تحتفظ النصوص الأدبية بين طياتها بالكثير من العلاقات، المألوفة وغير المألوفة، التي تنشأ بين شخصيات كل نص، وقد تكون هذه الشخصيات مستوحاة من الواقع كما قد تكون من خلق الكاتب، لكن أن تتحول العلاقة بين الكاتب وشخص التقاه في سفره إلى صداقة، ثم تنتقل لتكون موضوع نص أدبي عظيم، ولا تقف الأمور هنا، بل يحدث أن يسطو اسم هذه الشخصية على الكتاب، حتى تصبح على لسان القراء، وينفي الكاتب بعيدًا عن التداول أحيانًا، فتلك هي قصة زوربا والكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكيس.

لقد سطا زوربا على صديقه نيكوس في روايته «زوربا اليوناني» ورمى به بعيدًا عن النص، كما رمى قبل ذلك دون كيشوط (أو دون كيخوته) بكاتبه مغيل سيرفانتس، وبالنسبة لكازنتزاكس يبقى زوربا أحد أكثر الشخصيات التي تركت آثارًا عميقة في حياته.

التقى الكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكيس (1883- 1957) بزوربا مصادفةً في أحد أسفاره، فلم تكن الفوارق الشاسعة عائقًا لنمو صداقتهما، إذ كان زوربا خريج مدرسة الحياة ومغامرًا كبيرًا فيها، بينما كان نيكوس مولعًا بالحبر، والورق، والكتب، وكانت علاقتهما علاقةً تكامليةً كأنّ كلًّا منهما يمنح للآخر ما ينقصه.

وإذ كان من المفروض أن علاقة كهذه، تجمع بين طرفين متناقضين أحدهما كاتب يلازم كتبه في أغلب الأوقات بحثًا عن أجوبة لأسئلته الكبيرة، والآخر رجل بسيط وأميّ غير مثقل بأي شيء عاش كل حياته في الأسفار والمغامرات، يكون فيها الطرف الأول أكثر تأثيرًا على الثاني، فإن العكس تمامًا هو الذي حصل، حيث منح زوربا لنيكوس ببساطته أجوبةً، لم يجدها في الكتب، عن الله والحياة والوطن والمرأة والجسد والروح.. ومثّل بالنسبة له كنزًا أو هدية قدرية.

ويبدو جليًا من خلال رواية «زوربا» والسيرة الذاتية لكازنتزاكس «تقرير إلى غريكو»، أن تأثير زوربا على نيكوس كان كبيرًا جدًا، هو الذي لم يكف عن السخرية منه ومن كتبه، فقد حدث أنّ زوربا طلب منه القدوم في رحلة لألف ميل ليرى حجرا أخضر وجده في الصرب، وعندما رفض نيكوس ذلك، كتب إليه زوربا ساخرًا:

«سامحني لاقتراحي يا ريس، فأنت لست أكثر من حامل قلم .. أقسم بالله أنني أحيانًا، حين لا يكون لديّ ما أفعله، أجلس وأسأل نفسي: أهناك جهنم أم لا؟ لكنني البارحة، حين استلمت رسالتك، قلت لنفسي لابد عن وجود جهنم لاستقبال حمَلة الأقلام».

يتحدث كازنتزاكيس عن زوربا كما لو أنه يتحدث عن أعظم شخصية في التاريخ، فقد قضى معه ستة أشهر في جزيرة كريت، مكنته من التعرف عليه والتعلم منه، حيث منحه، كما قال، عقلًا أسديًا صلبًا لم ينله من المعلمين والكتب عبر سنوات طويلة. أعجب كثيرًا به، وقد غمره بالكثير من القصص والوقائع عن القديسة صوفيا، والذئاب، والفحم، والنساء، والرب، والوطن، والموت، وكان حين يختنق زوربا وتضيق الكلمات عليه يقفز على قدميه ويبدأ في الرقص. وهي الرقصة التي اشتهرت فيما بعد في العالم، حيث يؤديها مجموعة من الراقصين واضعين أياديهم على أكتاف بعضهم.

وأفرد نيكوس لصديقه فصلًا كاملًا معنونًا بـ«زوربا»، في سيرته الذاتية تقرير إلى غريكو، التي نشرتها زوجته بعد وفاته، حيث اعتبره إلى جانب هوميروس، وبوذا، ونيتشه، وبيرغسون، أهم من تأثر بهم. ففي الوقت الذي كان فيه بيرغسون، بالنسبة لكازنتزاكس، العين الأخاذة التي ساعدته على تجاوز الإشكالات الفلسفية المحيرة، وكان نيتشه معلمًا لكيفية تحويل الفشل، والمرارة، والشك، إلى كبرياء، كان زوربا معلمًا في الحياة؛ لأنه علّمه كيف يحبها ولا يخشى الموت.

يقول الكاتب اليوناني في سيرته الذاتية: «لو أن سؤال العمر كان مطروحًا أمامي حول اختيار دليل روحي، أو غورو كما يسميه الهندوس، أو أب، كما يسميه كهنة جبل آثوس، فلا شك أنني كنت سأختار زوربا» والسبب في ذلك هو أن زوربا يمتلك النظرة الأولية التي تصل إلى هدفها كالسهم، والقدرة على التجديد كل صباح ليرى الأشياء التي تحدث باستمرار كأنه يراها للمرة الأولى، والأهم من ذلك، تلك الضحكة التي تنفجر وتحطم الحواجز التي نصبها الإنسان الجبان التعيس حول نفسه لكي تحيطه بالأمان الكامل عبر حياته البائسة: الأخلاق، والدين، والوطن!

حين فرقتهما الحياة، وأصبح كل واحد يعيش في بلد، لم تنقطع الرسائل بينهما، وظل كل واحد منهما وفيا للآخر حتى توصل نيكوس بالرسالة الأخيرة من أستاذ القرية «… لدي صديق في اليونان. حين أموت، أكتب له وأخبره بموتي.. وأنني كنت أفكر فيه» حينها دمعت عيناه. «راح زوربا، راح إلى الأبد، وأصبح الفم الذي لا يهدأ من الأسئلة مليئًا بالتراب».. «أرواح كهذه يجب ألا تموت.. كيف يمكن لنبع كهذا أن ينضب»، وفي الليل اجتر كل ذكرياتهما معًا، وقال: «لم يمت منه شيء في أعماقي، وبدا كما لو أن كل شيء لمسه زوربا قد أصبح خالدًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد