلترا وخلق كيان قومي لليهود هناك.

وايزمان: إن اليهود (يعودون) لفلسطين لخلق أمة يهودية فيها، وللحفاظ على شكلهم القومي بالمعنى الكامل دون تحولهم إلى عرب أو دروز أو حتى إنجليز.

 

وانتهى الاجتماع بالمطالب الصهيونية المباشرة التالية :

  • يجب أن ينال حق الشعب اليهودي في فلسطين اعترافا دوليا.
  • الاعتراف بأن المستوطنين اليهود في فلسطين يمتلكون مقومات الأمة: (حكما ذاتيا – استخدام العبرية).
  • منح تراخيص لشركة يهودية في الإشراف على أراضى خاصة، على أن يشمل الترخيص امتيازات في الأعمال العامة، مثل الحق في استقبال مهاجرين جدد.
  • توضع كل فلسطين تحت إدارة واحدة باستثناء المراكز الدينية.
  • تتمتع الأماكن المقدسة بامتيازات، منها: إضافات إقليمية.

وفى هذا السياق مر التقارب البريطاني الصهيوني بمرحلة جديدة (التقاء وتطابق المصالح)، وهى المرحلة التي انتهت بإعلان تصريح بلفور 2 نوفمبر 1917

 

التفسيرات البريطانية لتصريح بلفور

كانت تفسيرات المسئولين البريطانيين تصدر أحيانا بالأسلوب الذي يرضي اليهود ويتحاشى سخط العرب أحبانا أخرى، لذا جاءت التفسيرات متباينة في معناها؛ لأن عبارات تصريح بلفور تتبلور فى إقامة موطن كملجأ لليهود المضطهدين في أرض الشتات.

 

الصهيونية والعلاقة مع أمريكا

تم نقل المكتب الرئيس للصهيونية من كوبنهاجن إلى أمريكا، وجعلها مركزا للنشاط الصهيوني العالمي، وتم تأسيس الاتحاد الصهيوني الأمريكي، والذي يطلق على فرع المنظمة الصهيونية العالمية فى الولايات المتحدة، تأكيدا للتضامن مع القوى المنادية بالقومية اليهودية، كذلك زاد عدد الجمعيات المنتسبة إلى الاتحاد الصهيونى الأمريكى من 198 إلى 270 جمعية.

 

ومن مظاهر الائتلاف الصهيوني مبادرة الجمعية الصهيونية الأمريكية بالانضمام إلى الاتحاد الصهيوني الأمريكي، وكانت هذه الجمعية تضم مجموعة من الصهاينة الأمريكيين برئاسة (ايوجين ماير) المحرر فى جريدة الواشنطن بوست، وغيره، وانتشرت المسألة الصهيونية بين الجماعات اليهودية الأمريكية، وقد حدث كل ذلك من خلال ظروف، أهمها: تضاعف عدد اليهود المهاجرين لأمريكا؛ نتيجة للاضطهاد الروسى، حيث صار عددهم سنة 1914 حوالي ثلاثة ملايين، وقد لعب هؤلاء المهاجرون دورا كبيرا في الاقتصاد الأمريكى والحياة الأمريكية بصفة عامة.

 

الاتصالات البريطانية الروسية الصهيونية

أثناء التخطيط للدعاية لتصريح بلفور كانت بريطانيا تعمل على دراسة الأوضاع لتحديد كنه الدعاية المطلوبة تجاه اليهود الروس، حسب متطلبات الموقف السياسي والعسكري، مع إثارة تساؤلات حول إمكانية استغلال يهود روسيا في استمرار اشتراك بلادهم في الحرب بعد الثورة البلشفية، ولكن صدر التصريح متأخرا بعدما تأكد خروج روسيا الشيوعية من الحرب، لذا اتجه البحث نحو إمكانية استغلال النفوذ اليهودي الروسي في منع الألمان من استغلال الموارد الاقتصادية الروسية، ورأت بريطانيا أن مساندة الصهيونية سوف تجند عنصرا قويا لخدمة أغراض الحلفاء؛ لأن اليهود يلعبون دورا هاما على مسرح السياسة الروسية، لذا تقرر في اجتماع الخارجية البريطانية إرسال بعثة صهيونية إلى روسيا، ولما لم تتمكن البعثة من أداء مهمتها بسبب الظروف السياسية هناك، تم إجراء اتصالات بين الصهاينة في بريطانيا وأمريكا وبين أقرانهم في روسيا، مع الاهتمام بصفة خاصة بالدعاية الموجهة إلى اليهود في وزارة الإعلام البريطانية، وقد عمد وايزمان بعد ذلك إلى مد اتصالاته، لتشمل مختلف المراكز الصهيونية في روسيا، وراسل الزعماء الصهاينة الروس، مثل: روسوف وزلاتوبوسكى.

 

الخلاصة

وهكذا رأينا كيف مدت الصهيونية جسورا للتواصل مع القوى الدولية في ذلك الوقت؛ لإثبات وجودها، عبر محاولات حثيثة، وجهود مضنية، وسعى مستمر دءوب انتهى بتأسيس ركيزة ناجحة لخلق كيان قومي يهودي يستوطن أرض فلسطين، وكانت هذه الركيزة – تصريح بلفور – تتويجا للجهود الكبيرة التي بذلتها الحركة الصهيونية، وبذلها أخلص رجالها بعد هرتزل، حاييم وايزمان، بشخصيته السياسية والعلمية المثيرة للدهشة، الأمر الذى دفع كاتب السطور للتركيز عليه في هذه الدراسة الموجزة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد