945

فوق الأرض يعم الهدوء على الشريط الحدودي بين مصر وقطاع غزة، فبعض النقاط العسكرية المتناثرة على الجانبين يسكنها جنود مصريون وفلسطينيون يراقبون بصمت تحركات كل شيء هناك. الأنظار تتجه إلى ما تحت الأرض في هذه المنطقة، فهناك دومًا أحد «المغرر بهم» من الشباب الفلسطيني الذي ينتظر الفرصة السانحة للخروج نحو «أرض الخلافة»، سيناء، تلك الوجهة التي على أرضها سيصبح هذا الشاب أميرًا يمتلك السلاح والسلطة والمال؛ ليحارب من تكفرهم بيانات التنظيم المتتالية من الجيش المصري، والتنظيمات الفلسطينية، وأولها الإسلامية.

في الأيام الأخيرة، لم تعد علاقة قطاع غزة بأنصار التنظيم تقتصر على تلك التحركات الحدودية، فقد اقترب الخطر ليصبح في مدن القطاع ومخيماته، حيث تحدث عمليات طعن لقوات الأمن التابعة لحماس على الحواجز، وتحدث التفجيرات في سيارات قادتهم، فيما حمل الإصدار الأخير لتنظيم ولاية سيناء المزيد من التهديد للحركة التي تنشغل بالمصالحة الفلسطينية، وبالصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.

«ولاية سيناء» تصب غضبًا غير مسبوق على «حماس»

كثيرًا ما تحدث المراقبون عن تضرر تنظيم «ولاية سيناء» من جراء التنسيق الأمني بين مصر وحركة «حماس» الذي بدأ قبل بضعة أشهر، ونجم عنه تشديد المراقبة على الحدود بين الجانبين، وإحكام القبضة الأمنية التي منعت تسلل الأفراد الموالين للتنظيم من سيناء وإليها.

وعمليًّا، أظهر الإصدار الأخير لولاية سيناء عظم هذا التضرر، فخلال فيديو مدته 22 دقيقة وجه التنظيم رسالة غير مسبوقة تهدد حركة حماس تهديدًا شديدًا، وتتوعد عناصرها وقادتها ومقراتها بالاستهداف، وجاء ذلك على لسان المنشق عن حماس «حمزة الزاملي» الذي التحق قبل عامين بـ«ولاية سيناء»، والمتهم بقضايا أخلاقية وسرقات استدعت تبرؤ والده، خطيب أحد مساجد رفح، منه.

أما الصدمة الأكبر لدى سكان قطاع غزة فتمثلت في قيام الفلسطيني «محمد الدجني» -وهو ابن قيادي في حركة حماس- بإعدام مصري من سيناء اتهمه التنظيم خلال هذا الفيديو بأنه «مرتد من قبائل سيناء تعاون مع المشركين من كتائب القسام في تهريب السلاح»، إذ أطلق الدجني الرصاص على رأس الشاب «موسى زماط» وسط تهليل عدة عناصر باركوا هذا الحكم، وقد انتهج التنظيم في الفيديو سياسته المعتادة في الكشف عن أسماء وصور مقاتلين انضموا إليه من صفوف كتائب القسّام لإحراج حماس؛ بل ظهر هؤلاء يتبوؤون مواقع قيادية مرموقة في محاولة لنفي الصورة السلبية التي نقلت عن حالة التهميش والتحقير التي يعيشها الفارون من قطاع غزة لدى ولاية سيناء.

عناصر ولاية سيناء من غزة بوجوه مكشوفة خلال الإصدار الأخير للتنظيم

وينقل هذا الحدث العلاقة العدائيّة بين حماس والفكر السلفي الجهادي (ولاية سيناء)، والتي تجمدت في مرحلة سابقة لتحقيق مصالح متبادلة كتوفير الدعمين: اللوجستي، والمالي بين الطرفين لمرحلة أخطر. تقول الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي، بينيديتا برتي: «اتخذت حماس موقفًا عنيفًا من جماعات الجهاد المسلحة؛ أملًا منها في خنق هذه النزعة في مهدها، وشنت حملات اعتقالات واسعة في صفوفهم خلال النصف الأول من عام 2015، كما قامت سلطات حماس في غزة بمراقبة الأشخاص الذين يعلنون تعاطفهم مع تنظيم داعش. وتصاعدت حدّة المواجهات في مطلع شهر مايو (أيار) في عام 2015».

خطر مناصري «تنظيم الدولة» يفاقم معاناة غزة

فيما كان عشرات المواطنين الفلسطينيين يمرون عبر حاجز أمني في منطقة وادي غزة بشارع صلاح الدين شرق غزة، يوم الرابع من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، هاجم عنصر من «تنظيم الدولة» عناصر الشرطة التابعة لحركة حماس بسكين؛ فأصابه أحدهم بجروح خطيرة.

أمن غزة في حملات تفتيش (المصدر: فرانس برس)

لقد كان المشهد صادمًا للغاية على المارين عبر الحاجز، أخذوا ينظرون بذهول إلى تعامل عناصر الشرطة الذين لا يتلقون رواتبهم مع المهاجم، قبل أن يضطروا إلى إطلاق النار على قدمه.

تلك الأحداث جعلت سكان القطاع يدركون أن هناك جهة أصبحت تضيف المزيد من المعاناة على حياتهم، فتلك حوادث إنذار لطبيعة المآلات التي قد يصل إليها الوضع في المستقبل القريب، فقد تحول القطاع إلى بؤرة جديدة لعمليات يقوم بها عناصر «تنظيم الدولة» في داخل القطاع، بعد أن اقتصرت عملياته على مشارف غزة التي تمتلك حدودًا مع مصر تصل إلى 13 كيلومترًا، والتي من أبرز أحداثها الأخيرة ما وقع في 18 أغسطس (آب) 2017، حين أوقف عناصر من أمن الحدود التابعة لحماس أربعة عناصر كانوا يريدون عبور الحدود إلى مصر للمشاركة في القتال مع «ولاية سيناء»، فرد أحدهم على اعتقاله بتفجير نفسه وسط رفاقه وعناصر الأمن، فقُتل مع قيادي ميداني من كتائب القسام.

وبالعودة إلى داخل القطاع عمل أيضًا «تنظيم الدولة» على محاربة «حماس»، وتحركت عناصره نحو تنفيذ عمليات تخريبية، أو استهداف أشخاص وأجهزة الأمنية، وبالرغم من قبضة حماس الأمنية التي حالت دون وقوع غالبية تلك العمليات، نفذت بعض العمليات التي من أبرزها محاولة اغتيال قائد الأجهزة الأمنية في قطاع غزة، اللواء توفيق أبو نعيم، بوضع عبوة ناسفة في سيارته 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2017، وقد اكتشف أن واضع العبوة هو عنصر موالٍ لتنظيم ولاية سيناء، كذلك وجدت قوات أمنية في غزة بمخيم النصيرات أموالًا ضخمة بحوزة أحد أنصار التنظيم، وكشفت الوثائق أن تلك الأموال خصصت لشراء أسلحة فردية وصواريخ جراد، وكذلك بناء هيكل للتنظيم في غزة، وأظهرت المخططات والخرائط أن مناصري «تنظيم الدولة» كانوا ينوون استهداف مواقع عسكرية تابعة لحماس.

اللواء توفيق أبو نعيم بعد محاولة اغتياله (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

وتدفع تلك الحوادث حركة حماس التي تصارع لإنجاح المصالحة مع السلطة الفلسطينية إلى تكثيف الانتشار الأمني لها في مداخل محافظات القطاع، والشوارع الرئيسة، ومحيط المقرات الأمنية، والمنطقة القريبة من حدود مصر. ويشهد قطاع غزة خلال هذه الأيام انتشارًا مكثفًا للحواجز الأمنية على معظم مفترقات قطاع غزة، حيث يتم التدقيق في الهويات، وتفتيش المركبات، والتدقيق في الأوراق الثبوتية على الحواجز، إضافة إلى تشديد الإجراءات لمنع وصول المستقطبين إلى الأراضي المصرية.

ما مدى الخطورة التي تشكلها ولاية سيناء على حماس الآن؟

لم يتأخر الرد المباشر على تقارب حماس مع السلطات المصرية من قبل «ولاية سيناء» التي تسيطر على غالبية المناطق الحدودية، بعد أن ضاقت ذرعًا بمحاربة حماس لها بالتضييق على أنصارها في غزة، واعتقالهم ومنع تسللهم إلى سيناء.

فلسطينيون يحملون مصابًا من قوات الاحتلال- غزة

وبينما بدأت خطواتها بتحذير القبائل والمنتمين إليها من الإقدام على أية خطوات من شأنها المساعدة في تمرير أي شيء إلى قطاع غزة عبر الأنفاق الحدودية، ركزت أكثر خلال الترهيب بإجراءاتها الرادعة على منع واحتجاز وسائل قتالية وعسكرية، ومواد خام تستخدم في تصنيع الصواريخ والمتفجرات تعود إلى حماس، ويذكر موقع «ديفينس» الأمني الإسرائيلي أن: «تنظيم داعش في سيناء قرر مواجهة حركة حماس في غزة من خلال استهداف تجار السلاح، وقطع طرق إمدادات غزة بالسلاح»، ويضيف التقرير الذي عنون بـ«داعش تغلق مثلث تجارة السلاح أمام حماس» أن: «سيطرة سلاح البحرية الإسرائيلية على البحر والشواطئ أبقى مسارًا واحدًا للتهريب في سيناء، فالأنفاق التي اعتبرت الطريقة الأسهل والأكثر أمنًا التي تعتمدها حماس لتهريب السلاح عبر سيناء تأثرت بفعل نشاط الجيش المصري المكثف ضد الأنفاق؛ ليبقى الاعتماد على تجار السلاح، وهو ما قررت داعش محاربة حماس به».

تلك السياسة فرضت حالة من الجفاف في حركة إدخال المواد عبر خطوط الإمداد الواصلة إلى غزة، والتي تعد من أهمها أيضًا الأموال التي تصل إلى حماس عبر تلك الأنفاق؛ مما فاقم من أزمة الحكومة المالية بغزة التي تسبب فيها الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ أكثر من 10 سنوات.

الفلسطيني «محمد الدجني» -وهو ابن قيادي في حركة حماس- لحظة إعدامه المواطن المصري

وكذلك تعد من أخطر الأوراق التي يضغط بها تنظيم ولاية سيناء على حماس هي استقطاب عناصر الحركة، خاصة من جناحها العسكري «كتائب عز الدين القسام»، فالتنظيم مستمر في استقطاب وتجنيد أكبر عدد ممكن من العناصر داخل القطاع، فيما كان انضمام هؤلاء يسبب إحراجًا للحركة أصبح انضمامهم يشكل خطرًا على الحركة، إذ إن المنضمين من الجناح العسكري لحماس لديهم قدرة تدريبية وقتالية واستراتيجية مرتفعة، وتعود أسباب خروج هؤلاء من حركة حماس المنتمية فكريًّا إلى مدرسة جماعة الإخوان المسلمين، واتجاههم إلى ولاية سيناء التيار السلفي- الجهادي؛ لرفضهم نهج الحركة البراجماتي القابل لتحسين العلاقات مع الغرب، ولموقفها من التهادن مع الاحتلال الإسرائيلي حاليًا، إذ لعب التنظيم الذي قدم نفسه على أنه جزء من حركة الجهاد العالمية على وتر الدعوة لمواجهة مفتوحة مع إسرائيل، ولذلك لم تتوان العناصر التابعة له عن إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل بهدف الضغط على حماس وأجهزتها الأمنية، وتمكنت ولاية سيناء من خلق انقسام وتفكيك داخل حركة حماس بخطاب تعبوي تجاه إسرائيل، قائم على أن حماس تمنع «المجاهدين» من إطلاق الصواريخ تجاه إسرائيل، وتطبق القوانين الكفرية وليست الشريعة.

مستقبل يحمل مزيدًا من التعقيد في علاقة «حماس» بـ«ولاية سيناء»

استخدمت حركة حماس نهجها الدعوي في مجابهة العناصر المنضمة إلى «تنظيم الدولة»، فأدخلت علماءها الشرعيين على المعتقلين منهم لخوض حوارات فكرية وشرعية تهدف إلى تغيير أفكارهم وقناعاتهم، لكن لم يؤت هذا الأسلوب ثماره؛ بل خدع بعضهم الأمن بغزة حين أوهموا الجميع بتغيير توجهاتهم بغية نيل تعهد بالتزام الانضباط ومن ثمة إطلاق سراحهم لمواصلة عملهم.

وهنا يمكن اعتبار التعاون الحكومي المصري مع حركة حماس هو الحائل الأقوى أمام تفاقم الوضع على قطاع غزة بسبب إجراءات ولاية سيناء؛ إذ إن المطلب الأول الآن تنفيذ عملي لتفاهمات التفاوض مع الحكومة المصرية، كرفع الحصار، وفتح المعابر لإنقاذ الوضع الإنساني في قطاع غزة، ودعم إجراءات أجهزة الأمن الفلسطينية على الحدود المصرية مع قطاع غزة، بتطوير الأجهزة المستخدمة في مكافحة الإرهاب، وتقديم دعم لوجستي لإعادة تأهيل تلك الأجهزة وتوحيدها، خاصة أن حماس خلال زيارة وفدها الأمني الأخيرة إلى القاهرة رحبت بقائمة المطالب المصرية، واستعدت لإعداد ملف بأسماء عناصر التنظيم لأجهزة الأمن المصرية، وهو ما يدفع نحو أهمية وجود خطة تأمين مشتركة ونوعية.

لكن في ظل تعثر المصالحة الفلسطينية، وعدم وجود جدوى حقيقة حتى الآن من التعاون المصري الحمساوي، وتحت وطأة التهديدات المتواصلة من ولاية سيناء، يبدو أن على حماس احتساب كل الاحتمالات، واستحضار ماضي التهديدات من قبل التنظيم في عدم استبعاد وقوع عمليات داخل القطاع، الأمر الذي يدفعنا إلى اعتبار مستقبل العلاقة بين حماس وولاية سيناء مستقبلًا لن يخلو من التوتر والتعقيد خلال المرحلة المقبلة.