لا تغيب عن أذهان الفلسطينيين المقولة التي أثبتت فشلها الذريع بكل حرف كانت تحتويه داخلها، لا أعلم ما الأساسيات التي كان يبني عليها الصهيوني دافيد بن غوريون، لكي يتفوه بهذه النظرية الخاطئة التي تقول: «الكبار سيموتون والصغار سينسون»، ويقصد هنا أن الفلسطينيين الكبار الذين افترستهم آلة الحرب الصهيونية منذ بداية تغلغل الصهاينة في أراضي فلسطين، فيظن بن غوريون أن ما دفعه لقول هذه المقولة البائسة أن التنصل من تبعات وتداعيات القضية الفلسطينية، بتركها إلى المجهول، وخاصة قضية اللاجئين الذين يزيد عددهم اليوم عن 6 ملايين لاجئ، يغرقون كل يوم في بحر جديد من المعاناة والشقاء في 60 مخيمًا.

صحيح أن الموت سنة في حياتنا، لكن غير المعقول أن تجعل الأطفال الفلسطينيين الذين يشاهدون كل يوم ما تقترفه من قتل وأسر وتدمير، إلى آخره من الجرائم اليومية بحق الفلسطينيين، ينسون أن هناك أراضي سلبتها قوات الهاجاناه وغيرها من العصابات الصهيونية، التي كانت تقاتل من أجل أن تحقق مقولة بن غورين، لكن بعد عام 1948 تيّقن قائل النظرية اليائسة أن الصغار يغرسون القيم الفلسطينية في كل أزقة من أراضيهم، ويدونون بطولات كبارهم في سجلات عقولهم، بل يتخيلون أنفسهم أنهم سيصبحون مثلهم يدافعون عن حقهم الذي سلب منهم من قبل الاحتلال الصهيوني بالشكل الذي يرونه، حتى يجعلوا كل فلسطين تحت أيادي أصاحبها، لكن هناك أسبابًا كثيرة كانت لتجعل مقولة رأس الافعى الصهيونية سرابًا.

فالطفل الفلسطيني وهو يقطن داخل أحشاء والدته يتغذى على حب الوطن، وأثناء صغره يشرب من لبن التضحية والفداء، وعندما يستجمع نفسه يتربى على القيم الوطنية، فالعائلة الفلسطينية تبدأ بتكوين المعرفة التاريخية لفلسطين، فمن خلالها يدرك أن هناك حقًّا يريد أن يستعيده من المغتصبين.

وعلى الرغم من أن هناك خللًا ليس بالكبير لدى معرفة الطفل الفلسطيني للقضية، والتي تقتصر فقط على المدرسة ومجتمع الأقران، فإن الجيل الفلسطيني يدرك أهمية قضيته، فقبل أيام قليلة شعرت بالتفاؤل الكبير عندما كنت أتصفح عبر تطبيق «فيسبوك»، فوجدت فيديو تقدمه مذيعة حول صفقة القرن ومدى معرفة أطفال المدراس في قطاع غزة، فكانت المذيعة تمسك خريطة فلسطين التاريخية وخريطة ترامب التي أعلن عنها في «صفقة القرن»، لاحظت أن الأطفال يفرقون بين الخريطتين، وبدت ملامح الاستغراب على خريطة ترامب، وقالت إحدى الطالبات تعليقًا عليها: «شو هاد الهبل، هاد مش خريطتنا هاد»، وقالت أخرى: «بديش الفلوس ولا يطبقوا هاد الخطة على أراضينا».

وغير هذا أصبح الطفل الفلسطيني معايشًا للواقع السياسي الذي يمر به، فخلال دوامه المعتاد في المدرسة تمثل الإذاعة الصباحية قبل الولوج إلى الصف منبرًا للطفل، حيث يستمد منها الأحداث التاريخية التي وقعت بالماضي، كذلك تقف وقفة تأمل على تضحيات الشهداء الذين ارتقوا نتيجة فدائهم للقضية الفلسطينية، انتقالًا إلى الأسرى الذين ناضلوا من أجل حرية الفلسطينيين، وعندما تنتهي الإذاعة يبدأ السلام الوطني الفلسطيني الذي يؤكد حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.

وعند مغادرته المدرسة يرى الطفل حوله صور الشهداء، ويبدر في ذهنه أنه يريد أن يصبح مثلهم، يريد أن يرتدي البزة العسكرية، وأن يقاتل من أجل الوطن، وكذلك يريد أن يرتقي بعلمه من السير على خطى مقولة «المثقف أول من يقاوم وآخر من ينكسر»، ولا ينتهي هذا قطار هنا، بل يستمد وطنيته وثقافته الفلسطينية العامة من الفضائيات الفلسطينية، التي تنقل معلومات كثيرة تغذي الفلسطينيين بما له وأيضًا بما عليه.

لهذا نصل إلى الفشل الذريع الذي يراه بن غورين وكافة الصهاينة الذين يفندون نظريات تجعل الأجيال الفلسطينية في غيبوبة عن ماضي الثائرين، وقصص المناضلين، ودرب الشهداء الذين رسموا الطريق للذين يأتون بعدهم، لذا يرى مراقبون فلسطينيين أن كلما ما كان الطفل الفلسطيني معايشًا لجرائم العدو الصهيوني، كان الوقت أقرب لتحقيق نصر يفجر كل النظريات الصهيونية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد