مدينة البيرة الفلسطينية، يقتحم أفراد جيش الاحتلال الصهيوني شوارع البلدة، يُغلقون منافذها ومخابزها، يقطعون إشارات المرور ويعكسون اتجاه السير، يسرقون فواكه البائعون، يعتقلون ويقتلون من أرادوا، ولا أحد يسألهم سؤالًا.. ولمن يسأل أين الشرطة المحلية التي نراها على شاشات القنوات الوطنية، الجواب نعم، إننا نعلم أن الشرطة وجنود الأجهزة ومدرعاتها فقط على أبناء الشعب الفلسطيني، وليس لأجلهم.. تخيلوا أن شرطة السير لم تحرر مخالفة قطع إشارة المرور لجنود الاحتلال! تزامنًا مع تواجد الجنود بالخارج.. تدور في داخل المباني معركةٌ أُخرى ربما تكون أشد ضراوة من تلك التي بالخارج.. تهتز خصور الشبّان والشابّات وتتمايل شعورهم في أحد معاهد تعليم الرقص، يرقصون على وقع موسيقي (يعلى صوت الشبّابة.. على ظهر الخيل) – والشبابة هي مزمار من قصب – مُقاومة بالرقص والغناء، هكذا يٌراد للانتفاضة الفلسطينية الثالثة أن تكون.. الحضور مبكرًا لصفوف الفن والمسرح وتسابق رعاية وإعلان على مهرجانات خرقاء لأكبر سيخ شاورما وأكبر سندوش مرتديلا، بينما على الأرض تتّسع رُقعة الاحتلال أكثر فأكثر، تتهوّد المسمّيات وتتصهّين الثقافة ويغرس المحتل مخالبه في جبين هذا الوطن الذي لا هواؤهُ هواء، ولا ماؤهُ ماء، ولكنه وطن.

والحقيقة أن الإسقاط الذي كان على مدينة البيرة، هو إسقاط لا تتفرد به رام الله فحسب، بل حاله حال مدن الضفة الغربية، ومدن القطر العربي والإسلامي على حدٍ سواء، رٌقعة جغرافية كبيرة يعاني معظم الناس فيها من نقص معلوماتي حاد حيال القضية الفلسطينية. وفي قلب هذا الجسم الإسلامي العربي، تتواجد دولة الكيان الصهيوني، تتنفس هواء عربي وتشرب مياه عربية وتمتلك غاز من دولة عربية، تحدّها جغرافيا مع دول دينها الإسلام ودستورها العروبة وأغلبها – إن لم يكن جميعها – تربطها علاقة تاريخية صلدة بأرض فلسطين التاريخية، الأرض التي تم احتلال ما يقارب من 90 % منها منذ عام 1948 وحتى اليوم، دون أن نتمتع نحن الشعوب المغلوب على أمرها بأي حق للرد، وأي حق التعبير، وحق النقد سوى عبر الدبكة والرقص على موسيقى يعلى صوت الشبّابة.. على ظهر الخيل.

وعلى ظهر مواقع التواصل الألكترونية، تفضح نقاشات بسيطة جهل العموم بمعلومات أساسية حول القضية الفلسطينية كانت في الماضي تُعد من المُسلّمات. الفرق أن الناس اليوم اكتسبت جرأة رهيبة في التعبير عن جهلها، بل نشر آرائها بأسمائهم الحقيقية، الأفظع أن هذه الآراء تلقى ترحيبًا أكثر من أن تلقى صدودًا، سيكولوجية الجماهير أصبحت قادرة على إعادة طرح أسئلة مثل: من سكن فلسطين أولًا؟ نحن أم اليهود! لماذا لا تتوقف حكوماتنا عن دعم فلسطين؟ ما المشكلة في التطبيع مع اليهودي؟ وغير هذه الأسئلة الكثير. حقيقة الأمر أن مثل هذه التساؤلات صحية ويجب أن تكون موجودة دومًا لتجديد الطلب المعرفي حول العدو، إلا أن نهاية النقاشات تكون كارثية دومًا؛ لأن بوصلة الثقافة المُراد الإشارة إليها من تلك الأسئلة لا تُشير إلى القُدس.. بل تخدِم الحلم الصهيوني واليهودي أو اليهودي والصهيوني سمّها ما شئت، وذلك رغم اختلاف الآراء حول من هو صهيوني ومن هو يهودي.

جميعنا يملك تعريف واحد على الأقل للصهيونية واليهودية، إلا أن معظمنا يحتاج نظرة ثاقبة تاريخية وواقعية لما يحدث حولنا من إلهاء يهو-صهيوني، واحفظوا هذا المصطلح جيدًا لأنه سوف يتكرر بمقالات مستقبلية، يتميز هذا الإلهاء بقوة الدعاية الرسمية الإسرائيلية، ترتكز أهميتها على التعقيد والتخفي واستحداث الإلهاء والغموض وتهميش موضوع البروتوكولات بإحياء حراكات ودعوات مزدوجة بين الصهيونية واليهودية، والحقيقة أن هذه الطريقة هي طريقة ناجحة مع الكثير من العرب ممن انطلت عليهم حجة أن حربنا الوحيدة هي مع الصهيونية لا مع اليهودية.. صِرنا في موقف حرِج من اتخاذ قرار صارم تُجاه اختيار العدو، هل تكون الصهيونية أم اليهودية، وكأننا مجبرون على اختيار أحدهما، بل إن هذه النظرية يحاول البعض تسويقها، وهذا ما يبرر الترحيب البارد لكل من يطعن بالصهيونية.. يفرح الكثيرون حينما يطعن يهودي بالصهيونية، وكأن هذا اليهودي الذي صفّقنا له للتو ضد فكرة الاستيطان داخل فلسطين. في حقيقة الأمر الحركة الصهيونية ما هي إلا استكمال للمشروع اليهودي في المنطقة والعكس أكثر صحّةً.

لا أدّعي من قريب أو بعيد أن ليس هناك يهود ضد الصهيونية، نعم يوجد، بل تحسب لهم الصهيونية ألف حساب، إلا أن هؤلاء لا يتجاوز تعدادهم المليون فرد من أصل 15 مليون يهودي بالعالم على الأقل. فإذا كان اليهود قد تبرأوا من تُهمة الصهيونية (فرضًا)، فهم لا يستطيعون تبرئة أنفسهم من تُهمة الاستيطان والاستقرار في فلسطين وإحلال شعب جديد محل شعب الأرض الأصلي. الصهيونية هي اليهودية، لا فرق ملحوظ، نفس المعتقدات والمذهب، خصوصًا تلك التي تتعلق بفلسطين، والمعالم الدينية التي فيها.. كلاهما يحمِل شعار إسرائيل من النيل للفرات، الفرق أن الصهيوني يكون غير متدين، وإن استخدم الدين فيكون فقط لأهداف سياسية (ديماغوجية). ولإبراز سبب الخلاف اليهوصهيوني فإن الخلاف كما لا يعلمه الجميع هو خلاف على عدم الالتزام بمنظومة القيم التي يؤمن بها اليهودي أو بين قوسين (المأزق الأخلاقي لإسرائيل) في صورة العالم، ليس هناك خلاف عقائدي توحيدي بين الفريقين. إذًا الفريق اليهودي يأتي ضمن إطار الصهيونية، وليس خروجًا عنه، والخلافات التي تحدث هي خلافات فقهية لا تعنينا، بل تعنيهم. الصهيونية اليوم ليست إلا صيغة عصرية لأطماع اليهود في إقامة دولة داخل دولة كما كانت أولى المراحل وقد نجحوا، ثم إنشاء دولة عالمية وتهجير الفلسطينيين منها، وهذا ما يحصل الآن.

منذ منتصف القرن الفائت والصهيونية مُحاربة من بعض الشخصيات التي لها ارتباط بالشيوعية الماركسية أو رجال الدين اليهود حاخامات وغير حاخامات، واليوم هي مُحاربة كذلك من بعض الحراكات التي تتبنى العلمانية، مثل ما بعد الصهيونية، والتي هي وجه آخر لعملة واحدة للحراك الذي يُسمّي نفسه المؤرخون الجدد، لا تتجاوز أهداف هذه الحركات أكثر من كونها توعوية تصحيحية حول السرد الصهيوني للقضية الإسرائيلية. أما الهدف الحقيقي لوجود مثل هذه النشاطات هو كما ذكرنا آنفًا.. إحداث الجلبة وإبراز صورة وهمية لحرب غير موجودة فعليًا بين الصهيونية واليهودية.. والمثقف البسيط يقِدر على كشف هذا الفخ الهش وغير المُتجانس، السبب بسيط ومفهوم وهو بأن الصهيوني يؤمن إيمانًا قطعيًا في بروتوكولات صهيون أكثر من التوراة، في حين أن اليهودي لا يملك حيال تلك البروتوكولات أي مشكلة في أن تُنفّذ، ولو كُنت يهودي المذهب لشكرت الصهيونية من صميم قلبي؛ لأنها سبب بقاء العِرق اليهودي حتى تاريخ نشر هذا المقال.

اليوم أعتقد أننا نملك الحظ الأوفر في استرجاع الهيبة الإسلامية والعربية، مشاعرنا أكبر تجاه أورشليم، أكثر مما يملك اليهود فرص للاحتفاظ بصهيون، فالجهل والتفكك الذي يجتاح العقل العربي ما هو إلا طلب مُلِح للنهضة، وسبب استدعاء النصر إن شاء الله، الانتصار أولًا على فئران السفينة، وكل من يعوق الطريق نحو مكامن العدو. كذلك لا ننسى كذلك وفرة العدد المُهم في هذا التوقيت من الحرب التاريخية، فبجانب بعض الهجرات المضادة، هناك شُح في إيجاد حلول حقيقية لدى المُحتل الصهيوني لمشكلة التكاثر، فالصهيونية تُريد يهودية قومية تنحسر بها اليهودية كدين، بينما يرى اليهود أن من الجُرم أن يدخل الجوييم (الغير أو الأغيار) باليهودية، وذلك على الرغم من نسفِ هذه العقيدة المحرفة منذ دخول يهود الخزر باليهودية منذ القرن الثامن الميلادي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد