أصبحت «الحرب» كلمة يسمعها أغلبنا يوميًّا، كلمات مثل: الحرب العالمية، الحرب الباردة، الحرب النووية؛ كل هذه العبارات أصبحت تتردد في وسائل الإعلام ونتداولها في نقاشاتنا. صارت الحرب جزءًا لا يتجزأ من تاريخ البشرية ومن ممارسات حياتنا.

السؤال هنا: هل لدى الناس، أو ربما الذكور منهم فقط، نزعة لقتل أعضاء الجماعات الأخرى؟ نحن لا نقصد هنا مجرد القدرة على القتل، ولكن «النزعة الفطرية» لحمل السلاح، وتوجيه أنفسهم نحو العنف الجماعي؟

يجعل الوضع الحالي الكثير منا يعتقد أن الإنسان ولد وفي جيناته تلك النزعة للقتل الجماعي وافتعال الحروب والانقضاض على الآخرين. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.

نظريتان عن نشأة الحرب

يفسَّر علماء الأنثروبولوجيا الجذور التاريخية للحرب من خلال نظريتين:

  • تقول النظرية الأولى إن الحرب هي نزعة فطرية للقضاء على أي منافسين محتملين. وفي هذا السيناريو، يُعتقد أن البشر كانوا يشنون الحروب دائمًا، على طول طريق العودة إلى أسلافنا.
  • ترى النظرية الثانية أن النزاع المسلح لم يظهر إلا خلال بضع آلاف السنين الأخيرة، حين توفرت المجتمعات المنظمة والموارد، الضروريتان للقتل الجماعي.

إذا كانت الحرب تعبر عن نزعة فطرية، كما في النظرية الأولي، فعلينا أن نتوقع العثور على دليل على وقوع الحرب في المجتمعات الصغيرة في سجل ما قبل التاريخ.

يدعي أصحاب هذه النظرية أننا وجدنا بالفعل مثل هذه الأدلة، إذ يذكر هؤلاء الباحثون أنه عند وجود أثر لأي مجتمع على وجه الأرض، فسنجد دائمًا دليلًا على وجود حرب. ويقولون أيضًا إن نسبة 25% من الوفيات التي وقعت بسبب الحرب هو تقدير متحفظ.

إذا كانت نظرية هؤلاء صحيحة، يجادل علماء النفس التطوريون بأن الحرب هنا كانت بمثابة آلية للانتقاء الطبيعي؛ يسود فيها الأصلح للسيطرة على الموارد وعلى الشركاء من البشر.

علوم

منذ سنة واحدة
«إنسان العصر الحجري» لم ينقرض.. قبيلة هندية ما تزال تحيا حياة الإنسان البدائي

على سبيل المثال، يجادل برادلي ثاير، الباحث في العلاقات الدولية، بأن نظرية التطور تفسر سبب تحول الميل الغريزي لحماية القبيلة – بمرور الوقت – إلى ميول جماعية نحو كراهية الأجانب والنزعة العرقية في العلاقات الدولية.

لكن علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الآثار في الطرف الآخر يتحدون هذا الرأي؛ فيقولون إن البشر لديهم قدرة واضحة على الانخراط في الحروب، لكن أدمغتهم ليست قوية لتحديد وقتل الغرباء المتورطين في الصراعات الجماعية.

وفقًا لهذه الحجج، ظهرت الهجمات الجماعية المميتة فقط عندما نمت مجتمعات الصيد والجمع من حيث الحجم والتعقيد، وبعد ذلك مع ولادة الزراعة.

ويسمح لنا علم الآثار بتحديد الأوقات، وإلى حد ما، الظروف الاجتماعية التي أدت إلى نشوء الحروب وتكثيفها، وذلك من خلال الملاحظات التي جمعها الباحثون عن ثقافات الصيد والجمع المعاصرة.

متى بدأت الحرب؟

للإجابة عن السؤال، يجب أولاً تعريف الحرب. وفقًا لقاموس «ميريام ويبستر»، فإن الحرب هي «حالة نزاع مسلح معادٍ، يكون عادة مفتوحًا ومعلنًا، بين الدول أو الأمم».

يساعدنا هذا التعريف في تضييق النطاق حول الوقت الذي اخترع فيه البشر الحرب. إذا كنا نتحدث عن دول أو أمم، فيجب أن نركز على الحضارات المبكرة. قبل الحضارة، كان جميع البشر قبليين، ولم يتمكن البشر من بناء الموارد اللازمة للحرب إلا بعد أن طوروا الزراعة والاستقرار.

في البحث عن أصول الحرب، يبحث علماء الآثار عن أنواع من الأدلة. الأول المرتبط بالرسومات على جدران الكهوف.

تُظهر لوحات الكهوف من العصر الحجري القديم في فرنسا، التي يعود تاريخها إلى ما يقرب من 25 ألف عام، ما يعتقد بعض العلماء أنه حراب تخترق الناس، مما يشير إلى أن الناس كانوا يشنون الحرب في العصر الحجري القديم المتأخر. لكن هذا التفسير محل خلاف.

في المقابل، تظهر اللوحات الجدارية في شبه الجزيرة الأيبيرية، التي رسمها على الأرجح المزارعون المستوطنون بعد آلاف السنين من تلك الموجودة في فرنسا، المعارك وعمليات الإعدام.

الأسلحة هي أيضًا دليل على الحرب، لكن هذه القطع الأثرية قد لا تكون بهذا الوضوح. اعتاد بعض العلماء قبول الصولجان دليلًا على الحرب، لكنه قد يرمز أيضًا إلى السلطة، ويمكن للحكم الراسخ أن يوفر طريقة لحل النزاع دون اللجوء إلى الحرب.

Embed from Getty Images
قطع أثرية من العصر الحجري الحديث.

من ناحية أخرى، من الممكن تمامًا خوض الحرب بدون أسلحة تقليدية، ففي جنوب ألمانيا حوالي 5 آلاف عام قبل الميلاد، قُتل القرويون بأدوات تستخدم في قطع الأخشاب.

إذا عدنا لتعريف الحرب السابق، فربما يمكننا استبعاد الكثير من هذه الأدلة، لأن الحرب هي صراعات مفتوحة بين الدول والأمم، وبالتالي فهي مرتبطة بقيام الحضارة.

بالتأكيد كانت هناك صراعات بين البشر قبل الحضارة، ومن المحتمل أن تكون القبائل قاتلت بعضها بعضًا، أو أن الصراعات الداخلية داخل القبيلة انتهت بمواجهة جسدية. لكن في حين أن تلك الصراعات قد تكون عنيفة بطبيعتها، فإنها لا تتوافق مع تعريف الحرب.

يقول العديد من علماء الآثار إن الحرب ظهرت في بعض المناطق خلال العصر الحجري الوسيط، والتي بدأت بعد انتهاء العصر الجليدي الأخير حوالي 9700 عام قبل الميلاد، عندما استقر الصيادون الأوروبيون وطوروا مجتمعات أكثر تعقيدًا. لكن في الحقيقة لا توجد إجابة بسيطة.

ظهرت الحرب في أوقات مختلفة في أماكن مختلفة. اتفق علماء الآثار على مدى نصف قرن على أن الوفيات العنيفة المتعددة في جبل الصحابة على طول نهر النيل في شمال السودان حدثت حتى قبل ذلك، حوالي 12 ألف سنة قبل الميلاد، وسببها المحتمل هو قيام منافسة شديدة بين مجموعات الصيادين وجامعي الثمار المستقرة في منطقة كانت غنية بمصادر الغذاء الآخذة في الانخفاض، وهو ما أدى إلى نشوب صراع.

الأسباب الأولى لاشتعال الحروب

بغض النظر عن أي من هذه التواريخ هو الأدق، لكن المؤكد أن فكرة الحرب والصراعات الدامية الجماعية هي أمر حديث، بدأ الإنسان بممارسته مقارنة بعمره على سطح الأرض.

بحسب أغلب العلماء، ظهر البشر (الإنسان المنتصب)، منذ ما بين 1.5 و2.5 مليون سنة، وهو الوقت الذي يتزامن تقريبًا مع بداية العصر الجليدي (البليستوسيني) قبل 2.6 مليون سنة، ونظرًا إلى أن العصر الجليدي انتهى قبل 12 ألف عام فقط، فإن معظم التكيفات البشرية تطورت حديثًا بعد هذا العصر نتيجة اختلاف الظروف، وتحول الإنسان إلى الصيد الجماعي، ثم تعلم الزراعة واستئناس الحيوانات. وبالتالي فالحرب ليست فطرة غريزية في البشر.

عادًة ما ينظر إلى هذه الفترة، نهايات العصر الجليدي وبدايات معرفة الزراعة، على أنها فترة منافسة شديدة، عندما كانت الحياة تشبه حلبات المصارعة، فبرزت السمات التي أعطت الناس ميزة البقاء على قيد الحياة، لأن الموارد والغذاء لم يعودا متوفرين كما اعتاد الإنسان طوال قرابة المليوني عام.

ولأن بقاء الناس يعتمد على الوصول إلى الموارد، مثل الأنهار والغابات والحيوانات، فلا بد من ظهور تنافس وصراع بين الجماعات البشرية، مما أدى إلى تطوير سمات مثل العنصرية والحرب.

Embed from Getty Images
نقش أثري لعربة حربية من الحضارة السومرية.

تشير المستوطنات والأسلحة والمدافن في شمال نهر دجلة إلى حرب تشمل قرى مستوطنة من الصيادين وجامعي الثمار، بين 9750 و8750 قبل الميلاد.

في مكان قريب، وقعت أقدم تحصينات القرى المعروفة بين المزارعين في الألفية السابعة، ووقع الفتح الأول لمركز حضري بين عامي 3800 و3500 قبل الميلاد. بحلول ذلك التاريخ، كانت الحرب شائعة في جميع أنحاء الأناضول، وانتشرت جزئيًّا عن طريق قهر المهاجرين من شمال دجلة.

تشمل الشروط المسبقة التي تجعل الحرب أكثر احتمالية، التحول إلى حياة أكثر استقرارًا، وتزايد عدد سكان المنطقة، وتركيز الموارد القيمة مثل الثروة الحيوانية، وزيادة التعقيد الاجتماعي والتسلسل الهرمي، والتجارة في السلع عالية القيمة، وإنشاء حدود جماعية، والهويات الجماعية.

ضع هذا مع مشهد التغيرات البيئية الشديدة التي ربما تحدث في بعض المناطق، وستحصل على صورة متكاملة لسبب نشوب الحروب، وبالتالي فالحرب ارتبطت ببساطة ببدايات استقرار الإنسان حول الموارد المهمة في وقت نقصت فيه الموارد نقصًا واضحًا.

أول حرب مسجلة في التاريخ

تختلف عدة مصادر حول الحرب الأولى المسجلة في التاريخ. لوقت ما كان هناك اعتقاد أن أول حرب مسجلة هي معركة مجدو، التي وقعت في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، بين القوات المصرية تحت قيادة الملك الفرعوني، تحتمس الثالث، والكنعانيين بقيادة الملك قادش.

تعد هذه الحرب عند بعض المؤرخين أول معركة مسجلة في وثائق مقبولة تاريخيًّا، وهي أول معركة يحصى فيها عدد القتلى، وجميع تفاصيل المعركة تأتي من مصادر مصرية، وبشكل رئيسي الكتابات الهيروغليفية على جدران قاعة الحوليات في معبد آمون رع في الكرنك.

تاريخ وفلسفة

منذ شهرين
«الكل يبحث عن مصلحته فقط».. هل حقًّا الإنسان أناني بطبعه؟

لكن هناك مصادر أخرى تشير إلى أن الحرب الأولى في التاريخ المسجل وقعت في بلاد ما بين النهرين عام 2700 قبل الميلاد بين السومريين (في العراق) والعيلاميين (في إيران). وهزم السومريون، تحت قيادة الملك إين مي باراكي سي، العيلاميين.

كانت منطقة سومر تنظر تقليديًّا إلى حضارة عيلام على أنها «الدولة الأخرى» أو «الأشخاص الآخرين»، كما لو كانوا سكان شمال السور في مسلسل صراع العروش الشهير، لدرجة أنه في فترة لاحقة من تاريخ سومر (2047- 1750 قبل الميلاد) شيد الملك شولجي سورًا عظيمًا للحفاظ على سومر من العيلاميين.

في النهاية، فإن الاستنتاج الرئيسي من كل ما سبق هو أن الحضارة هي التي جلبت لنا الحروب، كما جلبت لنا الازدهار.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد