المشهور لدى الأغلب العام أنّ المستشرقين ما هم إلا “نوافذ للاستعمار” لغزو العالم العربي والإسلامي، الغزو “الفكري” ومن ثمّ “العسكري”. لكنّ الحقائق تشير إلى غير هذا، على الأقلّ في الفترة التالية على فترة الاستعمار، فقد كان للكثير من المستشرقين الفضل في تعريف المسلمين ببعض أجزاء من حضارتهم، وبتحقيق وإعادة نشر بعض الكتابات التي اندثرت أو حتى لم يعد يهتمّ بها أحد، لكنَّ آخرين من هؤلاء المستشرقين لم ينشروا فقط هذه الآثار والكتب وإنما ترجموا بعضها للغات أجنبية كثيرة، مثلما ترجم المستشرق رينولد نيكلسون ديوان المثنوي إلى الإنجليزية وشرحه في ثمانية مجلدات، بينما انبرى البعض الآخر للدفاع عن الإسلام ورسوله في الغرب، والأمثلة الأخرى كثيرة.

هؤلاء ثلاثة مستشرقين تناولوا الإسلام بحياد وموضوعية وبقوا على دينهم.

 

 

آنا ماري شيمل: وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله!

 

“حين أموت، أريد أن يُقرأ القرآن عند رأسي قبل أن أدخل حفرتي، ليكون آخر عهدي بالدنيا هذه الكلمات الإلهية”. * من وصية آنا ماري شيمل

يمكنك أن تتخيل أنَّ السيدة آنا ماري شيمل قد أسلمت، ولكنها لم تكن مسلمة، على الأقلّ لم تُعلن أنها أسلمت. رغم أنها واجهت الكثير من “الاتهامات” من قبل زملائها ومنافسيها أنها اعتنقت الإسلام، وكلما سألت السيدة عن مدى صحة اعتناقها الإسلام لم تكن تجيب بشكلٍ مباشر على أيٍ من هذه الأسئلة، لكنها لم تؤكد إذا كانت قد أسلمت  بالفعل أم لا.

الدكتور عدنان إبراهيم والحديث عن السيدة آنا:

 

ولدت آنا عام 1922 وامتدت حياتها حتى العام 2003 لتعطي للعالم الإسلامي دراسات حقيقية وجادَّة ربما لم يعتنِ المسلمون والعرب كثيرًا بدراستها والقيام عليها بالدراسة والتحقيق. قد تُفاجأ عندما تعلم أن هذه السيدة قد قدمت للمسلمين ما يقارب 90 كتابًا وبحثًا ودراسة في الإسلاميات، بالتحديد الحضارة الإسلامية وتأثير التصوف في الحضارة الإسلامية. كذلك قدمت شيمل أبحاثًا كثيرة عن النبي مُحمَّد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ويكفي أن تعلم أن كتابها وأنَّ محمَّدًا رسول الله قد ألفته بعد رحلة في الحضارة الإسلامية لمدة أربعين عامًا كاملة.

شيمل والمفكر الإسلامي محمد إقبال

 

كانت السيدة آنا تعشق الحضارة الإسلامية، منذ بداياتها كانت قد قرأت أشعارًا مترجمة للشاعر الصوفي الكبير جلال الدين الرومي وبدأت رحلة “العشق” على حد تعبيرها، فكتبت عن جلال الدين الرومي كثيرًا، وأشهر كتبها عن الرومي كتاب “الشمس المنتصرة“. ولم تقتصر اهتمامات شيمل على الرومي، بل وسعت آفاقها بترجمات عن العربية والإنجليزية والفارسية والتركية والأردية، ترجمات لشعراء الصوفية، ولصورة النبي في أدبيات المسلمين حول العالم.

السيدة آنا

 

للقراءة عن جلال الدين الرومي أكثر، من هنا: في ذكرى جلال الدين الرُّومي: الرجل الذي مسّ القلوب فحَلَّقَت إلى السَّمَاء

توفيت السيدة آنا ماري شيمل عام 2003 عن 79 عامًا قضت أغلبهم في دراساتها الاستشراقية، التي لم تكن بالطبع تمهد لـ “الغزو” الفكري والحضاري للمسلمين، بل إنها أسهمت في معرفة المسلمين بأنفسهم وبحضارتهم المديدة، وربما لم يثِرْ أحد المستشرقين من العداء والتشكك مثلما أثارته السيدة آنا في بلاد الغرب.

 

 

كارين أرمسترونغ: محمَّد نبيّ لزماننا

 

“علينا أن نتمثل جميعًا شخصية النبيّ مُحمَّد في تعاملنا مع الناس”. هذه المقولة لن تسمعها من فم أحد الدعاة أو المشايخ على الفضائيات، بل ستسمعها من الدكتورة كارين أرمسترونغ، المستشرقة البريطانية التي كانت يومًا ما راهبة لمدة سبع سنوات. ضاقت كارين بالرهبنة فتركتها وبدأت رحلتها في التعلم والكتابة. تركز كارين على القواسم المشتركة بين الأديان ككل، ألفت عن اليهودية والمسيحية والإسلام وحتى البوذية.

كارين تتحدث عن الإسلام:

 

لمزيد من الفيديوهات لكارين من هنا

تعتقد كارين أنَّ المسيح لو عاد الآن لـ “جن جنونه” مما يفعله الفاتيكان، ومن الفرقة بين الطوائف المسيحية، وكذلك لو عاد النبيّ مُحمَّد وشاهد ما يفعله أتباعه لما أقرهم على ذلك. ولهذا صارت كارين مهتمة بالبحث والتنقيب عن أركان كل دين كما هي، تمركزت دراسات كارين عن الإسلام حول النبيّ محمَّد، باعتباره الشخص الذي جاء بهذا الدين من قبل الله؛ ولهذا فقد ألفت عنه كتابين.

السيدة كارين أرمسترونغ

 

محمَّد: سيرة نبيّ كان أول هذه الكُتب، بينما أتبعته كارين بكتاب آخر أسمته مُحمَّد نبيّ لزماننا. كما أن كارين اهتمت كثيرًا بالردّ على الملحدين واللادينيين في الغرب من أمثال ريتشارد دوكينز وسام هاريس، بالجملة أنتجت كارين ما يقارب 20 كتابًا حول الأديان. ولا زالت تكتب مقالات عديدة.

لمزيد من مقالات كارين من هنا

 

غوته: تراجيديا مُحمَّد

 

“حافظ هو قمة إعجاز الأدب الشرقي، قراءة أشعاره بدلت حالي تمامًا، إن الذي يعرف هذا الصديق السماوي مرة، لا يستطيع تركه أبدًا”. *الشاعر الألماني جوته.

حافظ المذكور في الاقتباس السابق هو الشاعر الفارسي الصُّوفي حافظ الشيرازي، حافظ أثر على شعر غوته الشاعر الألماني الذي يعتبر أبا للشعر والأدب الألمانيين، لكنَّ تأثر غوته لم يقتصر فقط على قراءته لأشعار حافظ، فالأبحاث تثبت أن غوته كان عاشقًا للأشعار الإسلامية، فقد قرأ لعدد كبير من الشعراء منهم الصوفي جلال الدين الرومي، لكنَّ قراءات غوته لم تقتصر فقط على الشعر الإسلامي الصوفي فقد قرأ أيضًا المعلقات السبع العربية القديمة، التي كتبت قبل الإسلام، والمتنبي وغيره من الشعراء العرب الذين تأثر بهم غوته.

يمكنك القراءة أكثر في هذا الموضوع من كتاب غوته والعالم العربي.

لكنَّ تأثر غوته تجاوز كذلك تأثره بحافظ وبكل الكتابات والأشعار التي كتبها، ليتأثر بمنبع كل هذه القراءات، فقد تأثر غوته بالقرآن الكريم، وبشخصية النبيّ محمَّد كثيرًا، يظهر هذا في بعض أشعاره ومؤلفاته، فقد بدأ غوته في كتابة مسرحية عن النبيّ بعنوان “تراجيديا مُحمَّد” لكنه لم يكملها، وكان قد ترجم كتاب فولتير المعنون “محمَّد”. غوته نال قسطًا كبيرًا من الثقافات، فقد مرّ على إيطاليا وكذلك الثقافتين الفرنسية والبريطانية وحتى الصينية، لكنَّهُ تأثر بالإسلام، وميراث الحضارة الإسلامية كما لم يتأثر بأيٍّ من هذه الثقافات، وحتى الآن لا زال الكثير من الباحثين يدرسون مدى تأثر غوته بالإسلام وحضارته، وقد يستغرب القارئ أن يجد غوته من ضمن المستشرقين رغم أنه أديب وشاعر، ولكنّ الحركة الاستشراقية تضمنت مفكرين وأدباء وشعراء كذلك. ويعدّ غوته واحدًا منهم، وهو المؤسس الحقيقي للشعر الألماني الحديث.

في النهاية: هل أضاف لك هذا التقرير جديدًا؟ نتمنى ذلك.

عرض التعليقات
تحميل المزيد