وفقا للتقرير الذي نشره معهد دراسات الحرب ونشرت الترجمة الكاملة له في موقع إدراك للدراسات والاستشارات فإن إعلان وقف الأعمال العدائية في حلب الذي تم التوصل له ميونيخ في 11 فبراير/شباط الماضي يجري انتهاكه من قبل روسيا ونظام الأسد؛ بذريعة وجود تنظيم القاعدة التابع لجبهة النصرة في المدينة. في حين يحاول هذا التقرير إلقاء الضوء على تركيبة المعارضة المسلحة في حلب والأوضاع الميدانية في المدينة، ويقدم في النهاية مجموعة توصيات للإدارة الأمريكية للتعامل مع الوضع الإنساني والاستراتيجي في المدينة، وفي هذا المقال نعرض موجزا للمعلومات التي أوردها التقرير.

(1) 5 معضلات تواجه المعارضة في حلب

وفقا للتقرير، فقد نجحت قوات النظام في قطع إحدى طريقي إمداد المعارضة في حلب، في حين تفصلها 5 كيلومترات فقط قبل قطع الطريق الثانية. في الوقت الذي يستخدم فيه التجويع كاستراتيجية من أجل دفع المعارضين نحو الانهيار كما حدث من قبل أثناء حصار حمص منتصف عام 2014. أدت مخاوف الحصار إلى نزوح عشرات الآلاف من اللاجئين (توقعت الأمم المتحدة وصول أعدادهم إلى 150 ألف نازح في وقت قريب).

معهد دراسات الحرب


ويرى التقرير أن حلب تستوطنها العديد من الفصائل التي لا تزال مستقلة عن جبهة النصرة، وهم شريك محتمل في الحرب ضد من يوصفون بالفصائل المتطرفة يجري تدميره بفعل السياسة الروسية. ويرى التقرير أنه إن كانت العمليات سوف تؤدي إلى تدمير جزء من مقدرات جبهة النصرة فإنها على المدى الأبعد سوف تعزز نفوذ الجبهة عبر إمدادها بنخبة جديدة من المقاتلين وتعزيز شرعيتها بين الفصائل إذا نجحت في قيادة عمليات الدفاع عن المدينة.

ويشير التقرير إلى كون القوات الأمريكية تواجه مأزقا في التعامل مع حصار حلب الذي صار قضية أمر واقع، وأنها لا تزال تتقاعس عن إدراج دعم المعارضة في المدينة على أجندتها؛ خوفا من الاصطدام مع روسيا. وينوه إلى أن جهود المعارضة في المدينة كانت موزعة بين قتال النظام في الضواحي والقتال ضد الدولة الإسلامية في الشمال، وأن هذه المعارضة صارت معرضة الآن لهجمات جديدة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، وعلى الأخص في عزاز. وهو الوضع الذي يصير أكثر تعقيدا في ظل الهجمات التي تتعرض لها المعارضة من قبل الوحدات الكردية في الغرب.

ويشير التقرير إلى عدة أشكال مختلفة من الضغوط تتعرض لها المعارضة في حلب:

  1. نقص القدرات البشرية اللازمة للتصدي لهجمات متزامنة في آن واحد، ما يجعلها تقاتل في بعض الجبهات بكتل قتالية غير كافية.
  2. استهداف خطوط الإمداد من قبل القصف الروسي مع تركيز الدولة الإسلامية على الهجمات في الشمال؛ من أجل الاستيلاء على خطوط الإمداد التي تستهدفها الضربات الروسية.
  3. مصادرة القوات الكردية للأراضي العربية، كما حدث في عفرين سابقا، مع محاولة التوسع شرقا. وهي قوات مدعومة من قبل الولايات المتحدة.
  4. استهداف البنى التحتية في المدينة، ما يزيد من تكلفة إغاثة المدنيين.
  5. قيام جبهة النصرة بإضعاف الجماعات المعتدلة، مثل جماعة نور الدين زنكي، ودفعها بعيدا عن القوى الغربية، والاستئثار بتقديم الخدمات والسيطرة على محطة الكهرباء والمياه الرئيسة.

(2) كيف يمكن تصنيف قوى وفصائل المعارضة السورية في حلب؟

معهد دراسات الحرب – ترجمة إدراك للاستشارات


يشير التقرير إلى أن هناك أكثر من 50 فصيلا مختلفا من المسلحين في حلب، مع تنوعات أيدولوجية كبيرة فيما بينهم، ويقدم التقرير تصنيفا رئيسا لهذه الفصائل في 3 مستويات، أول هذه المستويات هم صناع القرار، وهم 5 فصائل تتحكم في مسار نجاح أو فشل العمليات العسكرية، وتساهم في الحكم، وتحدد الموقف من إطار التفاوض. تحظى ثلاثة من هذه الفصائل الخمسة، وهي الفوج الأول والجبهة الشامية وجيش المجاهدين، بالدعم الأمريكي، في حين إن حركة أحرار الشام تعد قريبة بشكل كبير من جبهة النصرة.

تشمل الفئة الثانية، وهم من يطلق عليهم الوسطاء أو الحكام المحتملون، وهي حركات تملك تأثيرا ميدانيا كبيرا، لكنها لا تملك نفوذا في الحكم أو إملاء الآراء؛ نظرا لكونها لا تحظى بالدعم المباشر من قبل وكلاء إقليميين أو دوليين في الوقت الراهن. ويشملون جهات ثلاث، على رأسها: جبهة النصرة التي تصنف كمجموعة إرهابية، وتتذرع روسيا بتوجيه القصف ضدها، وحركة نور الدين زنكي، الذي حظيت بدعم أمريكي في وقت سابق، إضافة إلى جبهة السلطة مراد الليبرالية. ويشير التقرير إلى كون مصير هذه الفصائل سوف ينحصر بين الاندماج مع الفصائل الأكبر، أو الهزيمة في مواجهة النظام، أو تنظيم الدولة الإسلامية في حال لم تحظ بدعم مستقل.

أما الفئة الثالثة فتشمل مجموعات ذات توجهات ليبرالية على الأغلب، وهي تحظى بالدعم الأمريكي، ولكنها لا تمتلك ما يكفي من المقاتلين، أو تسيطر على مساحات كبيرة من الأراضي تسمح لها باستغلال النفوذ أو توظيفه. وتحتاج هذه الفصائل إلى التوحد والاندماج ضمن كيانات أكبر؛ من أجل أن تتمتع بقدر من التأثير والنفوذ في معادلات القوة الراهنة.

(3) كيف يبدو الهيكل التنظيمي؟ وكيف يتم تنسيق العمليات بين هذه الفصائل؟

وفقا لتقرير معهد دراسات الحرب، إن معركة الدفاع عن حلب في مواجهة قوات النظام سوف تكون محورية فيما يتعلق بمدى قدرة هذه الفصائل على البقاء والصمود، وبخاصة مع تعرض معظمها لإجهاد تنظيمي بفعل السنوات الخمس الماضية. ويشير التقرير إلى أن قدرة هذه الفصائل على التنسيق العسكري فيما بينها هي ما تكفل لها البقاء تحت ضغط النظام، حيث تقوم القوى الحاكمة بتنسيق عمل المجموعات الصغيرة من خلال ما يعرف بـ”غرفة العمليات العسكرية المشتركة”.

ويشير التقرير إلى أن غرفة العمليات هي من تشير إلى توزيع القوى النسبية للمعارضة في حلب، مؤكدا أن قوة جبهة النصرة ونفوذها في المدينة يعتمد بشكل كبير على مدى قوة الفصائل التي تتعامل معها من حيث الهيكل والتركيب. وحتى اللحظة الراهنة، فإن جبهة النصرة لم تتول زمام قيادة المعركة في الوقت الذي بادر فيه 15 فصيلا إلى تشكيل جيش حلب للدفاع عن أحياء المعارضة في المدينة، وهو تشكيل سوف يزيد من نفوذ فئة صناع القرار الخمسة، حيث يتشكل من مجموعات قتالية خارجة عن تأثير جبهة النصرة.

أعلنت فصائل حلب عن التعبئة الشاملة؛ استعدادا لحصار طويل وقامت بدفع قواتها إلى الخطوط الأمامية. وفي حين لا تمتلك جبهة النصرة تمثيلا حاليا في جيش حلب، فإن الدراسة ترجح أن تسهل أحرار الشام مشاركة الجبهة في المعارك، في ظل ميل جميع الفصائل إلى التعاون في مواجهة المأزق القائم.

(4) ما الذي ينصح به التقرير الإدارة الأمريكية؟

 

يرى التقرير أنه من مصلحة الولايات المتحدة أن تشرع مباشرة في تقديم الدعم لجيش حلب بما يسمح له بالقتال والصمود، دون أن تتم السيطرة عليه من قبل جبهة النصرة. ويمكن تلخيص باقي توصيات التقرير فيما يلي:

1- تمثل الجماعات المستقلة في حلب نواة واعدة لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، في حين يهدد تقدم النظام بتقويض هذه النواة. في الوقت الذي ستسعى فيه جبهة النصرة لاستغلال معركة حلب للهيمنة على هذه الجماعات. هزيمة هذه الجماعات أو خضوعها لجبهة النصرة يهدد، وفقا للتقرير، الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في شمال سوريا.

2- لا تمثل خطة 11 فبراير حلا للتحديات في سوريا في ظل مواصلة النظام تقدمه مدعوما بالقصف الروسي، وهو ما يجعل فرص مشاركة المعارضة في المفاوضات منعدمة. وهو ما يتطلب موقفا أمريكيا حازما للتأثير على نتائج الأمور في حلب، دون أن يتطلب ذلك تدخلها بشكل مباشر من خلال:

أولا: السماح بالإنزال الجوي الإنساني للمساعدات في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في حلب؛ لمنع حدوث كارثة إنسانية والاستفادة من التنسيق مع تركيا في هذا الصدد.

ثانيا: زيادة الدعم المالي والعسكري لجميع الفصائل، باستثناء أحرار الشام (لتحالفها مع جبهة النصرة)، بما يشمل على وجه التحديد القذائف المضادة للدروع، إضافة إلى الأسلحة الخفيفة والدعم المالي لتوفير رواتب المقاتلين. وتوفير هذا الدعم بالتنسيق مع تركيا عبر معبر باب الهوى لتجنب الاشتباك مع روسيا.

ثالثا: دعم إنشاء منطقة إنسانية آمنة على طول الحدود التركية لاستيعاب أزمة اللاجئين، وهو الاقتراح الذي تدعمه تركيا بشكل قوي منذ بداية الحرب. ويشير التقرير إلى أن النفوذ الرئيس لجبهة النصرة والفصائل الموالية لها يقع في إدلب، لذا فإن من المصلحة أن تسارع الولايات المتحدة بالتحرك في حلب، قبل أن تكون مواجهة بخيارات أكثر صعوبة، حال سقوط حلب وانتقال المعارك إلى إدلب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد