منذ زمن بعيد وحتى اليوم يمثل الحج حدثًا غامضًا عند الغرب يغريهم بالبحث وراء أسراره، ولذلك حرص المستشرقون مع بداية فكرة التوسع الأوروبي أن يتعرفوا على مكة المكرمة، ويستكشفوا ما يدور بداخلها من تفاصيل الشعائر الإسلامية، ونجح الكثير منهم في دخولها متنكرين بأسماء إسلامية حبًا في الاستطلاع، أو لتقديم خدمة استخباراتية لبلادهم، تتمثل في رصد تحركات الحجاج القادمين من مناطق الصراع وكتابة تقارير عنهم.

1- لودفيكو دي فارتيما: «الحاج يونس المصري»

يعتبر الإيطالي «فارتيما» أول مستشرق وثق ذهابه إلى مكة المكرمة للحج، وكانت نقطة البداية لرحلته من مدينة دمشق في عام 1503، عندما ادعى أنه أحد الجنود المماليك المعتنقين للإسلام، وانتحل اسم «الحاج يونس المصري»، ووصف مكة في كتابه «رحلات فارتيما» بأنها: «أجمل المدن العامرة، حيث يسكن ما لا يقل عن ستة آلاف أسرة».

وأما بالنسبة لأحوال الحجاج فقد نجح في شرحها بدقة بالغة قائلًا: «وجدنا أعدادًا كبيرة من الحجاج في مكة، أتى بعضهم من إثيوبيا، وبعضهم الآخر من الهند الكبرى، وبعضهم الآخر من الهند الصغرى، وآخرون من فارس، وطائفة من سوريا، والحق أقول لكم: إنني لم أرَ أبدًا تجمعًا هائلًا احتشد في مكان واحد كما رأيت هنا – في مكة – خلال العشرين يومًا التي مكثتها في هذا البلد».

ومن اللافت للنظر وصفه للمسجد الحرام بالمعبد الجميل جدًا، وإشارته إلى وجود الكعبة الشريفة في وسطه بوصفها برجًا، وأما بئر زمزم فقد استفاض في وصفه قائلًا: «إنّ ستة أو سبعة رجال يقفون عادة حول البئر ليسقوا الناس الماء، وهؤلاء يريقون ثلاثة أسطل من ماء زمزم فوق كل حاج من الحجاج، فيتبلل به من قمة الرأس إلى أخمص القدم، ولو كان لباسه من حرير».

2- دومنيكو باديا ليبليج: الرجل الذي حيَّر المؤرخين

في عام 1807 وصل إلى الحجاز رجل إسباني الأصل يُدعى «دومنيكو باديا ليبليج»، والذي انتحل اسم «علي بك العباسي»، وادعى أن شريف مكة «الشريف غالب» قد لقبه بـ «خادم بيت الله الحرام»، وأنه استقبله بحفاوة، وأشركه معه في غسل الكعبة المشرفة.

وتضاربت الآراء حول حقيقة هذا الرجل، فهناك من يذهب إلى أنه قد يكون عميلًا للفرنسيين، أو البرتغاليين، أو ربما الإنكليز، وهناك من يذهب إلى أنه كان جاسوسًا لسلطان مصر «محمد علي باشا» الذي كان يجهز لحملة ضد الوهابيين، ولكن في النهاية فإن «ليبليج» نجح في مهمته بعد ادعائه النسب العباسي، مما ساعده على التواجد في أراضي الحجاز دون أن يثير الشكوك حوله.

وكان أبزر ما كتبه في مذاكرته عن رحلة الحج وصفه لمشهد الوقوف على جبل عرفات بقوله: «إن الإنسان لا يستطيع أن يكون فكرة عن ذلك المنظر المهيب الذي يبدو في مناسك الحجِ بصورة عامة إلا بعد الوقوف على جبل عرفات؛ فهناك حشد من الرجال الذين لا يحصى لهم عدد، وهم من جميع الأمم، ومن جميع الألوان، وقد أتوا من أركان المعمورة على الرغم من المخاطر والأهوال لعبادة الله، فالقوقازي يمد يده للحبشي أو الإفريقي أو الهندي أو العجمي، ويشعر بشعور الأخوة مع الرجال من البرابرة من سواحل مراكش، وكلهم يعدون أنفسهم إخوانًا أو أعضاء في أسرة واحدة».

3- ريتشارد فرانسيس بيرتون: تحول في الحج إلى طبيب أفغاني

استعد المستشرق البريطاني «ريتشارد فرانسيس بيرتون» لرحلته إلى مكة بالقيام بالعديد من التدابير، وكان منها أنه اختتن وهو في سن الثانية والثلاثين، وخلع ثيابه الأوروبية، واستبدلها بملابس طبيب مسلم أفغاني، وذهب لأداء فريضة الحج بصحبة قافلة الحج المصرية عام 1853، وأطلق على نفسه اسم «الحاج عبدالله»، ووصف لنا تفاصيل رحلته في كتاب رائع بعنوان «الحج إلى المدينة ومكة».

وكانت البداية بوصول «بيرتون» إلى المدينة المنورة، وكتب عن تشكيلات خدم الحرم النبوي، وثم استكمل رحلته إلى مكة المكرمة والتي يقول عنها: «إنه لم يجد فيها ذلك الجمال الرشيق المتناسق الذي يتجلّى في آثار اليونان وإيطاليا، ولا الفخامة المتجلّية في أبنية الهند، ولكنه لم يرَ مثل هذه المشاهد المهيبة والرائعة في أي مكان آخر».

وفي صفحات كتابه، قام بتفنيد مزاعم بغض الغربيين التي انتشرت حول مكة بقوله: «وهنا – في مكة – لا نرى على أية حال خداعًا غبيًا بادعاء هبوط نار سماوية بخداع كبريت الفسفور، ولا نرى شيئًا مسرحيًا مصطنعًا، ولا نرى إلباس الحج لباس الأوبرا، بل كل شيء هنا بسيط ومؤثّر، ويملأ العقل بخشية الله».

ومن أروع اللحظات التي أبدع في وصفها، عندما رأى الكعبة لأول مرة حيث سجل شعوره في هذه اللحظة قائلًا: «وها هي أخيرًا منبسطة أمامي، مبتغى حجتي الطويلة والمرهقة، تحقق أحلام الكثير والكثير كل عام، ظهر سراب الكعبة في بهاء فريد، كان المنظر غريبًا، فريدًا، وكم هم قلة الذين رأوا حقًا المكان المقدس! وأستطيع أن أقول بكل صدق إن من بين كل العباد الذين تعلقوا بأستارها باكين، والذين ضغطوا صدورهم النابضة على جدرانها، لم يشعر بتلك اللحظة أحد بشكل أعمق من الحاج الآتي من أقصى الشمال، كان الأمر وكأن الأساطير الشعرية العربية لم تنطق سوى الحقيقة، وكما أن خفق أجنحة الملائكة لا نسيم الصباح هي التي تعبث بكسوة الكعبة، ولكن ولأتحرى الصدق، كان شعورهم شعورًا بالحماس الديني، بينما كان شعوري هو نشوة الفخر المحقق».

4- ايفلين كوبولد: أول بريطانية تذهب للحج

تعتبر السيدة «إيفيلن كوبولد» أول بريطانية تؤدي فريضة الحج، وكان عمرها آنذاك 66 سنة، وتمثلت الخطوة الأولى في رحلتها بلقائها سفير الملك عبدالعزيز بلندن آنذاك الشيخ حافظ وهبة، وإفصاحها له عن رغبتها في زيارة الأراضي المقدسة، وبعد موافقة الملك عبد العزيز على طلبها سافرت إلى القاهرة عام 1933، ومنها انطلقت إلى جدة، وفي العادة كانت قوافل الحج تنطلق من القاهرة بعد شهر من عيد الفطر ليتمكنوا عند وصولهم قبل أيام من عيد الأضحى من أداء نسكهم.

وبعد مكوثها في جدة عدة أيام سافرت إلى المدينة المنورة، وفي نزلها زارتها عدة سيدات، ودار الحديث في ذلك اللقاء حول حقوق المرأة الأوروبية، وحريتها، ومشاركتها في الحياة السياسية، كما روت لهن كيف اهتدت للإسلام.

ومن أهم اللحظات التي مرت عليها في المدينة، عندما استيقظت على صوت آذان الفجر بجوار المسجد النبوي وتحكي عنها قائلة: «شعرت حينها بالسرور العظيم، وتوضأت ونزلت بسرعة لأذهب مع زوار بيت الله، ولم أنس إسدال الحجاب جيدًا على وجهي، ودخلت إلى بوابة محراب كبير، من باب آخر تصله أشعة نور الفجر، ويصدح فيه هديل الحمام».

ووصلت «كوبولد» إلى مكة المكرمة يوم 27 مارس عام 1933، وكان من حسن حظها أنها وصلت في نفس يوم غسيل الكعبة، حيث كان الملك عبد العزيز يشرف على تلك العملية، والتي تتم بغسيل أرضيتها الداخلية بماء زمزم، ثم تعطر بعطر الورد والذي تشتهر مدينة الطائف بإنتاجه.

وفي مذكراتها التي نشرتها في بريطانيا عام 1934 قدمت وصفًا للمسجد الحرام، وأروقته، والكعبة المشرفة، والطواف وبئر زمزم، والحجر الأسود، وما يفعله الحاج لحظة دخوله البيت الحرام من طواف وسعي، كما وصفت يوم الوقوف على جبل عرفات بقولها: «في ذلك اليوم العظيم يحتاج الأمر إلى قلم بليغ؛ ليصف ذلك المشهد، بما فيه من جموع غفيرة سلموا أمرهم لإرادة الله، والذين كنت بينهم، ضائعة في ذلك الزحام».

5- مراد هوفمان: يكشف عن المعاني الخفية للحج

أدى المستشرق الألماني «مراد هوفمان» الحج لأول مرة عندما أسلم في بداية الثمانينات، ولكنه لم يدون تلك التجربة، وإنما قام برواية تفاصيل رحلة حجه الثانية والتي كانت في بداية التسعينيات، وسرد فيها تأملاته حول هذه الفريضة، ونشرها في كتاب بعنوان «الطريق إلى مكة».

ويصف «هوفمان» لحظات الإحرام في الطائرة بقوله: «تقترب رحلة الطائرة من نهايتها ويعلن قائدها قبل هبوطها بنصف ساعة أننا سنطير فوق منطقة الحرم حول مكة وهي منطقة لا يدخلها الحاج حتى وإن كان محلقًا في الفضاء إلا بملابس الإحرام، وكان هذا الإعلان بمنزلة تنبيه لكل من عقد العزم والنية على أداء فريضة الحج وبدء مناسكه، لكي يرتدي ملابس الإحرام، ولم تلبث مقاعد الركاب أن أشرقت في الحال وتلألأت ببياض مبهر».

وبعد وصوله إلى مكة أثارت إعجابه السلوكيات التي يلتزم بها الحجاج وعبر عن ذلك قائلًا: «عندما تحاول سيارات الأجرة الفارهة، التي تقل بعض الحجاج، اختراق حشود المسلمين، لا تسمع كلمة غاضبة، ولا تصدر إشارة قبيحة، ولا أحد يضرب بيده على السيارة حقدًا على أصحابها، ويبقى الانضباط والالتزام بهذا السلوك من جانب هذا الحشد من المسلمين مثيرًا للدهشة».

ومن وجهة نظر «هوفمان» فإن العقيدة الإسلامية تتميز بالوضوح والبساطة وخلوها من التعقيد الموجود في العقائد والمذاهب الأخرى، ويظهر ذلك في طريقة بناء الكعبة والتي وصفها بأنها: «مكعب مجوف خالٍ تمامًا، مبني بأحجار ضخمة، ولذلك فهو صورة معمارية لكمال بيت الله في أبسط صورة، بعيدًا عن التعقيد الذي يبدو في الفن القوطي وفن الروكوكو».

ومن أهم التأملات التي كتبها كانت عن الطواف والذي رآه بأنه: «شديد الجمال؛ فالكعبة تبدو مركزًا ثابتًا لا يتحرك لاسطوانة تدور ببطء وفي سكون تام في اتجاه مضاد لاتجاه عقارب الساعة، ولا يتغير هذا المشهد إلا عند الصلاة؛ حيث تصير الكعبة مركزًا لدوائر عديدة متحدة المركز، تتكون من الآلاف من أجسام ناصعة البياض لأناس يرغبون في شيء واحد، ويبحثون عن شيء واحد، ويفعلون شيئًا واحدًا؛ رمزًا لتسليم النفس إلى بارئها».

وأطال «هوفمان» الوقوف عند يوم عرفة باعتباره الأساس في مناسك الحج وقال عنه: «كان يومًا طويلا رائعًا، كان يومًا للتأمل وللسلام، يومًا للصلاة، وللأحاديث القيمة. لم أكن – منذ كنت أمارس التمارين الجيزويتية في سنوات الصبا – قد عايشت مثل هذا التوجه الكامل إلى الله بكل هذا الصفاء الداخلي الباهر، فلا شيء يوم عرفة سوى مناجاته؛ وهنا يتجسد نداؤنا الدائم: لبيك اللهم لبيك. هذا إذن هو معنى الوقوف بين يدي الله بعرفات، ملايين من الناس يَتَّشِحون بأكفان، ويتركون في هذا اليوم كل شيء وراء ظهورهم، فوجودهم اليوم مكرّس لله وحده يتوقعون موتهم، يصلون ويتضرعون في خشوع ويقين لم يحدثا من قبل، ولن يحدثا في الغالب من بعد».

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد