في الأردن نشأت السلفية الجهادية منذ زمن بعيد، لكن المواجهة مع الحكومة الأردنية كنقطة تحول بدأت عام 1994، فقد برزت أسماء لا يمر الحديث عن السلفية في الوطن العربي دون ذكرهم، أمثال: “أبو مصعب الزرقاوي” و “أبو محمد المقدسي“.

ومنذ هذا التاريخ والسلفية تمر بمرحلة تلو الأخرى، أبرزها المرحلة الحالية، مرحلة القتال في سوريا، وتهديد عناصرها في “داعش” للمملكة الأردنية، فكما أصبحت السجون الأردنية مليئة بالسلفيين، سوريا أيضا مليئة بالمقاتلين السلفيين الأردنيين، فهم يحتلون المرتبة الثانية مباشرة بعد الجهاديين التونسيين.

“ساسة بوست” في التقرير التالي تستعرض نشأة وأحوال السلفية الجهادية في المملكة الأردنية.

(1) نشأة وبدايات السلفية الجهاية في الأردن

يؤرخ المختصون ظهور التيار السلفي الجهادي في الأردن إلى منتصف التسعينيات (1994)، ويرتبط هذا التاريخ بمحاكمة أردنية قضت بسجن عناصر شكلوا تنظيما سمى بـ “بيعة الإمام”، ففي هذه المحاكمة سجن عصام البرقاوي (أبو محمد المقدسي، و(أحمد فضيل الخلايلة (أبو مصعب الزرقاوي).

وعقب تولي الملك عبد الله الثاني الحكم، أطلق سراح الزرقاوي والمقدسي بعفو ملكي، فتوجه الزرقاوي إلى أفغانستان، أما المقدسي ففضل البقاء في الأردن والعمل بالدعوة، لكن في نهاية العام الذي أطلق سراحه به(1999) أعيد اعتقاله إثر تفجيرات الألفية، ثم برئ ـ بعد سنة من الاعتقال ـ من التهم الموجه له، وأعيد اعتقاله للمرة الثالثة ما بين 2002 حتى 2005على أثر اتهامات تتعلق بتجنيد الأردنيين للجهاد في العراق.

في فترة اعتقال المقدسي، تمكن الزرقاوي من قيادة السلفيين لصالح فكر القاعدة التي دعت للجهاد في العراق، ومقاومة الغزو الأمريكي عقب سقوط النظام العراقي، فرغم أن المقدسي بقي هو “المهندس الفكري الرئيس للسلفية الجهادية العالمية” كما يوصف إلا أن الزرقاوي نافسه على قيادة السلفية الأردنية، وهذا ما دفع المقدسي مباشرة بعد خروجه من السجن عام 2005لإعلان خلافه مع منهج الزرقاوي من خلال ما عرف برسالة “المناصرة والمناصحة”، التي دعا فيها المقدسي الزرقاوي للمناصرة بعد أن أنكر فيها أعماله في العراق خاصة استهدافه للشيعة.

ولم يعد يقتصر قادة السلفية الأردنية على المقدسي والزرقاوي، إذ شكل مقتل الزرقاوي واعتقال المقدسي فرصة لظهور بعض القادة أمثال: عمر محمود بن عمر، المعروف باسم “أبي قتادة الفلسطيني” لأصوله الفلسطينية، ومحمد الشلبي المعروف باسم “أبي سياف”، وهو المتحدث الرسمي باسم السلفيين، ومن البارزين أيضًا عامر الخلايلة، ويمكنا الإشارة هنا إلى أن هناك تحول في العامين الماضيين، فبعد أن كانت غالبية الجهاديين السلفيين ينحدرون من أصول فلسطينية، اليوم تزيد أعداد الجهاديين السلفيين القادمين من شرق الأردن بأصولهم الأردنية.

وتوضح الأرقام أن عدد “السلفيين الجهاديين” يتراوح بين الأربعة آلاف والخمسة آلاف ناشط، وهم يتمركزون في مدينة الزرقاء في الدرجة الأولى، ثم في عمان و السلط وإربد ومعان وهي مناطق قبليّة، وأيضًا في الرصيفة التي تشكل مسقط رأس أبي محمد المقدسي، وتتصف الرصيفة بأن معظم سكانها من الشباب، وهي مجاورة لمحافظة الزرقاء التي تعرف بأنها “معقل الجهاديّة السلفية في الأردن“.

يقول الباحث المتخصص في شئون الجماعات الإسلامية مراد بطل الشيشاني: “أن عمان الشرقية احتلت النسبة الأكبر بنسبة 32 % بينما احتلت عمان الغربية نسبة 27 % أما بالنسبة لمدينة الزرقاء فقد جاءت نسبة وجود المجاهدين فيها 18% تلتها مخيمات اللاجئين الفلسطينيين بنسبة 16% وأخيرًا باقي المحافظات بنسبة 7 % ، ويؤكد الشيشاني على تمركز 73 % من أتباع التيار السلفي في المناطق الفقيرة داخل العاصمة وخارجها، فيما بلغت نسبة تمركزهم في المناطق الغنية 27 %.

(2) السلفية الأردنية والقتال في سوريا

في مقابلة تليفزيونية، صرح المتحدث الرسمي باسم السلفية الأردنية “أبو سيّاف” قائلا: “هدفنا هو إقامة حكومة إسلامية تطبق أحكام الشريعة، فأي نظام لا يطبق ذلك هو نظام كافر ويجب الإطاحة به”، و قال أيضًا في حوار آخر: “لدينا مئات المؤمنين الحقيقيين الذين يبدون الرغبة والاستعداد، والذين يستطيعون – والحمد لله – العبور إلى سوريا والدفاع عن إخوانهم وأخواتهم المسلمين.”

بدأت أجندة السلفية الجهادية بالدفاع عن السوريين السنة مباشرة بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، فقد شكلت الثورة حافزًا قويًا كي تحول السلفية الجهادية الأردنية ما تعتقده وتؤمن به إلى حقيقة ملموسة، فعداء السلفيين للنظام الشيعي حثهم على اتخاذ القرار بالتحالف مع الثوار السنيين، ناهيك عن أن السلفيين ذوي الأصول الأردنية أصبحوا يعتبرون جماعة “الإخوان المسلمين” منظمةً أجنبية ذات توجه فلسطيني، يريدون كيانا مستقلا أسوة بها.

لذلك كانت عملية التجنيد السلفي للجهاد في سوريا تتقدم بسرعة خاصة في المناطق العشائرية بالأردن، وبدأ هؤلاء يتلقون التدريب العسكري في مناطق بالخارج، حتى عُد الآن الجهاديون الأردنيون كأكبر مزودي التنظيمات في سورية بالمقاتلين، وقدرت مصادر عددهم ما بين 2000 إلى 2500 أردني يقاتل تحت راية تنظيمي داعش والنصرة في العراق والشام. وفي سوريا على وجه التحديد يقدر معهد كارنيجي للشرق الأوسط عددهم بنحو 700 إلى 1000، وبذلك يحتلون المرتبة الثانية مباشرة بعد الجهاديين التونسيين.

(3) سلفية الأردن الجهادية بين داعش والقاعدة

تسبب الانقسام بين السلفية والسلفية الجهادية في الأردن في تقدم “الجهادية” على “السلفية” عند الأردنيين، فـ “الجهاديون الزرقاويون” فضلوا الإنجاز والقوة والفعالية في الميدان، لذلك يري المحللون أن توسع داعش جذب واستقطب السلفيين الأردنيين.

يقول المحلل ركان السعايدة: “إن بسط تنظيم الدولة الإسلامية نفوذه على حلب وامتداده للمناطق الكردية وتركيا والعراق وكردستان والموصل، جعل الشباب يتجهون إليه لتحقيق طموحاتهم في إنجاز أمر حقيقي على الأرض، خاصة أولئك المتعلقون منهم بفكرة الخلافة.”


و يرى المختصون” أن الجيل الأول من الجهاديين الأردنيين قصد جبهة النصرة، بينما فضل الجيل الجديد ممن مروا بتجارب في السرايا الإسلامية واليسارية لحركة فتح، القرب من داعش”، كما لعبت الجغرافيا دورا في غلبة خيار الأردنيين في الهجرة إلى داعش بدلا من النصرة، فجنوب سورية هو أقرب للحدود الأردنية، وعلى الراغبين في القتال في سورية من الأردنيين الذهاب عبر تركيا، وساعد “السلفيين الجدد” على المرور بسهولة لمناطق داعش أنهم غير مراقبين.

وتقول مصادر أردنية أن هناك أكثر من 1200 مقاتل، أكثر من ثلثيهم منضمون إلى تنظيم الدولة، أي أن أكثر من 70 % من أبناء التيار السلفي الجهادي في الأردن هم مع “داعش”. يقول الصحفي الخبير في الجماعات السلفية تامر الصمادي: إنّ “حوالي 85% من المجتمع الجهادي يدعم داعش اليوم“.

من جانبه، يرى المتخصص في الجماعات الإسلامية، مروان شحادة، أن جبهة النصرة في الأردن تراجعت بعد أن حظيت بتأييد كبير منذ بداية الأحداث في سورية، فالجيل الجديد من الجهاديين يلتحق بداعش، بينما ما زال الجيل القديم متمسكاً بتنظيم القاعدة واستراتيجيتها، بالتالي يوجد جزء كبير من الأردنيين مع داعش مع بقاء جزء مهم وأساسي في النصرة لتمثل أغلبهم في مواقع قيادية“.

لكن هناك من يقول إن الأردنيين بالأكثر مع جبهة النصرة، ويرجع القيادي في التيار السلفي الأردني، محمد الشلبي “أبو سياف”، سبب إقبال الأردنيين على جبهة النصرة إلى “وجود اختلاف بين النصرة وداعش من ناحية استيعاب العناصر الملتحقة بهم والمعاملة، إذ يعامل تنظيم الدولة الشعوب العربية على أنهم مرتدون ولا مناص من توبتهم، بينما بقيت النصرة تحاول توعيتهم بالتعاليم الإسلامية من خلال المعاملة الحسنة“.

(4) حول العلاقة مع الحكومة

قامت سياسة الحكومة الأردنية في السابق على تبرئة قادة وعناصر السلفية في محاولة لاستمالتهم وتحقيق تقارب إلى حد ما على اعتبارات الاعتدال والتوافق، وأول خطواتها في هذه الاستراتيجية كانت إطلاق سراح قياديها أبي قتادة والمقدسي، وتحقيقا لقناعة الحكومة الأردنية انتقد المقدسي حرق الطيار الأردني الكساسبة، بينما أدان أبو قتادة قيام داعش “بقطع رؤوس الصحفيّين واصفًا هذا التصرف بغير الإسلامي“.

وفي استراتيجية آخري، اعتمدت الحكومة الأردنية على اعتقال المشتبه فيهم ومحاكمتهم، وتضييق الخناق على تحركاتهم، وإجبارهم على ضبط النفس في خطاباتهم في مقابل بعض الحرية، أما الاستراتيجية الثالثة للمخابرات الأردنية فهي: “اختراق مثل تلك الجماعات، وهذا نهج أكثر نجاحًا بدرجة كبيرة مع جبهة النصرة”.

(5) في السجون الأردنية

بتهم “القتال بجانب تنظيمات عسكرية خارج البلاد”، أو “الترويج لفصائل عسكرية مسلحة عبر الإنترنت”، أو “الاعتداء على رجال الأمن”، أو “القيام بأعمال إرهابية”، يعتقل المئات من السلفيين في سجون المملكة الأردنية، أبرزها سجن “موقر 2” الذي يعتبر أكبر وأحدث السجون الأردنية، ويبعد حوالي 45 كيلومترًا جنوب شرق العاصمة عمان.

يقول المحامي الأردني موسى العبداللات – مختص بالدفاع عن السلفيين: “إن الحكومة تتعامل مع ملف التيار السلفي الجهادي باعتباره ملفًا أمنيًا بامتياز، وإن إستراتيجيتها تجاه التيار تقوم على المواجهة الأمنية”، ويتابع: “بين كل فترة وأخرى، يعلن عناصر وأنصار التيار، الموقوفون والمحكومون في السجون، دخولهم في إضراب عن الطعام، وذلك لأسباب مختلفة، منها المطالبة بتحسين ظروف اعتقالهم”.

ورغم تأكيد الحكومة الأردنية على عدم تمييزها بين المعتقلين السلفيين والآخرين، إلا أن عدة شهادات لأهالي المعتقلين قالوا إن أبناءهم السلفيين يعانون كثيرا، ويتعرضون لمضايقات، وسوء معاملة، ويوضعون في زنازين انفرادية على خلاف غيرهم من السجناء. يقول أب لمعتقل سلفي: “إدارة السجن لا تسمح لابني محمد ورفاقه في القضية نفسها، من ارتياد المكتبة للقراءة، ولا استخدام مرافق السجن كالملاعب والكافتيريا كبقية النزلاء، علاوة على حصر مدة التشميس في ساعة فقط طوال الأسبوع، بالرغم من خروج باقي النزلاء لمدة ساعتين كل يوم”. وقال آخر: “أكثر ما يعاني منه شقيقي المحكوم مدة10 سنوات هو التفتيش العاري”.

مع انضمام السلفيين الأردنيين للقتال مع “داعش” في سوريا والعراق، أصبح العداء مع الحكومة الأردنية على أوجه، فتارة يهدد “داعش” النظام الأردني، وتارة يخرج الأردنيون من التنظيم ليحرقوا جوازات سفرهم ويتوعدوا بالزحف نحو المملكة، وتارة يتفاخرون بإسقاط طائرات الأردن المشاركة في التحالف، ومع استمرار الحرب في سوريا يتوقع الخبراء استمرار تهديد الأردن بشكل متزايد.

يقول زميل أوفزين ومدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن ” ديفيد شينكر: إن “الغالبية الساحقة من الأردنيين لا تطمح في الظاهر إلى القيام بأعمال الجهاد في سوريا أو إلى الانضمام إلى “القاعدة”؛ إذ لا يعتبر هذا المسار خطراً فحسب، بل إنّ الإدانة عن القتال في سوريا التي تفرضها “محكمة أمن الدولة” قد تعني عقوبة بالسجن لمدة تتراوح ما بين خمسة إلى خمسة عشر عاماً“.

ولمواجهة هذا الخطر، طلبت الأردن من الولايات المتحدة أن تساعدها على تعزيز أمن حدودها، وقد أكدت مصادر أمريكية أن إدارة أوباما تعمل من خلال برنامج “أمن الحدود الأردني” على “تحسين قدرة الجيش الأردني على الكشف عن المحاولات غير الشرعية لاجتياز الحدود وعلى اعتراضها، فضلاً عن رصد محاولات تهريب أسلحة الدمار الشامل.”

عرض التعليقات
تحميل المزيد