يحتل فيلم زوتوبيا تقييمًا مرتفعًا نسبيًّا مقارنة بغيره من الأفلام التي أطلت على المشاهد بسينمات 2016، وبحسب موقع IMDB يأخد الفيلم تقييم 8.3، خلال الفترة البسيطة التي تواجد بها بالسينمات على مستوى العالم منذ صدوره في فبراير الماضي.

حلم أفلاطون بمدينة فاضلة تحمل اسم «يوتوبيا» كانت خير مثال على النقاء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وتقوم على أسس عادلة، لا تقف يوتوبيا على الإنسان بل تطرقت الفكرة إلى عالم الحيوان، إذ يقدم مؤلفو فيلم «Zootopia» في رمزية عالية عالمًا للحيوان مماثلًا لعالم الإنسان بماديته الطاغية في القرون الأخيرة.

اسم على مسمى

زوتوبيا هو محاولة للوصول إلى الكمال والمدينة الفاضلة لعالم الحيوان، تبدأ بحلم لأرنبة «جودي هوبس» التي تحلم بتغيير العالم للأفضل والمساهمة بجهودها البسطية للارتقاء به، من خلال عملها أولَ شرطية من فصيلة الأرانب بجهاز الشرطة، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، إذ تنقلب جهود جودي وتتدهور الأمور بحسن نيتها إلى ما هو أسوأ.

مع أن أفلام الأنيميشن والرسوم المتحركة لها جمهورها ومحبوها لما لها من خيال وعالم مغاير عن الواقع، إلا أن فيلم زوتوبيا لم تكن نقطة قوته الوحيدة هي الصورة المتحركة الكارتونية، بل اعتمد الفيلم على سيناريو وحوار محبوك بدقة عالية مما جعل أحداثه المتعاقبة منطقية وجاذبة للمشاهد.

حبكة محكمة

إذ يأتي خط الأحداث الدرامية متشابكًا ومتسلسلًا ويخدم فكرة الفيلم، فطوال قرابة الساعتين يندمج المشاهد مع حكاية خيالية واقعية في الآن ذاته، فزوتوبيا هي مدينة الأحلام التي يأتي لها الجميع ليحققوا ما يبغون، الأهم هو بذل الجهد مما يجعلها شغف الجميع، ووسط محاولات الجميع لتحسين أوضاعهم يصطدمون بواقع الاختلاف فيما بينهم، ليبعث الفيلم بنهايته رسالة فحواها أن الاختلاف لا يعني بالضرورة الخلاف فيما بيننا، ويفسر هذا بتعاون كل من جودي الأرنبة ونيك الثعلب للوصول إلى حقيقة تحول أهل المدينة إلى وحوش.

بساطة

يفسر الفيلم ببساطة بالغة معادلة (الاختلاف يؤدي إلى الاضطهاد ومنه إلى الإرهاب)، وهو ما يعاني منه العالم في العقود الأخيرة، دون أن يغرق الفيلم في خطاب مرسل حول الإرهاب والاستغلال السياسي للظواهر التي تضر بالبشرية جمعاء، فيختزل خطبته العصماء بمواقف تكسر مسلمات المظهر وتركز على مضمون الفرد وما يحمله من خير داخله حتى لو اختلف مظهره عن هذا، فيتلاءم الفيلم مع الكبار والصغار وتصل رسالته لكليهما سيما مع اعتماده على لغة بسيطة وعميقة في الآن ذاته.

تأتي مدة الفيلم لتقارب الساعتين وهي مدة ليست بالقليلة، مع هذا نجح الفيلم في الحفاظ على إيقاعه، مع تواؤم الخط الدرامي مع زمن الفيلم، خاصة أن حبكة الفيلم المتصاعدة تحتاج إلى إيقاع سريع، مع استمرار حالة التخمين لدى المشاهد حول تساؤل «من الجاني في قضية تحويل أهل مدينة زوتوبيا إلى وحوش؟!»، ولصالح من يتم هذا الأمر؟!، لتنتقل أصابع الاتهام من فرد إلى آخر، مع استمرار دائرة سوء الفهم لتصرفات مسؤولي المدينة.

اعتمد التحريك في الفيلم على الخفة والنعومة، لا سيما أن صانعي الشخصيات استطاعوا خلق تيمة لكل شخصية تظهر بالفيلم سواء كانت تيمة صوتية أو حركية، وهو ما يجعل من كل شخصية كيانًا مستقلًا بذاته، وليس شخصية تكميلية للمشهد، مما ارتقى بالفيلم.

أصوات مرحة

من أبرز عناصر نجاح الفيلم أغنية «Try Everything» للكولومبية شاكيرا التي تحضر بشخصية المغنية «جازيل» التي تجسد جزءًا من عالم الاختلاف في عالم زوتوبيا الكبير،Try Evevrything رسالة للمحاولة وعدم الاستسلام استهلت بها جودي حياتها في مدينة زوتوبيا العملاقة واختتمت بها رحلتها لتبعث رسالة بأن المحاولة لا تنتهي والحياة مستمرة.

الأصوات حملت المرح والحياة للفيلم إذ لعبت دور جودي «Ginnifer Goodwin» بصوتها المرح الملائم مع ملامح الأرنبة جودي صغيرة الحجم، كما برع «Jason Bateman» في دور نيك الثعلب راصدًا تحول صوته في المواقف المختلفة والمتباينة بين الحب والغضب، كما استطاع جميع الممثلين من خلال حنجرتهم الصوتية أن يقدموا صوتًا ملائمًا لملامح شخوصهم ببراعة.

يؤكد فيلم زوتوبيا أن عالم أفلام الأنيميشن ما زال يحمل الكثير من المفاجآت والجماليات التي لا تنتهي، وقدرة تلك النوعية من الأفلام على مس المشاهدين الكبار قبل الصغار بأفكار أقل ما يقال عنها أنها أكثر قربًا للواقع.

رسالة الاختلاف

تتبنى والت ديزني فكرة التسامح وتقبل الآخر رغم اختلافه من خلال أفلامها الماضية مثل «Big Hero 6» و«The Good Dinosaur» وكذلك «Cardboard Ralph» وأخيرًا
«Inside Out» فتلك الأفلام حملت ملامح للآخر المختلف، ومع أحداث الأفلام يتماهى كل من الآخرين سويًّا مكونين قوة تساعد كل منهم على تجاوز الأزمات، لتعطي رسالة واضحة بحتمية تقبل الآخر والتعاون معه لتجاوز الصعاب والحياة بوئام، كذلك فيلم زوتوبيا من إنتاج إستوديوهات والت ديزني استطاع بلورة تلك الفكرة وتقديمها بصورة بسيطة وعميقة، تجمع بين السلاسة والفكر العميق.

فيلم زوتوبيا سلس ومرح ومشوق ويحمل طاقة إبداعية تستطيع تغيير رؤية مشاهده، إذ لا ينبغي أن تغير العالم المحيط بقدر البدء بتغيير الفرد والبداية من الأنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

زوتوبيا
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!

مقالات ذات صلة

هالووين 2018
فن وترفيه
منذ 1 أسبوع
عن فيلم «A Star Is Born»
فن وترفيه
منذ 3 أسابيع
اليد الطويلة للموساد
فن وترفيه
منذ 3 أسابيع