قال أوسكار وايلد ذات مرة: «ربطة العنق الجيدة هي الخطوة الأولى الجادة في الحياة»، ويقال أيضًا أرني ربطة عنقك، أقل لك من أنت. ومع أنها قد تبدو قطعة صغيرة من القماش لا تحمل الكثير من الأهمية، ولكنها تحمل في طياتها تاريخًا طويلًا، تتخلله أحداثًا مثيرة. 

من ارتدائها ضمن الزي العسكري، والإعدام بها شنقًا، إلى الرواج بين الطبقات الأرستقراطية ومنها إلى عامة الشعب، وظهور موديلات تحمل توقيع كبار مصممي الأزياء. نسرد لكم في السطور التالية التاريخ المثير لربطة العنق.

ربطة العنق في التاريخ العسكري

تملك ربطة العنق جذورًا في التاريخ العسكري؛ ويظهر ذلك في الآثار التي عُثر عليها لبعض الجنود الرومان والصينين، مثل جيش «التيراكوتا» الصيني، الذي اكتُشف عام 1974، ويتضح من خلاله الأزياء التي ارتداها الجنود الصينيون منذ أكثر من ألف عام، وقد بدا أن جيش إمبراطور الصين الأول الذي أمر بدفن هذا الجيش معه عندما يموت، ليكون في خدمته في حياته الثانية، وحماية مقبرته، كان يرتدي قطعة من القماش حول العنق.

ولكن على ما يبدو أن ذلك الجيش كان الوحيد في تاريخ الصين، الذي ارتدى بعض جنوده قطعة قماش حول الرقبة؛ إذ لا توجد تماثيل أخرى معروفة للجنود الصينيين أو الصينيين عامةً يرتدون قطعة القماش تلك في ذلك الحين. لذلك يعتقد المؤرخون أن روابط العنق تلك ربما تكون قد استخدمت حينها كعلامة لتشريف جيش الإمبراطور.

وتظهر ربطة العنق أيضًا في التاريخ العسكري الروماني، إذ يُظهر عمود تراجان في مدينة روما الإيطالية، الذي شُيّد في حوالي عام 113م، آلاف الجنود وهم يرتدون أنماطًا مختلفة من ربطات العنق. وكما هو الحال مع الصينيين، لا يوجد سجلات أخرى لجنود رومانيين آخرين يرتدون أربطة العنق في ذلك الوقت. وبالتالي، يُعتقد البعض أنها كانت أيضًا علامة شرف تُميز المقاتلين الاستثنائيين.

تاريخ وفلسفة

منذ 7 شهور
10 حقائق عن تاريخ الصين.. ربما لا تعرف بعضها

وإذا ما ذهبنا خارج دائرة العسكريين، نلاحظ وجود فئات أخرى من الرومان والتي كانت ترتدي أربطة العنق كجزء من زي، أو رمز انتماء لجماعة معينة. وأيضًا كان الخطباء في مجلس الشيوخ في روما يرتدون أربطة عنق تشبه الوشاح؛ من أجل تدفئة الحلق وحفاظًا على أوتارهم الصوتية.

كيف مهدت حرب الثلاثين عامًا لظهور ربطة العنق الحديثة؟

خلال العصور الوسطى، ظهر مثال آخر على ارتداء ربطة العنق في محيط عسكري. في أوائل الثلاثينات من القرن 17، خلال حرب الـ 30 عامًا (1618 – 1648)، شكلت القوات العسكرية الكرواتية وجنودها مصدرًا لا ينضب لساحات المعارك الأوروبية الأخرى، وكان يمكن التعرف عليهم بسهولة بسبب الأوشحة التي يرتدونها حول أعناقهم. ومنذ عام 1635، خدم الجنود الكرواتيون أيضًا في فرنسا، وقدموا الدعم للملك الفرنسي لويس الثالث عشر. 

كان الكروات يرتدون مناديل أوشحة ملونة كجزء من ثوب المعركة الكرواتي الرسمي، ملفوفة على العنق بنفس الطريقة التي تُلف بها ربطة العنق اليوم. وكانوا يستخدمونها لمسح العرق والدماء، وتنظيف الأسلحة. وكان الجنود العاديون يرتدون الأوشحة المصنوعة من مواد خشنة، في حين كان يرتدي الضباط الأوشحة المصنوعة من القطن الناعم أو الحرير، ويقال أيضًا إن النساء كُن يُعلقنها في أعناق أزواجهن وأحبائهن، قبل ذهابهم لجبهات القتال. 

جذبت تلك الأوشحة أنظار شركائهم الفرنسيين، الذين اعتادوا على ارتداء الياقات المكشكشة المصنوعة من الدانتيل، والتي تستغرق وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا في تنظيمها، ورأوا أن تلك الربطة أكثر عملية، ويمكنها حماية قمصان وأزرار الجنود. ومع وصول لويس الرابع عشر إلى الحكم، بدأ في ارتداء ربطة العنق تلك لكونها أكثر عملية وأناقة، وبعد ذلك لاقت تلك الربطة رواجًا في فرنسا، وبدأ الأفراد العسكريون، والحاشية الفرنسية، والمواطنون العاديون يرتدون ربطات العنق بألوان وأقمشة مختلفة، وقد انتقل هذا التقليد من فرنسا إلى باقي الدول الأوروبية.

لايف ستايل

منذ سنتين
صُنع خصيصًا للرجال وليس النساء.. قصة ظهور الكعب العالي وتطوره
 

ويرجع أصل كلمة «كرافات» الفرنسية إلى كلمة «كروات». وخلال حرب الثلاثين عامًا الأوروبية كانت ربطة العنق وسيلة لإعدام الجنود الكروات؛ إذ كان يجري شنقهم من ربطات العنق التي كانوا يرتدونها، ومن هنا جاء أصل الكلمة الإنجليزية (necktie)، والتي تعني بالعربية ربطة عنق.

تطور ربطات العنق عبر العقود

«تُشبع ربطات العنق رغبة الرجل العصري في ارتداء ثيابه بطريقة فنية». هاري أندرسون

سرعان ما انتشرت ربطة العنق في كل بلدان أوروبا، وانتقلت منها لتغزو كل أرجاء العالم، وقد حفزت الثورة الصناعية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ظهور ربطة العنق التي نعرفها اليوم، وحتى القرن التاسع عشر، كانت ربطات العنق بيضاء، لكن الإنجليز عملوا على تغيير أنماطها وطرق غزلها، وقدموا ربطات ملونة يستطيع كل من يرتديها إبراز ذوقه، وأسلوبه المميز من خلالها.

وكان التنوع والابتكار في طريقة لف ربطة العنق سمة العصر، وظهرت كتب تسخر من مدى تعقيد بعض تلك اللفات مثل كتاب « The Neckclothitania» الذي نُشر في عام 1818، وعلى الجانب الآخر، ظهر في عام 1828 كتاب «فن عقد ربطة العنق»، الذي اشتمل على 16 درسًا يوضحون 32 أسلوبًا مختلفًا لعقد ربطات العنق.

وفي عام 1924 برزت الحاجة إلى إعطاء قطعة القماش هذه شكلًا عمليًا مريحًا وأنيقًا، فقامت شركة جيسي لانجسدورف – شركة منسوجات أمريكية – بخطوة ثورية من خلال قطع النسيج إلى ثلاثة أجزاء، ثم خياطته مرة أخرى، بطريقة جعلت من الأسهل ربطه وتصنيعه لتظهر ربطة العنق بشكلها الحالي تقريبًا، وأضاف الإيطاليون عناصر فنية جديدة، تبرز شخصية الشخص الذي يرتديها.

وخلال العقود الماضية احتفظت ربطة العنق بشكلها الكلاسيكي، وإن تغير السبب الذي يدفع الرجال إلى ارتدائها؛ فلم تعد دليلًا على الوجاهة والمكانة الاجتماعية، والمادية مثلما كانت في الماضي، وإنما أصبحت وسيلة من وسائل الزينة يستخدمها الرجال من كل الأوساط والطبقات، حسبما يقول عالم النفس الفرنسي فرانسوا شيل في كتابه «ربطات العنق».

وأصبح هناك نحو 85 طريقة نظرية لعقد ربطة العنق، ومن ربطات العنق الرسمية ربطة «الفراشة» أو «البابيونة»، وربطة الشال الحريري العريض الذي يلفّ حول العنق من داخل الياقة، ويتدلى طرفه تحت القميص، ويعود أصل هذا الشكل إلى ما يعرف بـ«الفولار»، وهو في الأساس من ربطات عنق الكشافة، ويستخدمه الرجال والنساء على حدّ سواء، وكان من عادة رعاة البقر في أمريكا أيضًا لف شريط جلدي حول أعناقهم، تحت ياقة القميص بعقدة معدنية ظاهرة تتدلّى فوق الصدر.

ويقول شيل أيضًا أن طريقة ربط ربطة العنق تحكي الكثير عن شخصية صاحبها، ويسرد في كتابه بعض دلالات ألوانها ورسوماتها؛ فهذه تدل على القوة، وتلك على الرغبة في السيطرة، وأخرى تنم عن شخصية مرحة واجتماعية.

وفي عالم ربطات العنق، تشتهر الماركات الإيطالية، ثم الفرنسية، وتتجدد موضة ربطة العنق وتظهر منها موديلات مختلفة في عروض الأزياء العالمية، تتنوع في ألوانها وزخارفها، وفي طولها وعرضها بين القصيرة والطويلة، والرفيعة والعريضة. وبدأت تأخذ توقيعات كبار مصممي الأزياء العالميين، وأُدخلت عليها بعض الإكسسوارات مثل: الدبوس الذهبي. 

لايف ستايل

منذ سنتين
كان أسوَدَ في البداية.. قصة ظهور فستان الزفاف الأبيض

كذلك، دخلت ربطة العنق إلى عالم أزياء النساء، وظهرت موديلات نسائية ارتدتها النجمات وسيدات المجتمع في مناسبات رسمية. وفي 18 من أكتوبر (تشرين الأول)، يُحتفل بيوم ربطة العنق العالمي في كرواتيا، وفي مدن مختلفة حول العالم.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد