الإغتراب والشخصية المزيّفة
«نحن لا نتعود يا أبي إلا إذا مات شيء فينا، وتصور حجم ما مات فينا حتى تعودنا على كل ما حولنا». *ممدوح عدوان

لا ريب في أن شحّة الضوء و عتمة الليل، إذا عسعست على ابن آدم، فإن حرابها على حدّتها، ومهما طال أمد طعانها، لإن لم تكن بكافية لإصابته في مقتل، ولا كفيلة باستلابه الحياة، إلا أنها تلزمه بالانجبار، على الانتقال لمواصلتها في واحدة من أبشع خانات «الحَيْوَنَة».

فالإنسان كـ«حيوان للاعتياد»، كما تعرّفه بعض مدارس الفلسفة، ذو قدرة خارقة على التأقلم والتطبيع مع محيطه وواقعه، مهما كان مزريًا. إلا أنه لن يستطيب به المقام، في وضع خارج عن سنّة الطبيعة، في تعاقب الليل والنهار، من دون أن يرتضي التنازل، عن نصيب غير يسير من حواسه وقدراته على الإدراك، فيتضاءل بذلك وعيه بالذات وبالآخر، كاستتباع آليّ لانحصار مجال الإبصار لديه.

الوطواط الأخرس

وأمّا أن تصاحبت لعنة الحلكة تلك، بإخماد للكلمة الحرّة، فتكون الطّامة أكبر وأهول، كيف لا وقد سُلِب بَعْدَ الوعي اللغة، وهذان كل ما يميّزه من سمات عن سائر الكائنات، فلم يُستبقى له إلا حاجياته البيولوجية، من مثيل التكاثر وأكل «البَنَان بدينار»، كمحفّز ومسوّغ وحيد للبقاء.

فقد لا يموت الإنسان نتيجة لذلك، ولكن إنسانيّته لا شكّ تُسْلِمُ أنفاسها، ليفقِد كلّ صفات البشر، وينفصل عن تعريفه الخلدوني، ككائن اجتماعيّ بطبعه، فتضمحلّ عنده كل رابطة وجدانية بمن يعيشون حوله، ثم لا يضيره بعد ذلك إن مُرّغت كرامته فضلًا عن ما يصيب غيره فيها، ولا يفزعه انتهاك الأعراض على مشهد منه أو مسمع، بل إنه قد يستسيغ التغذّي على لعق الجراح، ونهش لحوم البشر، أكانوا من الأقربين أو الأبعدين، ليتحوّل بمرور الزمن، إلى «وطواط أخرس»، حامل للماركة التجاريّة المسجّلة، كمنتوج أصليّ، لظلمات الظلم وصمت الخانعين.

وإني ما وجدت صورة حسِّيَّةً، أبلغ من هذه بيانًا، ولا أدقّ توصيفًا، لحالة مجتمعاتنا، وما حملته من أدواء عصور الانحطاط المظملة، التي استمرّت منذ انكسار المرابطين، إلى ما قبل الربيع، وذاك ما سمّاه المرحوم بن نبي، بمرحلة «الشهوة والغريزة»، التي أغرقت رجاحة العقل ودنّست نقاوة الرّوح.

ولقد استمرّ الحال على ذلك دهرًا، انسكبت خلاله تلك الدمامة، متسرّبة إلى باطن البنية التحتية للثقافة السياسية الجمعيّة، وتموضعت منحوتة بين حناياها، حتى بلغ الإدراك درجة من التشوّه المتشائم، جعلته يخال في أثمن منح التاريخ، تعمّقًا لمحنته، فلا عجب إذا في انهيال الجموع على الربيع بالطعن واللعن، فالخفافيش عادة ما تخشى أشعة الشمس التي إن سطعت، جفّت معها أجنحتها المُلْط، فانقطعت بها سبل تحسّس الطريق، إلى ما كانت تناله من الفتات.

تلك كانت حالة السواد الأعظم، إلا أن الأمر لم يخل من بقيّة باقية من الفِطَرِ النّقيّة، انزوت قابضة على إنسانيتها في ركن حصين، تناجي فيه ربّها، متعلّقة بتلابيب النور الحسير، متشوّفة لانجلاء الليل وانكسار قيوده، معانقة لأشواق الحلم المنشود، تتغنى به في شعرها ونثرها. إلا أن هذا الهيام العارم بالضياء الموعود، حجب عنها ما يمكن أن يحمله من كسب ملغوم، فما تحسّبت يومًا، لما يمكن أن يصاحب الدواء، من مضاعفات وأعراض جانبيّة، قد تكون أضررها أنكى من الداء في حد ذاته.

فهل كان الشباب وربيعه الذي حَمَل، خاليًا من الشوائب والعلل، حتى نردّ النكوص برمّته، إلى ترهّلات عصر ولّى وانبرم؟

الإشراق الكاذب

فقد اغترّ الناس ونسوا ما بلغهم في الصحيح، من أنّ الفجر فجران، سمّي أولهما بـ«الفجر الكاذب» (Zodical Light) بمصطلح علم الفلك، وهو ذاك الذي تخاله الأعين، لما يحمله من غبار وأتربة شمسيّة، صبحًا وليس بصبح، إذ سرعان ما يندثر ضياؤه، لتتبعه برهة أخرى من الظلمة، تسبق بزوغ «الفجر الصادق». وإن اجتياز تلك الفترة، ونجاح الراصد في تحديد ذاك الأخير، مرتبط بمدى جلده، وقدرته على الاحتفاظ بالهدوء والتركيز، وهذا ما لم يتوفّر في الطليعة الثوريّة من خصائص.

فقد خطف «الإشراق الكاذب» بصرها، وذهبت لهفة المشتاق ببصيرتها، فانقضّت الرومانسيّة تغمرها، وتربو بها إلى عنان السماء لتغرقها، بين سحائب الملائكية، ومسبح المدينة الفاضلة، وكأنها جرعة من المخدرات، المحقونة بإبرة الربح السريع وعقلية «ضرب ضربتو»، حتى إذ انقضى ذلك المفعول، كانت على قدر بسوق المطمح، سقطة اليأس سحيقة، وعلى قدر علوّ الآمال خيبتها مريرة.

فلم تستيقظ من سكرات النصر، إلا على فاجعة انكشاف أكذوبة الإشراق الكبرى، المسماة بالحرية، التي إذا جاءتها الجماهير ضمآنة، تتلمّس أثرها في حياتها اليومية، وجدتها كسراب بقيعة، لينتهي بهم المطاف بعد هنيهة من أول تجربة عمليّة معها في هاته الأراضي، إلى نفس نتيجة البحث النظري المجرّد للفلاسفة في ماهيّتها، بأن وجودها شبه منفيّ. فهي التي عرّفها «اسبينوزا»، بأنها مجرّد وهم ناجم عن الجهل بالدوافع الحقيقية لأفعالنا، أو ثمرة لعدم تأهيل عقلنا لمعرفة الماهيّات، كما وصفها ابن خلدون.

إذ أن الحرّية، قد تفتح أمامنا أبوابا لحقول فسيحة، ولكن الولوج إليها، فضلًا عن إمكانية جني ما فيها من ثمار، متوقّف على كمّ ونوع، الممكّنات التي لدينا، من أدوات وقدرات. فكيف لمن لم يكن قادرًا، حتى على كلفة سيارة الأجرة مثلًا، أن يستفيد من حريته في التنقل؟ وهل تتساوى حرية التعبير، عند من كانت المنابر أمامه مفتوحة، ومن هو سجين بين جدران حيّه المنكوب؟ وكيف للقلوب أن تتخيّر ثوبها الإيماني، وهي محمولة في أجساد عارية إلا من رثّ الأسمال، حتى نتحدث عن حريّة في المعتقد؟

فالحرية إذا مكسب نخبوي بامتياز، لا ينعم بأُكله، إلا أصحاب السلطة أو الثروة أو الوجاهة الاعتبارية، ولن يكون لها أي معنى لدى الجماهير، إلا بإعادة التوزيع العادل لكل ذلك.

الاغتراب والشخصية المزيّفة

ولا بدّ أن هذا الارتطام العنيف بصخرة الواقع، لم يفجّر الكوامن التاريخية للـ«الوطواط الأخرس» فحسب، إلا أنه جعل الرابط يتهشّم، بين جسد الإنسان المتعلّق ببقل الأرض وقثّائها وفومها وعدسها وبصلها، وبين شخصيّته أو روحه المتشوّفة لغذاء الحرّية، وذاك بالضبط ما عرّفت به، كلاسيكيّة علم النفس ومؤلفها «لاينغ»، الشخصية المنفصمة، التي أن أصابت الفرد جعلته يفقد مقومات استمرارية شخصيته، ودفعته إلى محاولة إدراك ذاته من خلال «شخصية مزوّرة» (false Self)، تعبيرًا عن الهوّة الحاصلة بين شخصيّته الداخلية، والأخرى المنعكسة خارجيًّا، مما يزجّ به في أزمة مريرة مع نفسه والعالم، ليؤذن ذلك بولادة «التعارض المرضي»، الذي يجعلنا نرى في الجميع أعداء.

فتجدنا في تقلّب دائم، بين القذف والتشويه، والسبّ والتسفيه، والتهكّم والتّتفيه، وموجّهنا الوحيد في ذلك، هستيريا التقزيم من أعلام كل من حولنا، بسذاجة مجّانيّة، لا تعبّر إلا عن عمق أزمة الشك في الذات، وقصر باعنا عن إعلاء أعلامنا.

وقد استفاد «البروفيسور أغلو» من هذه النظرية، ليجد فيها مدخلًا لتفسير جملة من الإشكاليات السياسيّة، فاعتبرها إذا انسحبت على المجتمعات، كانت مقابلة لاغترابها عن بعديها الجغرافي والتاريخي، مما يزرع فيها بذورًا للهوية المنسلخة عن ذاتها، والذاكرة الجمعيّة المضطربة، التي تكون أبرز تجلياتها في انقلاب الرموز والمناسبات الوطنية، من مثبّتات للمشترك، وعوامل لتماسك الجبهة الداخلية، إلى معاول مفتِّتة، منتجة لأرخبيل من الجزر المتناحرة، يرفع كلّ منها لواء هويّة زائفة من وحي الخيال. ومع استحالة نفي الزيف عن تلك الألوية، ينطلق السعي المحموم في النيل مما تطاله الأيدي، من مصداقية الآخرين، كسبيل وحيد لضمان استمرارية القدرة على المنافسة، فيكون ذلك مدخلها الأول، إلى مضمار الفرار إلى الأمام، ثم لا تنبني سلوكاتها بمجملها بعد ذلك، إلا على قاعدة، وضع العربة أمام الحمار، والسير القهقريرة، هربًا من الحقيقة.

فهي تنهك نفسها في التوافه والهامشيّات، لعلّها تنسيها فشلها الذريع في مربّع الجادّة، وتنساق وراء الأمجاد الرخيصة، كالفوز في مباريات كرة القدم، لعلّها تغطي مرّ هزائمها، وتسعى من خلال التفكّه وأزيز القهقهة الدائمة، إلى إخفاء ما يعتمرها من ألم وإحباط.

فكيف لمشروع النهضة والبناء الحضاري، أن ينبعث حقيقة ملموسة، بين كل هذا الركام من الأكاذيب؟

ولربما يكون غياب وعي الذات المنسجم، الخيط الناظم لتقديم مقاربة شاملة، تسع معطّلات الإشراق الصادق، ولكن هاته ككل الظواهر الاجتماعية، أعقد تركيبًا من أن تُختزل في بعد أحادي. وإن المقال الواحد، والشخص بمفرده، ينوء بحمل تفسيرها، مهما بلغت ما بين أيديه من وسائل. وإنما هو موضع للتدارس والبحث الدقيق، يقتضي التبصّر والتداول الجماعي، في تقليبه على وجوه عدّة، وإن الشباب اليوم لهم الأولى والأجدر، بأن يدلوا بدلوهم فيه، فهم مادة البحث وأصحاب الشأن، بما يجعلهم الأقدر على كيّ ما انزرع بينهم من ورم، حتى يتداركوا زلّاتهم، خاصة مع تبادر بشائر هبّة وجذوة جيليّة في طور التشكّل، قد يجتمع حولها الشتات، ويثوب إليها الفارّون، لتكون كلمتهم الأرجح، في تشكيل ملامح المستقبل، وحسم الانعطاف بالديموقراطية في تونس، من طور الانتقال إلى حقبة الترسّخ والاستقرار، وبين هذا وذلك يبقى إقبال مليون ناخب جديد على عملية التسجيل، بصيص النور الأبرز، بين كل المسودّ من الأخبار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد