نشأ الحلم الصهيوني على إيجاد حل خلاصي لليهود أينما كانوا، وذلك انطلاقا من فكرة إنشاء وطن قومي يمكن اليهود من العيش “كيهودي بين اليهود” وليس “كيهودي في الطائفة اليهودية من المجتمع” كما كان الحال لقرون طويلة.

و قد زاد الاضطهاد والتمييز الذي عانى منه اليهود في أوربا نهاية القرن 19 من وهج هذه الفكرة، في وقت مكنت قدراتهم المالية وشبكاتهم والتنافس الإمبريالي المحتدم من مرور الصهيونية من التنظير إلى التخطيط، حتى انتهى بهم الحال بسلب فلسطين وإعلان دولتهم يوم 15 من مايو من سنة 1948.

اليوم وبعد مرور 67 سنة عن تأسيس ما قيل لليهود أنه وطنهم الخلاصي، تبين أن الحياة والهجرة إلى إسرائيل لم تكن سببا في سعادة سوى جزء ممن وعدوا بالحرية والخلاص، وأن طوائف عديدة قد واجهت أشكال متعددة من التمييزالعرقي رغم يهوديتهم غير المشكوك فيها، منهم من تغلب عليها، ومنهم من ينتظر.

اليهود أعراق

ينقسم اليهود في العالم إلى ثلاث مجموعات رئيسية (الأشكناز، السفراديون، المزراحيم)، إضافة إلى أقليات عرقية منتشرة في مناطق بعيدة عن أماكن التواجد اليهودي عبر التاريخ، لا سيما في القرن الإفريقي والهند وسيبيريا.

و يعد الأشكناز، وهم يهود أوربا الشمالية والشرقية، الفئة الأكثر انتشارا وتأثيرا من بين كل يهود العالم، و(ألمانيا، روسيا، بولندا، بلغاريا تشيكوسلوفاكيا، رومانيا، دول البلطيق، هولندا)، وإليهم ينتمي مؤسسو التيار الصهيوني وقادة الكيان الأوائل، كهرتزل، وايزمن، بن أليعازر، بنغوريون، بيجن، داغان، ديان، مائير وغيرهم.

ولهذا فقد حصلت هذه الفئة على كل الامتيازات المترتبة عن تأسيس إسرائيل، وإلى اليوم تبقى هي الفئة المتحكمة في السياسة، الاقتصاد والإعلام في الكيان الإسرائيلي وفي مناطق تأثير الصهيونية عبر العالم.

الصهاينة الأوائل ومؤسسو الكيان الصهيوني كانوا كلهم من الأشكناز

بعد الأشكناز يأتي السفراديون، وهم يهود غرب المتوسط (الدول المغاربية، إسبانيا، فرنسا، إيطاليا، البرتغال …)، ويتميزون عن الأشكناز بكونهم كانوا ذوي نفوذ وتأثير في محطات كثيرة من تاريخ منطقة انتشارهم، خاصة في الأندلس ثم إسبانيا، وكذلك المغرب، وقد امتدت هجرتهم إلى إسرائيل على مرحلتين: الأولى مرادفة لهجرة الأشكناز مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية (بالنسبة ليهود أوربا)، والثانية بالنسبة ليهود المغرب العربي خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي بضغط وتواطؤ من السلطات الاستعمارية آنذاك.

ثم ختاما، اليهود المزارحيون وهم اليهود المنحدرون من منطقة الشرق الأوسط لا سيما من إيران، اليمن، العراق، سوريا، مصر والجزيرة العربية، و تعد هذه الفئة هي الأكثر تعرضا للظلم والاضطهاد لا سيما خلال الستينات والسبعينات، نظرا لارتباط أفرادها بمجتمعاتهم الشرقية الأصلية.

إضافة إلى هذه المجموعات، توجد عرقيات صغيرة منتشرة في إفريقيا، أبرزها يهود الفالاشا في إثيوبيا، كقبائل التي تطلق على نفسها “بني إسرائيل” والمنتشرة في أجزاء صغيرة من الهند وتعتنق اليهودية كذلك.

السفراديون والشرقيون … عرب رغم أنوفهم

رغم أنه ليس من الدقيق من الناحية التاريخية والاجتماعية جمع قضية اليهود السفراديين والشرقيين في تقييم واحد ل لكنهما يشتركان في سبب الاضهاد: الأصول العربية والحروب العربية/الصهيونية.

إذ أنه بخلاف يهود أوربا، لم يعانِ يهود الدول العربية من العنصرية الطافحة ومن محاولات التطهير العرقي، بل حتى أن ترحيلهم كان نتيجة مؤامرات سياسية قادتها دول الاستعمار لدعم المشروع الإسرائيلي، وكثير منهم غادر بلده الأصلي دون قناعة عرقية بل لأسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، لهذا حافظوا على علاقات متميزة مع مجتمعاتهم الأصلية حتى أنهم حملوا عادتهم معهم، فعلى سبيل المثال، من المعروف أن يهود المغرب قد حافظوا على ولائهم لسلطان البلاد في ذلك الوقت وقد ظلوا على ارتباط بأضرحة أوليائهم ويقيمون لهم المواسم السنوية، بل الأكثر من ذلك، حملوا معهم عادات وأعياد المغرب إلى قلب الكيان الصهيوني، وكذلك كان الحال ليهود العراق واليمن وغيرهم من يهود الدول العربية.

نتيجة لهذا المعطى، عانى السفراديون والشرقيون من تمييز طويل في العمل والسكن والتعليم، إضافة إلى المناصب السياسية والجيش والاقتصاد.

فلعقود طويلة، أسكن اليهود السفراديون والشرقيون في المناطق القاحلة والواقعة على خطوط المواجهة، وأوكلت لهم الأعمال اليدوية والحرفية الصغيرة في مقابل منح الأشكناز المناصب القيادية في الكيبوتزات والبلديات والجيش والتعاونيات الفلاحية والصناعية.

و فوق كل هذا، كان ولاء السفراديين والمزراحيين للصهيونية دائما موضع شك وانتقاد من طرف الأشكناز، لا سيما لكونهم مرتبطين “بدول عدوة”، وأيضا لم يساهموا إطلاقا في الحركة الصهيونية وفي تأسيس كيان الاحتلال.

و أمام هذا الوضع، لجأ اليهود السفراديون والمزراحيون لعدة وسائل لرفع الاضطهاد الداخلي الممارس ضدهم، منهم من لجأ إلى تغيير إسمه العائلي إلى أسماء أوربية أشكنازية (كعائلة غادي إيزنكوط رئيس الأركان الحالي، ذو الأصول المغربية، قام والداه بتغيير الاسم العائلي من أنكوت إلى أيزكوط ذو النطق الجرماني، وبالتالي الأشكنازي).

من مظاهرات حركة الفهود السود

فيما فضلت مجموعات أخرى عدم التنكر لأصولها ومقاومة الوضع، فظهرت حركة الفهود السود مشكلة من اليهود الشرقيين والمغاربيين بقيادة المغربيين رَؤوبين أبيرجل والسعدية مارسيانو، كاقتباس لأعمال حركة الفهود السود الخاصة بالأمريكيين من أصول أفريقية، وقد انطلقت الحركة سنة 1971 بسلسلة من الاحتجاجات السلمية توجت بلقاء مع رئيسة الحكومة آنذاك غولدا مائير والتي اعترفت بمشكلة التمييز دون تقديم حلول جدية.

ثاني حركة لليهود الشرقيين كانت ذات توجه سياسي وديني أكثر حدة، حزب الشاس (عضو في الائتلاف الحكومي الحالي)، والذي استغل فشل حركة الفهود السود في نهاية السبعينات ولبث خطاب ديني عنصري تمكن من خلاله من توحيد المجموعات اليهودية السفرادية والمزراحية، وقد لاقت حركة شاس نجاحا باهرا توج بدخولها للكنيست لأول مرة سنة 1984 ب4 مقاعد.

و من ذلك اليوم، وشاس يحتل موقعا هاما في السياسة الإسرائلية ودخل في أكثر من ائتلاف حكومي لاسيما في التشكيلات ذات اللون اليميني، بل الأكثر من هذا ساهم صعود الشاس في منح الفرصة للكثير من السفراديين والشرقيين في تبوأ مناصب عليا في الأحزاب التقليدية كالعمل والليكود حتى لا يبقى شاس ناطقا وحيدا باسم تلك الفئة من اليهود في إسرائيل.

“عوفاديا يوسف (حاخام من أصل عراقي) يتوسط قيادة حزب الشاس الديني الشرقي”

توج التحرك السياسي، الاجتماعي والثقافي لليهود من دول عربية وإسلامية في تثبيت مكان لها داخل المجتمع الإسرائيلي، حتى قدم رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك اعتذارا علنيا ورسميا عن سنوات الاضطهاد سنة 1997.

لكن رغم الانفراج والاعتذار الرسمي، وتبوأ الكثير من السفراديين والمزراحيين مناصب قيادية في الدولة، كعمير بيريتس وزير الدفاع السابق أثناء حرب لبنان الثانية، رئيس الأركان غادي إيزنكوط، سامي ترجمان قائد الجبهة الجنوبية لجيش الاحتلال، ومردخاي بن بورات الوزير من أصل عراقي في أكثر من حكومة، فواقع الحال ما زال يشير إلى شرخ اجتماعي عميق بين الأشكناز والشرقيين، لا سيما في الإعلام والثقافة والجامعات، وكذلك أثناء الحملات الانتخابية إذ لا زالت أصول المرشحين ذات أهمية قصوى في توجيه الناخب الإسرائيلي.

إضافة إلى ذلك، ما زالت هناك عدة قضايا عالقة لا سيما قضية أطفال اليمن المختفين خلال هجرة اليهود اليمنيين، إضافة إلى التمييز في السكن حيث يشكل اليهود الشرقيون النسبة الأكبر من سكان المستوطنات والمناطق الحدودية، وما زالت عدم مشاركتهم في تأسيس الدولة موضع انتقاد دائم في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي.

اليهود الإثيوبيون .. الكفاح من أجل الهجرة والاندماج

شهدت عاصمة “إسرائيل” تل أبيب مظاهرة حاشدة يوم 3 مايو الماضي قام بها الآلاف من اليهود الإثيوبيون وتخللتها عدة مظاهر للعنف بين المتظاهرين والشرطة الإسرائيلية، وتعد مشكلة اليهود الإثيوبيين أو الفالاشا إحدى أعقد المشاكل المرتبطة بالعنصرية بإسرائيل.

الفلاشا أو بيتا إسرائيل، هم جماعة يهودية موطنها بلاد الحبشة التاريخية منذ القرن الثامن قبل الميلاد، وقد عرف بحضورها الدائم وتماهيها الاجتماعي مع كل سكان منطقة الحبشة عبر التاريخ.

مع بداية الستينات، ومع بداية الإقلاع الاقتصادي الإسرائيلي والانتصار في حرب 1967، بدأ يهود الفلاشا حملة لتمكينهم من “حق العودة” والاعتراف بهم كجماعة يهودية ومساعدتهم على الهجرة نحو الكيان الغاصب، وقد عارض تلك الهجرة فئات عريضة من الساسة الدينيين والسياسيين الإسرائليين لأسباب عرقية ودينية، على رأسهم ليفي أشكول رئيس الحكومة أنذاك، تم لاحقته غولدا مائير إضافة إلى السلطة الحاخامية آنذاك التي رفضت اعتبارهم يهودا.

سيتغير الأمر بدءا من 1975 حيث سيصدر الحاخام المثير للجدل وذي التأثير الكبير فتوى حول اعتبار يهود الفلاشا كاملي الانتماء للديانة اليهودية وبأحقيتهم من الاستفادة من “قانون العودة”، وخلق الأمر جدلا كبيرا في المجتمع الإسرائيلي لا سيما مع قيام الحكومة الإسرائيلية بترحيل يهود فلاشا دخلوا بشكل سري للكيان الصهيوني، وظل الجدل قائما إلى أن حسمه الكنيسيت في أكتوبر 1975 باعتبار قانون العودة منطبقا على يهود الفلاشا.

“عملية سليمان”

تم التحضير لصفقة بين الحكومتين الإسرائيلية والإثيوبية تضم تزويد إثيوبيا بالسلاح مقابل تسهيل ترحيل الفلاشا سرعان ما تعثرت وقطعت بسببها العلاقات بين البلدين، بل الأكثر من هذا قامت الحكومة الإثيوبية بالتضييق على يهودها كنوع من الضغط على إسرائيل، حتى العام 1991 حيث قامت إسرائيل بما سمي “عملية سليمان” تم من خلالها تهجير 16000 ألف يهودي إثيوبي جوا عبر السودان ثم إلى إسرائيل بدعم لوجيستي واستخباراتي أمريكي.

غير أن معاناة يهود الفلاشا لم تنتهِ بمجرد الوصول إلى أرض الميعاد، فبهجرتهم إلى إسرائيل وجد الإثيوبيون أنفسهم عرضة للإقصاء والتهميش والعنصرية من طرف السياسيين والإعلاميين ورجال الدين على السواء.

ويكفي معرفة أن 30% من سكان السجون الإسرائيلية (دون احتساب الأسرى الفلسطينين) هي من أصول أثيوبية، إضافة إلى كونها أفقر طبقات المجتمع الإسرائيلي ودون تمثيل سياسي حقيقي.

“من مظاهرات اليهود الإثيوبيين”

و من مظاهر هذا التمييز عدم قبول أطفال من أصول إثيوبية في المدارس الدينية المتشددة في إسرائيل، كمدرسة بتاح تيكفا، وأيضا، عدم قبول تبرعات الدم في بعض المستشفيات من الإثيوبين لشبهة احتوائها الإيدز، وكذلك، رفض بعض الزيجات بين الفلاشا وغيرهم من طرف بعض الحاخامات المتشددين واعتبارها زيجات مختلطة وليست زيجات يهودية خالصة.

و تبقى مظاهرات الـ3 من مايو مثالا صارخا على العنصرية تجاه اليهود السود، وإذا أظهرت مقاطع فيديو بثها الإعلام الإسرائيلي تظهر على التوالي اعتداء شرطيين بالضرب على مجند من أصل إثيوبي ثم الاعتداء على سيدة من أصل إثيوبي من طرف ثلاثة حراس بلديين غضبا عارما في صفوف مجتمع الفالاشا أعاد إلى الواجهة كل مظاهر العنصرية والتمييز التي يعانون ومنها ووصلت إلى حد مواجهات عنيفة مع الشرطة في قلب تل أبيب.

من مواجهات 3 مايو بين الشرطة والمتظاهرين الفلاشا

ضعف وجب استغلاله

و اليوم بعد مرور 67 سنة على تأسيس الدولة الأكثر عنصرية في التاريخ تجاه جيرانها وجزء من مواطنيها، ماذا فعل العرب عامة والفلسطينيون خاصة لاستغلال التفكك الاجتماعي الإسرائيلي من أجل خدمة القضية وضحد الأساطير الصهيونية عبر العالم؟ لا سيما أسطورتي “الشعب اليهودي” و”الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”.

المصادر

تحميل المزيد