بقدر شعوري بالألم فور معرفة أن الموساد «الإسرائيلي» استطاع اغتيال الشهيد التونسي «محمد علي الزواري» يوم الخميس 15 من ديسمبر/ كانون الأول الحالي، بقدر شعوري بأن الراحل العالم المُجتهد المُخلص لأمته أضاء شمعة رائقة لرفعتها، سيحرص رجال آخرون من بعده على حماية ضوئها بكل ما أوتوا من قوة.

أما الألم فللحدث، ولأن الأمة لا تعرف علماءها الحقيقيين، الرجال الذين يستخدمون علمهم واجتهادهم في سبيل نصرتها، مقدار معرفتها الواهمين من مدعي العلم والثقافة والفن، وإن أجاد أحدهم في درب ألقى نفسه ومجهوده إما في أحضان العدو الصهيوني أو أنصاره على امتداد خارطة الأمة، اللهم إلا مَنْ رحم ربي، وهم قليل.

عاش الرجل مُنكرًا حتى إن الشيخ «راشد الغنوشي»، زعيم حركة النهضة، يقول لموقع «عربي 21» الثلاثاء الماضي إنه لا يعرف الشهيد «الزواري»، وإن أردف الرجل، مع احترامه احترامًا لا يمنع الخلاف في الرأي، أنه لا يقلل من نبل هدفه، وكونه شهيدًا لتونس والأمة، وسأتعرض لشق آخر من كلام الشيخ «الغنوشي» بعد قليل.

عاش الراحل الشهيد «الزواري» بين أهل الأرض مجهولاً إذن، ولعله لم يكن كذلك في السماء، والموقع السابق يقول، الجمعة الماضية، إن زوجته السيدة السورية «ماجدة خالد صلاح» كانت تأمل الحصول على الإقامة التونسية فلم تحصل على «دفترها» إلا بعد وفاته.

وهكذا يرصد العدو الصهيوني علماءنا ليستطيع أن ينال منهم، ولنا في سابقة اغتيال الراحل العالم في مجال الجغرافيا، والتأريخ لثروات الأمة، وفهم واقع العدو، واستشراف الغد، ذكرى أخرى لا تُنسى، حيث استطاع العدو النيل من قبل من الدكتور «جمال حمدان» في 17 من أبريل/ نيسان 1993م، بعد أن كان يستعد للتأليف والتوسع في كتب تقض مضجع «الإسرائيليين» أكثر مما كتب وألف، لولا أن استطاعوا الوصول إليه في عزلته واغتياله حرقـًا، وهو ما أقرَ به الكاتب «يوسف القعيد» في مقال نُشر في جريدة «الدستور» القاهرية في 23 من يونيو/ حزيران 2010م، شاهدًا بأنه ذهب إلى شقة الراحل، فور علمه بالحادث، فلم يجد مسودات كتب كانت مهيأة للنشر كان رآها مع «حمدان» قبل مصرعه، رحمه الله.

يرصد العدو الصهيوني علماءنا ليستطيع النفاذ إليهم، دون أن تدري عنهم حكوماتنا شيئًا، ولكني وجدتُ في نفسي معنى آخر مؤلمًا من كلمات الشيخ «الغنوشي»، والرجل لا يمثل سلطة حاكمة، ولكن ما هو أهم في حياتنا وعالمنا اليوم، عالم الشرفاء المخلصين، فهو يقول إن الراحل الشهيد «الزواري» لو أنه شاوره لنصحه بعدم العمل مع كتائب «القسام»، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، ولنصحه بالعمل في إطار داخل تونس، وهلم جرا من الكلمات الخاصة بعدم عمل حركة النهضة التي يرأسها الشيخ «الغنوشي» في مجال المقاومة المسلحة، وأن الأخيرة لها حركات فلسطينية خاصة بها.

وللحقيقة أتفهم، دلالة كلمات الشيخ «الغنوشي» في خضم واقع اليوم، وما يحدث للحركات الإسلامية، وما تتهم به بخاصة في مصر، ولكن ما لا أفهمه لماذا لم يسع الرجل الصمت عن الأمر برمته، وهو لم يكن محورًا فيه من البداية، فلا معرفة له بالشهيد «الزواري»، ولا تبعة تخص حركة «النهضة» في الأمر، وهل النجاة من تحديات اليوم تطول نفي ما لم يُدع أحدنا إليه من الأساس، وما لا يعتبر نفسه على علاقة به، حتى بمُشرف الأفعال؟

إن أجمل ما في أمر الشهيد «الزواري» أنه لم يلتق أحدًا ينصحه بعدم العمل مع كتائب «القسام»، كما أقر موقع «المجد الأمني» المقرب منها، السبت الماضي؛ ذلك لأن العمل معها يعني تحديدًا أن لدينا مجهودات تكنولوجية معتبرة تبث الرعب في قلب العدو الصهيوني، فتجعله يحرك عملاءه من دول أخرى، ويؤسس لشركات وهمية ليأتي بمجرميه عبرهم إلى بلادنا، ويبدو آثمًا أمام العالم كله، ومن قبل يُحيي تواصل «الزواري» مع «القسام» الأمل في استشراف طاقات الأمة وبخاصة شبابها من أجل مكافحة العدو، الذي يهاجمها في أعز ما تملك، ذلك الشباب، بنصرة الحكام الظلمة الذين يُفنونهم، بعد حصرهم في نطاق قُطري ضيق، وتحجيم قدرات الأمة بمبادرة قادة العمل المخلص الشريف بالدفاع عن أنفسهم بأنهم ضد مقاومة العدو، دون دعوة ولا اتهام أحيانًا!

وفي ظل حالة من توقف مسيرة العمل نحو إعادة حضارتنا العربية الإسلامية لتخليص العالم كله من الظلم السائد عبره، بل تغزو الأمة في قلبها «إسرائيل» تجسيدًا لتعطيل قدراتها، ومحاولة إغراقها في الفساد، ويكفي أن ننظر إلى واقع دولتين من الدول المسماة بالطوق المحيطة بها مصر وسوريا لنعرف كيف يُعطلنا، ويُكلفنا عدونا غاليًا.

لكن ما كان الله ليترك هذه الامة في هذا الليل البهيم فانبرت «حماس» نورًا على الدرب لتحمي ذروة قطرة الكرامة في جبين الأمة كلها، وتقف لقمة في حلق العدو مفسدة عليه زهوه بالانتصار المُدعى، ولو إلى حين، مُثبتة أن الأمة بكل خير وعافية، لو لم يُحل بينها وبين عدوها، ويكفي أن نعرف أن «إسرائيل» كانت تستطيع بعد اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية عام 2000م، وانتشار العمليات الفدائية، كان العدو يسير طيرانه الحربي من مروحي، وبدون طيار لاستشرف منازل قادة لـ«حماس» يرغب في اغتيالهم، فاستطاعت «حماس» من خلال تقنيات متقدمة اختراق منظومة تصوير الطيران «الإسرائيلي» ومعرفة هدفه القادم، الذي يدور طيرانه حول بيته بنية اغتياله، وبالتالي نجاة عشرات القادة التي كان العدو يريد القضاء عليها، وبعدها جاء دور «الزواري» في 2006م، للمشاركة في صناعة طائرة فلسطينية بدون طيار وتطويرها، للتصدي لاختراق طيران العدو للقطاع، والرد على التكنولوجيا الخاصة به بالمثل، وتحدي الواقع المؤلم في غزة لتصبح المقاومة قادرة على تملك مثل ما استطاعت اختراقه من قبل، بحسب جريدة «القدس العربي»، السبت الماضي، ولتضيف كتائب القسام: وما خفي كان أعظم.

جهد «الزواري» ساهم في التصدي للطيران «الإسرائيلي» في  2014م، وفي تملك «حماس» لطائرات «الأبابيل»، وإن اغتاله العدو فقد بقي فريق تقني كان له «القائد» كما أسماه موقع «المجد الأمني» المقرب من كتائب «القسام»، بقي الفريق على قيد الحياة، ليخرج منه قائد آخر، وبقيت شمعة فتيّة تجمع قدرات الأمة كلها لمقاومة العدو الصهيوني الذي لا يستهدف فلسطين وحدها بل الأمة كلها، فليس مناطـًا بـ«حماس» أو غيرها من حركات المقاومة المخلصة النادرة في فلسطين مقاومة العدو بمفردها، ومن ثم تطوير منظوماتها لحماية علمائها المتواصلين معها، بل إن الحقائق تقول إن «حماس» التي وظفت واحتوت جهود «الزواري» توظف آخرين في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج كروح شفافة تحمل غدًا مزهرًا في مواجهة عدو يريد إفناء الأمة كلها، فلا أقل من إنكار الحدود التي زرعها في قلبها، والصمت إن لم يسعنا مدح جهود شهدائنا في التواصل مع «حماس» وكتائب «القسام»!

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد