هل تعرف أحدًا من أولئك الناس الذين تعرضوا لظروف مأساوية متعددة ومتتالية في حياتهم، من مشاكل أسرية، وحوادث كبيرة، وربما فقدان لبعض أحبتهم بشكل غير متوقع، وحتى فقدان وظائفهم، لكنهم مع كل هذا مستمرين في حياتهم دون شكوى، بل ربما يظهرون للناس أنهم في أحسن الأحوال، ويبرزون حماسهم الشديد بشأن المستقبل، رغم كل ما تعرضوا لهم؟ ربما مر عليك أحد هؤلاء في حياتك.

ينظر هؤلاء الأشخاص دائمًا إلى «نصف الكوب الممتلئ»، فهم لا يركزون إلا على الجانب المشرق من الحياة. ربما يذهب بعضهم أبعد من هذا نحو المبالغة في تقدير احتمالية حدوث أحداث إيجابية، وبالتالي التقليل من أهمية الأحداث السلبية المحتملة. حسنًا هؤلاء ليسوا قلة في العالم، بل هم الأكثرية، وتعرف هذه الظاهرة علميًا باسم «الانحياز للتفاؤل»، وهي الطريقة التي يفكر بها 80% من سكان العالم.

لكن المشكلة هنا تمكن في ما يمكن وصفه بـ«المبالغة في التفاؤل»، وكيف أنه قد يعرضك لمخاطر كبيرة. هنا نتعرف على هذه المخاطر، ونوضح كيف يمكن لأي منا تقدير مدى تفاؤله، وإذا ما كان في النطاق الصحي أم لا.

التفكير الإيجابي.. الشجاعة والإبداع

يعد التفكير الإيجابي سمة مميزة لعملية التطور؛ لأنه يسهل علينا تصور ما هو ممكن؛ مما يسمح لنا بأن نكون أكثر شجاعة وإبداعًا في مواجهة المشاكل والتحديات والمخاطر. المثل يقول إن الحاجة أم الاختراع، لذلك يمكننا القول إن كل ما يساعدنا ويهيئ لنا الظروف للإبداع والاختراع فهو أمر يساعد على تطور البشر.

من هنا يظهر لنا ضرورة «الانحياز للتفاؤل» وأهميته، ليس فقط في حياة كل فرد بحياته اليومية، ولكن للبشرية ككل في سبيل تطورها وتقدمها نحو المستقبل. بكلمات أخرى «دون الانحياز للتفاؤل لم يكن الجنس البشري ليتقدم».

في حياتنا المهنية، يمكن أن يصبح التفاؤل نبوءة تتحقق من تلقاء نفسها، فإذا كنت تعتقد أن أشياء إيجابية ستحدث، فهذا يعزز حافزك للمحاولة بجدية أكبر، ويمكن بالفعل أن يغير النتيجة نحو الأفضل، وعندما نتوقع أشياء إيجابية، نكون أكثر سعادة، وهذا له تأثير إيجابي على صحتنا من خلال تقليل أشياء ثقيلة مثل القلق والخوف.

يرتبط التفاؤل أيضًا بالنجاح في مجالات متعددة. إذ يميل الرؤساء التنفيذيون إلى أن يكونوا أكثر تفاؤلًا من الشخص العادي، مثلهم مثل رواد الأعمال، الذين يزداد تفاؤلهم أكثر بمجرد بدء أعمالهم التجارية. يعتقد الخبراء أن التفاؤل هو الذي يؤدي إلى النجاح، وليس أن النجاح يولد التفاؤل بشكل نسبي حتى نكون واقعيين.

كذلك فإن هذا الانحياز يمنعنا من القلق بشأن عدم اليقين، مثل عدم اليقين بالمستقبل، والأمر الأكثر إثارة للدهشة في هذا التحيز، هو أنه بمثابة «المقاومة في مواجهة الواقع». على الرغم من الأحداث السلبية غير المتوقعة التي تحدث لنا أو تلك التي نراها في نشرات الأخبار، فإن الأحداث الإيجابية هي التي تميل إلى ترك الانطباع الأكبر على معتقداتنا. نحن ببساطة نتعلم بشكل أفضل من الأشياء الجيدة التي تحدث من حولنا؛ مما يديم التحيز لها. في المقابل تميل الأشياء السيئة إلى تقليل المصداقية لدينا، لذلك نسبة كبيرة من البشر تميل إلى تجاهلها تمامًا.

أين أنت على مقياس «الانحياز للتفاؤل»؟

ربما هناك وسائل عديدة لقياس مدى تحيزك للتفاؤل، إذ يمكنك قياس مقدار تحيزك للتفاؤل عادةً من خلال عاملين محددين للمخاطر، الأول هو عامل الخطر المطلق، حيث يطلب من الأفراد تقدير احتمالية تعرضهم لأمر سلبي مقارنة بفرصهم الفعلية لتجربة هذا الأمر السلبي (مقارنة ذاتية). والعامل الثاني هو الخطر المقارن، حيث يطلب من الأفراد تقدير احتمالية التعرض لأمر سلبي مقارنة بتقدير آخرين من نفس العمر والجنس.

علوم

منذ 6 شهور
كيف تبتعد عن التوتر؟ هذه هي أسرار الأشخاص الهادئين بطبعهم

العامل الأول يبدو صعبًا لأنه من الصعب للغاية تحديد إحصائية وقوع خطر فعلي للفرد، إذ كيف يمكنك تقدير احتمالية تعرضك لحادث سيارة؟ لذلك يبدو قياس عامل الخطر المقارن أكثر واقعية. اسأل نفسك ما احتمال أن أصاب بفيروس كورونا، ثم أجب واحتفظ بالإجابة لنفسك. اذهب إلى آخرين في نفس العمر والسن وربما من نفس مكان عملك ولهم ظروف مشابهة لك، واسألهم نفس السؤال. إذا كانت إجابتك أعلى منهم جميعًا، فأنت متشائم زيادة عن الحد، أما إذا كانت إجابتك أقل، فأنت بالفعل منحاز للتفاؤل، وإذا كان الفرق كبيرًا، فربما أن متفائل بشكل زائد عن الحد، وهذا قد يعرضك للمخاطر.

مخاطر الانحياز الزائد عن الحد

رغم كل ما سبق، فإن كثرة التفاؤل يمكن أن تؤدي إلى تقييم الإنسان غير الملائم للمخاطر المحتملة. يمكننا أن نضرب هنا مثلًا باستخفاف بعض هؤلاء بأمور بسيطة، لكنها في منتهى الأهمية، مثل عدم الحصول على تأمين على المنزل، أو عدم ارتداء خوذة أثناء ركوب الدراجات، أو ربما حتى عدم إعطاء أمر مثل جائحة كورونا كل هذه الأهمية؛ مما يجعلهم يصابون بالمرض وينشرونه بصورة أكبر.

في حال وباء كورونا، يعتقد الشخص الذي لديه تحيز للتفاؤل أنه أقل عرضة للإصابة بالمرض كونه اتخذ الاحتياطات، وهو أمر يبدو منطقيًا. لكن أولئك المفرطين في التفاؤل يصل بهم الأمر إلى الاعتقاد أنهم أكثر صحة من الشخص العادي، أو لديهم جينات تجعلهم أكثر مقاومة.

هذا الانحياز الزائد عن الحد تظهر خطورته أكثر في مجال الأعمال مثلًا، فالتقديرات المبالغ فيها للأرباح أو لنجاح مشروع ما ربما تتسبب في كوارث حقيقية، وتجعل القائمين عليها يتساهلون في الجداول الزمنية أو بعض التفاصيل المهمة لإتمام العمل.

الثقافات والتفاؤل

بالنسبة لأصل وجذور ظاهرة «الانحياز للتفاؤل»، توجد فرضيتان. الأولى تقول: إن هؤلاء المنحازين للتفاؤل يملكون سمات إيجابية أكثر من الشخص العادي، والثانية تقول إن هؤلاء يكون لديهم نوع من الشعور بالسيطرة على العالم من حولهم. يعزو العلماء الفضل في الانحياز للتفاؤل وأنه السمة التي تسمح لنا بتجربة أشياء جديدة رغم أنها قد تكون صعبة، لأنه يوفر لنا قدرًا معينًا من الثقة في أن القيام بذلك سوف يجعل الأمور تسير على ما يرام.

ينتشر هذا الانحياز للتفاؤل بشكل متساوٍ بين سكان العالم تقريبًا. وجد الباحثون أن التحيز للتفاؤل هو نتاج الطبيعة والتنشئة. تظهر الدراسات التي أجريت على التوائم، على سبيل المثال، أن الجينات تلعب دورًا بنسبة 30-40%، بينما تمثل التنشئة الباقي.

الثقافة تلعب دورًا مهمًا من خلال التأثير على مدى تفاؤل أو تشاؤم الناس، بمعنى أن هذا الانحياز جزء متأصل من طبيعة البشر كلهم، لكن الثقافة المحيطة قد تتحكم في إبرازه أو إخفاؤه. في الثقافات التي يعتبر فيها التفاؤل أمرًا جيدًا، مثل الولايات المتحدة وأستراليا، من المرجح أن يعرّف الناس أنفسهم على أنهم متفائلون، بينما في ثقافات مثل فرنسا والمملكة المتحدة، من المرجح أن يصف الناس أنفسهم بأنهم واقعيون، أو حتى متشائمين.

الاختبارات تثبت أنه حتى هؤلاء الواقعيين أو المتشائمين لديهم في الواقع تحيزًا للتفاؤل، فالدراسات تشير إلى أن 10% فقط من الناس خالون من التحيز، مع العلم أن عددًا كبيرًا من الناس منحازون للتفاؤل، لكنهم لا يعرفون.

الأمر الغريب الذي أوضحته بعض الدراسات هو أن هؤلاء الـ10٪ الذين لديهم تحيز للتشاؤم، غالبًا ما يوجد بينهم كثير من المحامين. السبب غير واضح، لكن ربما يأتي نتيجة لكون عمل هؤلاء المستمر في البحث عن السيناريوهات الأسوأ يقلل من مقدار التفاؤل لديهم.

العمر أيضًا له تأثير. فالانحياز للتفاؤل يصل إلى الحضيض في فترة منتصف العمر. قد يكون التوتر أحد الأسباب وراء هذا، لأننا نعلم من التجارب والدراسات أن الإجهاد يقلل من الانحياز للتفاؤل. هذا التوتر يكون في ذروته خلال منتصف العمر، ربما لأن هناك الكثير مما يحدث للإنسان بدءًا من رعاية الأطفال، والآباء المسنين، والعيش في حياة مهنية مرهقة، وازدياد المسؤوليات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد