اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالرفض والاستنكار، بعد دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي؛ لإلغاء الطلاق الشفوي، وعدم وقوع الطلاق إلا بوجود شهود، رغبة منه في تنظيم شؤون الطلاق، والحد من ظاهرة ارتفاع معدلاته في الآونة الأخيرة، وطالب شيخ الأزهر بمعالجة هذه الأزمة، وقصر الطلاق على المأذون فقط، باعتبار أن ذلك يعطي فرصةً أكبر للزوجين للتصالح. وكان الإخوان والسلفيون من أشد المعارضين لهذه الدعوة باعتبارها فتوى لـ«شيوخ السلطان».

وقد لاقت هذه الدعوة قبولَ عددٍ من العلماء والأزهريين، وأبرزهم خالد الجندي، الذي تقدم من قبل بدعوى قضائية اختصم فيها رئيس الوزراء، ووزير العدل، وشيخ الأزهر للمطالبة بإلغاء الطلاق الشفوي، وكان قد تبنى هذه الدعوى منذ عام 2015، ولكنه تخلى عن دعواه القضائية بعد تصريحات السيسي الأخيرة.

وفي السطور التالية ننقل آراء بعض من قالوا بعدم وقوع الطلاق، إلا بالإشهاد من الإخوان المعاصرين، مثل عصام تليمة، الداعية والباحث الإسلامي، والمدير السابق لمكتب الإمام القرضاوي، وعضو مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين بتركيا، وكذلك صاحب الفتوى الشهيرة بشرعية »الهاشتاج« الشهير المسيء للرئيس السيسي، وبأن من يشارك فيه مأجور، وكذلك سنذكر فتوى الشيخ والمحدث الألباني، أحد أعلام السلفية في العصر الحديث في هذا الأمر، كما ننقل كذلك التجربة المغربية في تطبيق الإشهاد على الطلاق منذ عام 2004 في مدونة الأسرة المغربية.

عصام تليمة: «لا طلاق بغير شهود»

عصام تليمة- المصدر هافنجتون بوست

في 20 فبراير (شباط) 2016، نشر عصام تليمة مقاله: «لا طلاق بغير شهود» على موقع هافنجتون بوست ينتقد العلماء الذين لا يوسعون أفقهم، ويطلعون على كافة الآراء الفقهية، خاصةً فيما يتعلق بقضية حساسة كقضية الطلاق، التي تؤدي إلى هدم الأسرة.

وقال بأنه لا يجوز الطلاق بغير شهود، كما لا يجوز الزواج بغير شهود، مستندًا إلى آية: «فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا»، وتفسير الطاهر بن عاشور لها: (وظاهر صيغة الأمر: الدلالة على الوجوب، فيتركب من هذين أن يكون الإشهاد على المراجعة، وعلى بت الطلاق واجبًا على الأزواج). وكذلك استند تليمة في مقاله إلى عدد من الآراء الفقهية لابن حزم الظاهري في اشتراط الإشهاد في الطلاق، والشيخ محمد أبو زهرة في اشتراط الإشهاد في الطلاق والرجعة معًا، وأيضًا أشار إلى بحث دكتوراه لعبد الرحمن الصابوني حول نفس الموضوع، وهو بحث نوقش في الأزهر الشريف. وأورد تليمة حينها نص مادة من مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي وضع في عهد عبد الناصر عام 1967، وفيه مادة تنص على أنه: «لا يقع الطلاق إلا بحضور شاهدين رجلين أو رجل وامرأتين». وكانت اللجنة برئاسة الشيخ محمد فرج السنهوري.

وذكر أن اشتراط الشهود لوقوع الطلاق له عدة فوائد، وهي:

«1ـ أنه يقلل بشكل كبير من نسبة الطلاق.

2ـ أنه يتوافق وينسجم مع روح الشريعة الإسلامية التي تميل إلى حفظ الحقوق، بالتوثيق الشديد من حيث الشهود، فكما يشترط في الزواج بأقوال الفقهاء، فاشتراطه في الطلاق أولى ومهم أيضًا.

3ـ يعطي الزوج فرصة لمراجعة نفسه، وعدم اتخاذ القرار إلا بعد تفكر وتأنٍ.

4ـ يفتح بابًا للشهود أن يقوموا بدور فى الإصلاح بين الزوجين، قبل الذهاب إلى الطلاق رسميًّا».

الألباني: السنة في الطلاق الإشهاد

ومن جهة أخرى، فالمحدث الألباني والذي يعد أحد أعلام السلفية، قد أفتى بوجوب الإشهاد على الطلاق، حيث جاءه سؤال عن الإشهاد، وهل هو شرط لصحة الطلاق أم لا؟ فكانت إجابته أنه شرط من شروط صحة الطلاق، وقاس ذلك على اختلاف العلماء حول وقوع الطلاق البدعي، هل ينفذ أم لا ينفذ، وقال إن الأصل فيه أنه لا ينفذ، وكذلك الطلاق، فإن السنة فيه الإشهاد، وعليه فإن الطلاق بغير إشهاد يعتبر طلاقًا بدعيًّا، لا ينفذ. وكما أن النكاح لا يتحقق إلا بالشهود العدول، فإن الطلاق -والذي هو أخطر منه إذ يترتب عليه هدم الأسرة- لا يتحقق إلا بشهود عدول أيضًا، بحسبه.

يقول الألباني: «الطلاق وضع له الشارع الحكيم شروطًا، وهذه الشروط هي في الواقع كالعرقلة لمنع وقوع هذا الطلاق، لأن الطلاق -كما قلنا- يترتب من ورائه هدم الأسرة، فقال إن السُّنّـة الإشهاد، فكأن الشارع الحكيم يقول للمطلق: لو عزمت على الطلاق وأردت تنفيذه فأتِ بشاهدين، كما إذا أردت أن تنكح«.

فتوى الشيخ الألباني الصوتية– هل الإشهاد شرط لصحة الطلاق أم لا؟

حصاد 10 سنوات من تطبيق الإشهاد على الطلاق في المغرب

في عام 2004، أصدر البرلمان المغربي مدونة الأسرة المغربية، وهي قانون وضعه البرلمان، وأقره الملك محمد السادس لتنظيم الأحوال الأسرية والعائلية في المغرب، جاء في مقدمته فيما يخص الطلاق: «جعل الطلاق حلًّا لميثاق الزوجية يمارس من قبل الزوج والزوجة، كل حسب شروطه الشرعية، وبمراقبة القضاء، وذلك بتقييد الممارسة التعسفية للرجل في الطلاق، بضوابط محددة تطبيقًا لقوله عليه السلام (إن أبغض الحلال عند الله الطلاق)، وبتعزيز آليات التوفيق والوساطة بتدخل الأسرة والقاضي».

وكان من بين بنوده وضع الطلاق تحت المراقبة القضائية، وهو ما طبق فتوى الطلاق الذي لا يتم إلا بإشهاد، فتقول المادة 79: «يجب على من يريد الطلاق أن يطلب الإذن من المحكمة بالإشهاد به لدى عدلين منتصبين لذلك، بدائرة نفوذ المحكمة التي يوجد بها بيت الزوجية، أو موطن الزوجة، أو محل إقامتها أو التي أبرم فيها عقد الزواج حسب الترتيب».

وفي المادة 81: «تستدعي المحكمة الزوجين لمحاولة الإصلاح، إذا توصل الزوج شخصيًّا بالاستدعاء ولم يحضر اعتبر ذلك منه تراجعًا عن طلبه. إذا توصلت الزوجة شخصيًّا بالاستدعاء ولم تحضر، ولم تقدم ملاحظات مكتوبة، أخطرتها المحكمة عن طريق النيابة العامة بأنها إذا لم تحضر فسيتم البت في الملف. إذا بين أن عنوان الزوجة مجهول، استعانت المحكمة بالنيابة العامة للوصول إلى الحقيقة، وإذا تحايل الزوج، طبقت عليه العقوبة المنصوص عليها في المادة 361 من القانون الجنائي بطلب من الزوجة». وتكتمل المنظومة بالمادة 82، والتي توضح إجراءات الصلح: «عند حضور الطرفين تجرى المناقشات بغرفة المشورة، بما في ذلك الاستماع إلى الشهود، ولمن ترى المحكمة فائدة في الاستماع إليه، للمحكمة أن تقوم بكل الإجراءات بما فيها انتداب حكمين أو مجلس العائلة، أو من تراه مؤهلًا لإصلاح ذات البين. وفي حالة وجود أطفال تقوم المحكمة بمحاولتين للصلح تفصل بينهما مدة لا تقل عن ثلاثين يومًا. إذا تم الإصلاح بين الزوجين حرر به محضر، وتم الإشهاد به من طرف المحكمة».

ووفقًا للإحصاءات الرسمية، فقد شهدت معدلات الطلاق انخفاضًا واستقرارًا واضحًا في المغرب بعد تطبيق مدونة الأسرة؛ إذ تراوحت حالاته في السنوات الأخيرة بين أدنى معدل سجل خلال سنة 2010، وهو 22 ألفًا و 425 حالة، وأعلى معدل سجل خلال سنة 2005، حيث بلغ 29 ألفًا و668 حالة طلاق، وفي عام 2013 استطاعت المحاكم أن تحافظ على كيان 18 ألفًا و491 أسرة من خلال تدخلها لعقد الصلح في حالات الطلاق، وفق ما تتضمنه مدونة الأسرة من مواد.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد