لم يعد خافيًا توقف قطار «الربيع العربي» عند محطة سوريا، حيث لم يتقدم الركب هناك ولم يقف، فيما عملت العواصم الغربية في سوريا على وضع موضع قدم لها كلٌ حسب وجهة نظره، وكانت من أبرز الدول التي كانت لها وما زالت بصمات: واشنطن وموسكو وأنقرة، وكلٌ من هذه العواصم الثلاثة لها وجهات نظر مختلفة ومتضاربة.

في هذا التقرير نشرح لك وجهة نظر الولايات المتحدة من إنهاء أزمة سوريا عبر ما سمته “برنامج تدريب المعارضة المعتدلة” والموقف الحالي للبرنامج.

بدايات المشروع

في مايو- آيار من العام الماضي أعلنت الولايات المتحدة بدء تدريب معارضين معتدلين على مقاتلة تنظيم داعش، الذي يسيطر على مناطق شاسعة في العراق وسوريا.

وأوضحت وزارة الدفاع الأمريكية في ذلك الوقت أنها تخطط لتدريب نحو 5000 مقاتل سوري سنويًا لمدة ثلاث سنوات بموجب برنامج بدأ في مايو 2014 باستخدام مواقع في الأردن وتركيا والسعودية وقطر.

وقال رئيس أركان الجيش الجنرال ري أوديرنو إن بلاده تعمل على تعزيز قدرات هذه القوات للتصدي لتنظيم الدولة الإسلامية، وفتح أكثر من جبهة للقتال ضده.

وأضاف “كاستراتيجية عسكرية، فأنت تريد لعدوك دائمًا أن يقاتل على عدة جبهات بغرض إضعافه وتشتيته” مضيفًا أن قوات المعارضة تعمل على التصدي للتنظيم من الجهة الغربية جنبًا إلى جنب مع القوات الكردية في الشمال.

ما الذي تريده واشنطن؟  

تعقد الميدان في سوريا كثيرًا وتشعبت المطالب هناك، ولم تعد “الحرية” هي المطلب الشعبي كما كان قبل نحو خمسة أعوام؛ وظهرت الكثير من الفصائل والجماعات بل والدول التي تقاتل على أرض دمشق.

أبرز هذه العناصر التي سيطرت على مساحات هائلة من البلدين المتجاورين “سوريا والعراق” والمعروفة بــ “تنظيم الدولة الإسلامية” فيما يطلق عليها البعض اختصارًا “داعش”، وتخطط الولايات المتحدة لمحاربة داعش بواسطة هؤلاء المقاتلين الذين تقوم بتدريبهم ليواجهوا التنظيم في البداية ومن ثم البدء في مواجهة الأسد.

ووجهة النظر الأمريكية تلك لم تلقَ صدىً كبيرًا في أوساط المقاتلين، إذ أن المتحدث باسم الخارجية الأمريكية مارك تونر صرح أن الدفعة الأولى من المقاتلين السوريين لم تكن بالمستوى المطلوب ولم تكن مؤهلة للدفاع عن نفسها في مواجهة مسلحي “جبهة النصرة”.

لكن تونر شدد على ضرورة الاستمرار في تدريب وتسليح هذه القوات وبناء قدراتها، مؤكدًا أن بلاده تعمل على تنفيذ هذا البرنامج.

وكان 54 مقاتلًا سوريًا أنهوا تدريباتهم ضمن برنامج التدريب والتسليح وقد عادوا إلى سوريا ليبدأوا قتال تنظيم الدولة، إلا أن جبهة النصرة تمكنت من اختطاف عدد منهم في الشهر الماضي.

الفشل كان مصير الدفعة الأولى

قالت القيادة الأمريكية الوسطى إن ما بين 4 إلى 5 فقط من المعارضين السوريين الذين تلقوا تدريبات أمريكية يشاركون الآن في قتال تنظيم داعش في سوريا.

مُني برنامج التدريب والتسليح للمعارضة المعتدلة في سوريا بفشل كبير، بعد تخريج الدفعة الأولى من المقاتلين بحسب ما أعلن قائد عمليات القيادة المركزية الأمريكية لويد أوستن.

وأضاف أوستن في معرض شهادته، أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ عن استراتيجية الإدارة الأمريكية في محاربة تنظيم الدولة داخل سوريا “إن أربعة أو خمسة مقاتلين سوريين فقط لا زالوا يقاتلون في سوريا، من أصل 54 كان قد دربهم الجيش الأمريكي ضمن برنامج التدريب والتسليح”.

وبعد أكثر من عام، لم يتعدّ عدد المتطوعين السوريين 54 مقاتلًا، انضموا في ساحة المعركة إلى مقاتلين سبق أن درّبتهم وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إي)، لكن كل المعارضين السوريين ممن درّبتهم أمريكا وأرسلتهم إلى ساحات القتال، إما فرّوا وقت اشتدت المعارك، أو نجحت المجموعات الإسلامية المتطرفة في قتلهم أو اعتقالهم.

وشهد برنامج التدريب والتسليح بداية متعثرة، عندما لم تستطع واشنطن تجنيد أكثر من 54 متطوعًا لتدربهم من مجموع 5400 كان يفترض بها تدريبهم، وذلك بسبب إصرار الأمريكيين على جعل قتال تنظيم الدولة أولوية على قتال رئيس النظام السوري بشار الأسد، وهو ما ترفضه العديد من فصائل المقاومة السورية، إضافة إلى ضرورة مرور المتقدمين عبر عملية تدقيق مشدد، قبل أن يتمكنوا من الانخراط في البرنامج.

وعقب عمليات الاختطاف التي قامت بها النصرة “للمقاتلين المعتدلين الذين تدربوا على يد واشنطن” اعتبر المتحدث باسم إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن برنامج وزارة الدفاع “البنتاغون” لتدريب مقاتلي ما تصفها واشنطن بـ “المعارضة المعتدلة” في سوريا “فشل فشلًا ذريعًا”.

وأفادت قناة CBS الأمريكية التي نقلت كلام المسؤول، بأنه “تم القضاء واعتقال واختفاء نصف فرقة المقاتلين حتى قبل أن يحتكوا بالدولة الإسلامية”، قائلة إن هذه الخسائر لحقت بهم نتيجة المعارك مع متطرفي “جبهة النصرة”.

ونوهت القناة إلى أن البنتاغون قد أنفق على تدريب نحو 60 مقاتلًا من “المعارضة المعتدلة” خلال شهرين 42 مليون دولار، فيما تدقق الآن الاستخبارات الأمريكية في صلاحية نحو 7 آلاف متطوع ومدى توافقهم مع المعايير الأمريكية لقبولهم ضمن البرنامج “المعتدل” أم لا.

الجدير بالقول أن الولايات المتحدة كانت قد أعلنت في وقت سابق عن عزمها تجهيز حوالي 5 آلاف متطوع سنويًا في معسكرات في تركيا وقطر والأردن والسعودية.

«إنها بالتأكيد مزحة»

بهذه العبارة ردّت السيناتورة الجمهورية كيلي إيوت على تصريحات قائد عمليات القيادة المركزية الأمريكية لويد أوستن؛ والذي قال فيها إن ستة إلى سبعة يقاتلون ضد داعش!

في حين قال السيناتور الجمهوري جيف سيشنس “إنه فشل كامل“، وقال ماكين “إن المشكلة ليست بأننا لا نفعل شيئًا ضد تنظيم الدولة الإسلامية، بل بأنه لا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن ما نقوم به حاليًا سيكون كافيًا“.

بدورها قالت كريستين ورمث وكيلة وزير الدفاع الأمريكي للشؤون السياسية، إنه يجري حاليًا تدريب ما بين 100 و120 مقاتلًا فقط ضمن البرنامج الأمريكي، وذلك في دفعة ثانية بعد أن منيت الدفعة الأولى بفشلٍ كبير.

الخلاصة

يبدو أن واشنطن لم ترَ جدوى من هذا البرنامج فقررت تخفيض نفقاته، إذ أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن البرنامج الأمريكي لتدريب المعارضة المعتدلة والذي بلغت نفقاته 500 مليون دولار سيستبدل بـ “جهود أكثر تواضعًا” تركز على تدريب عدد غير كبير من المسلحين، مشيرًا إلى أن هؤلاء المسلحين سيحق لهم طلب دعم جوي من قبل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

من جهة أخرى ذكرت وكالة “أسوشيتد بريس” أن واشنطن تدرس كذلك إمكانية إشراك قوات تلقت تدريبًا أمريكيًا في غيرها من الفصائل التي تحارب تنظيم “داعش”، خاصة قوات البيشمركة الكردية.

كما أشارت الوكالة إلى أن البنتاغون ينوي تخفيض عدد المسلحين المتدربين من 5 آلاف إلى 500 مسلح سنويًا فقط.

وهنا يتساءل المراقبون مجددًا، ماذا يعني مائة مقاتل آخرين في بلد تمزقه الحرب؟ ماذا سيفعل هؤلاء في ظل وجود عشرات الآلاف من المقاتلين في صفوف المعارضة الإسلامية المتشددة وقوات النظام والميليشيات الحليفة معه؟

ويرى هؤلاء أن ثمة مشاكل إضافية رافقت برنامج تدريب مقاتلي المعارضة المعتدلة، إذ اصطدم هذا البرنامج، منذ إطلاقه، بعدة عقبات، منها مشكلة اختيار الأشخاص المناسبين للمشاركة فيه، فقد وضع البنتاغون مواصفات مشددة للغاية لاختيار الأشخاص المهيئين للمشاركة في التدريبات ما أدى إلى استبعاد الآلاف ممن قدموا أسماءهم.

والعقبة الكبرى الأخرى، في رأي بعض المراقبين الملمين بالشأن السوري، هي أن إدارة الرئيس أوباما أكدت مرارًا أن المتدربين سيقاتلون حصرًا تنظيم “الدولة الإسلامية”، ولن يقاتلوا نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

ومن هنا أخذت فصائل المعارضة الأخرى تنظر بشيء من الريبة لهؤلاء المقاتلين، كما أن العديد من المقاتلين أحجم عن المشاركة في البرنامج.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد