في مساء يوم الأحد الماضي الموافق 12 يونيو (حزيران) 2016 خرجت وسائل الإعلام الأمريكية لتعلن مقتل 49 شخصًا وإصابة 53 آخرين في هجوم مسلح على ملهى ليلي للمثليين في أورلاندو بفلوريدا، الحادث الذي يعد أسوأ هجومٍ مسلح شهدته الولايات المتحدة في تاريخها الحديث وفقًا للرئيس الأمريكي باراك أوباما.

لا يزال الحادث هو المسيطر عل وسائل الإعلام العالمية والمحلية، فللحادث توابع كثيرة وتحليلات أكثر ويفتح العديد من النقاشات على مصراعيها. فبدايةً بالانتخابات الرئاسية الأمريكية والتي تنحصر المنافسة فيها بين هيلاري كلينتون وزير الخارجية السابقة عن الحزب الديمقراطي، ورجل الأعمال المدعوم من الحزب الجمهوري دونالد ترامب.

الأمر الذي استدعى العديد من المناقشات أبرزها دور الإسلام في الولايات المتحدة واندماج المسلمين والرعيل الثاني من المهاجرين في المجتمعات الغربية.

مرورًا بالحديث حول تعديلات لقوانين حمل السلاح في الولايات المتحدة، فبعد مذبحة ساندي هوك والتي راح ضحيتها 23 شخصًا غالبيتهم من الأطفال بعد هجوم مسلح على مدرستهم قام به شخص مصاب بالتوحد، خرج الرئيس باراك أوباما في خطاب مؤثر دَمعت فيه عيناه مشيرًا إلى أن ذلك لن يتكرر، وهو ما لم يحدث، فمنذ حادثة ساندي هوك وحتى مذبحة المثليين في أورلاندو حدث 998 هجومًا مسلحًا.

علاوة على ذلك، إستراتيجية تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» الجديدة بدعم «الذئاب المنفردة» في التغريد وحيدةً في الغرب، فهجوم أورلاندو هو الهجوم الثالث الذي يحدث في أمريكا ويتبناه تنظيم داعش بعد هجوم تكساس وهجوم كاليفورنيا، فهل تغيرت إستراتيجية التنظيم نحو الغرب من التنفيذ المباشر إلى دعم الذئاب المنفردة؟

 

  

في هذا التقرير نستعرض النقاط الثلاث المذكورة، وأولها:

الانتخابات الرئاسية الأمريكية بعد هجوم أورلاندو.. في صالح هيلاري أم ترامب؟

 

الحوادث المماثلة غالبًا ما تكون فرصة ذهبية لكسب تأييدٍ شعبي أكبر والظهور بصورة البطل الوطني، وفي هذه الحالة وعلى بعد أشهر من الانتخابات الرئاسية الأمريكية والتي تنحصر المواجهة فيها بين اثنين وُصِفا بأنهما ليسا على تطلعات الأمريكيين. فمنفِّذ الهجوم، عمر متين، الأمريكي المسلم ذو الـ28 عامًا والذي تعود أصوله لأسرة أفغانية والذي أردته قوات الأمن قتيلًا من جراء اقتحامها للملهى، هو التركيبة الممتازة لكي يُثبت دونالد ترامب صحة أفكاره حول المسلمين ولكسب تأييد قطاع عريض ممن لم يقوموا بتحديد وجهةٍ لهم.

ففور الحادث خرج ترامب بتغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر لكي يثبت صحة وجهة نظره قائلًا: «لقد كنت محقًا بشأن الإرهاب الإسلامي المتطرف»، وطالب أوباما بتقديم استقالته إن لم يذكر في خطابه المرتقب بعد الحادث صراحةً أن الحادث سببه الإرهاب الإسلامي المتطرف، وطالب على حد تعبيره بجحيم أسوأ بكثير لما سماه بالإرهاب الإسلامي المتطرف.

ولدونالد ترامب باع طويل في التصريحات التي تتنوع بين العنصرية والتحريض والمطالبة بإقصاء المسلمين، فمن أشهر مقترحاته أن يتم تمييز المسلمين بشارات صفراء وكذلك منازلهم، وله تصريحات أخرى تطالب بطرد المسلمين من الولايات المتحدة الأمريكية ومنع دخول آخرين إليها، غير حادث التعدي على سيدة مسلمة أثناء حضورها أحد مؤتمراته الانتخابية!

أما عن هيلاري كلينتون، فغردت عدة تغريدات، الأولى جاء فيها إعرابها عن قلقها على ضحايا الحادث معلنةً انتظارها لنتائج التحقيق الرسمية دون توجيه الاتهامات جزافًا، وبعد ظهور المعلومات الأولية تناولت تغريدات هيلاري عدة محاور ليس من ضمنها توجيه اتهامات للمسلمين وللإسلام وتحميلهم مسؤولية الحادث، ولكنها في بيان لها أصدرت وعدًا بحل مسببات الحادث الرئيسية، كالإرهاب وحقوق الأقليات متضمنة حقوق المثليين جنسيًا وتقنين تداول الأسلحة.

ووفقًا لصحيفة الواشنطن بوست في تحليل لها عن طريقة تعاطي كل من ترامب وكلينتون مع حادث أورلاندو، تحدثت فيه مع ستيورات ستيفينز كبير الإستراتيجيين في حملة ميت رومني الانتخابية في الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2012، وصف رد فعل ترامب بالصبيانية، وقال إن ترامب يثبت كل يوم عدم قدرته على أن يكون رئيسًا للولايات المتحدة موضحًا إنه في الوقت الذي تتلقى فيه 49 أسرة التعازي في أحبائهم ينتهز ترامب الفرصة للاستفادة من الحادث ويستقبل التهاني.

وفي التقرير ذاته، قال أحد أكبر حلفاء دونالد ترامب والذي يشغل منصب رئيس مجلس النواب نيوت جريجوريتش، أن رد فعل ترامب هو رد فعل تلقائي من مواطن أمريكي متأثر بالحدث وشدد على أنه يجب التعامل بصرامة مع هؤلاء الناس ومستبعدًا العيش معهم في سلام وهدوء، قاصدًا المسلمين في حديثه.

وفي آخر استطلاع للرأي أجري لرويترز/ إبسوس، لقياس من المتقدم بشكل مبدئي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية؛ تفوقت هيلاري كلينتون على دونالد ترامب بأكثر من 10%، شمل الاستطلاع 1421 شخصًا في الفترة ما بين 31 مايو وحتى 3 يونيو، وفي استطلاع آخر لـ«سي إن إن» أن 54% يؤيدون هيلاري كلينتون في مقابل 41% يؤيدون دونالد ترامب.

لكن بعد المذبحة التي أثارت موجه عارمة من الغضب يمكنها أن تقلب الموازين.

تقنين تداول السلاح في الولايات المتحدة.. من يقف ضد التعديلات؟

 

  

لطالما مثلت الهجمات المسلحة التي يُستخدم فيها السلاح خطرًا على المجتمع الأمريكي وكانت وما زالت نقطة خلافية لم يتم البت فيها حتى اليوم. فوفقًا لإذاعة صوت أمريكا، فمنذ بداية عام 2016 وقع 133 هجومًا مسلحًا استخدم فيه السلاح بشكل مكثف، وفي التقرير الذي نُشر على موقع الإذاعة الإلكتروني قسّم عدد أيام عام 2016 منذ بدأه، فوقع 133 هجومًا مسلحًا في 76 يومًا!

وخلَّفت هذه الهجمات 207 أشخاص، ووفقًا لمؤسسة«Gun Violence Archive»  (أرشيف العنف المسلح) غير الهادفة للربح والمعنية برصد الهجمات المسلحة، فالهجوم المسلح هو أي هجوم يتم استخدام السلاح فيه ويستهدف أكثر من أربعة أشخاص سواء قُتلوا أو أصيبوا باستثناء العنف المنزلي وحروب العصابات والشرطة، وهو التعريف نفسه الذي تستخدمه المباحث الفيدرالية الأمريكية ««FBI، ووفقًا لتقرير الإذاعة الأمريكية فمنذ بداية العام وقع 15 هجومًا مسلحًا في فلوريدا وحدها، تليها كاليفورنيا بـ14 حادثًا ثم إلينوي بـ11 حادثًا.

ومن ضمن الحوادث الـ15 في فلوريدا وقع منهم أربعة في أورلاندو.

وفي يوم 20 فبراير وقعت خمس حوادث هجوم مسلح في أماكن متفرقة مخلفة وراءها 10 قتلى و15 مصابًا. وتعد حوادث الهجوم المسلح جزءًا من مشكلة العنف الأمريكي المتضمنة للسلاح، فالموت من جراء حوادث الهجوم المسلح جزء صغير من عمليات إطلاق النيران، فوفقًا لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها ففي 2013 وحدها مات 33,636 شخصًا من جراء حوادث إطلاق للنيران أي بمعدل 92 قتيلًا يوميًا!

ووفقًا لموقع متتبع لحوادث الهجمات المسلحة فإن 502 شخص فقط من الـ33 ألفًا ماتوا من جراء هجمات مسلحة أما الباقون فبين عنف منزلي مسلح وجرائم قتل وبين حوادث انتحار. فنسبة حوادث القتل باستخدام الأسلحة النارية في الولايات المتحدة تفوق كندا بستة أضعاف، وسبعة أضعاف السويد، و16 ضعفًا لمثيلتها في ألمانيا وفقًا لبيانات الأمم المتحدة والتي جمعتها صحيفة الجارديان.

واحتدم الصراع بين الكونجرس والرئيس أوباما عدة مرات حول هذا الشأن بعد كل حادث من حوادث الهجمات المسلحة، ولكن في كل مرة كان يعارض الكونجرس أي تعديلات أو تغيرات من شأنها إحداث تغيير جذري يقنن من تداول السلاح، فالرابطة الوطنية للبنادق وحلفاؤها في الكونغرس اتخذت موقفًا متشددًا من فرض قيود على تداول الأسلحة. فهم يعتقدون إنه حتى القوانين القليلة تهدف لجعل الأمر أكثر صعوبة للحصول على الأسلحة النارية، أو حتى لمعرفة ما يمكن عمله لوقف العنف المسلح، ويرونها انتهاكات غير مقبولة على الحرية الفردية. ولديهم ما يكفي من القوة واللوبي في الكونجرس لجعل العمل على السيطرة على السلاح مستحيلًا.

من بين هذه الهجمات المتعددة والتي وقعت منذ حادثة ساندي هوك في ديسمبر 2012، تقريبًا خمس حوادث فقط تورط فيها مسلمون، ثلاثة منهم أعلنوا ولاءهم لداعش، لم يُطلق لفظ حادث إرهابي إلا في تلك التي تورط فيها أو اشتُبِه في أن مرتكبيها مسلمون.

هل يكتفي «تنظيم الدولة» بدعم الذئاب المنفردة في الغرب بعد الخسائر التي مُنِي بها في سوريا والعراق؟

 

الحادث الذي وقع في أورلاندو هو الحادث الثالث في الولايات المتحدة الذي تعلن «داعش» مسؤوليتها عنه، فأول حادث كان حادث تكساس والذي وقع في معرض لرسم النبي محمد كانت تترأسه باميلا جينير، ولم يسفر عن وقوع قتلى غير منفذي الهجوم، للمزيد اقرأ هنا.

والحادث الآخر هو حادث كاليفورنيا والذي وقع في ديسمبر من العام الماضي عندما فتح سيد فاروق وزوجته تشافين مالك، النار على مركز لذوي الاحتياجات الخاصة والذي كان يعمل به فاروق في كاليفورنيا، مخلفين وراءهم 14 ضحية كانوا مقيمين بالمركز، وأشارت التحقيقات إلى أن زوجته كانت قد بايعت وأعلنت ولاءها لداعش.

والحادث الثالث هو حادث أورلاندو، الحادث الذي يعطي مفاهيمَ جديدة حول إستراتيجية التنظيم، فحادث تكساس على سبيل المثال كان منفذوه من المحبين ومتابعي التنظيم عبر الإنترنت وقاموا بالعملية دون ترتيب مسبق مع أي من قيادات التنظيم ولكنها كانت المرة الأولى التي يخرج فيه التنظيم ويُثني على «أسود الخلافة» الذين هاجموا المركز الذي يُسب فيه الرسول على حد وصف كلمتهم الصوتية التي بُثَّتْ على إذاعة البيان.

أما حادث أورلاندو، فمنفذ الهجوم لم يكن مسلمًا متدينًا ولكنه كان سكيرًا وهناك شكوك حول تفضيلاته الجنسية وزوجته الأولى أكدت مثليته، ووصفه رواد المهلى الذي نفذ فيه الهجوم بأنه «زائر معتاد» للملهى، فماذا تغير في فكر التنظيم يجعلهم يتبنون مثل هذا الحادث وهم لطالما عملوا على الحفاظ على صورة «المجاهدين» الذين يقومون بمثل هذه العمليات.

الأمر الذي لا يبدو أنه مُطمئن وفقًا للأسوشيتد برس أن هذا النمط أصبح هو النمط السائد لدى التنظيم؛ شخص ما معجب بالتنظيم في أي بقعة من بقاع الأرض يقوم بتنفيذ الهجوم وينسب الحادث للتنظيم فيتبناه، وهذا ما نادت به داعش عندما تكون التحالف الدولي وبدأت إجراءات الحد من السفر والانضمام إلى التنظيم، خرج التنظيم واصفًا من يغلقون الحدود بالطغاة وناشد كل من يستطيع أن يقوم بـ«غزوة مباركة» في عقر «الصليبيين» فليقم بها، وهذا ما نراه الآن.

فعلى سبيل المثال وليس الحصر، أحد منفذي هجمات بروكسل كان يمتلك بارًا!

فالصورة النمطية للمجاهدين التي يتبناها التنظيم لم تعد موجودة، ففي مناطق سيطرة التنظيم، من يشرب الخمر يُجلد ويدفع غرامة، ومن يشتبه في مثليته يقوم التنظيم بمعاقبته عن طريق رميه من أعلى بناية مرتفعة وفور سقوطه يقوم برجمه إذا لم يمت من جراء السقوط، بينما هو الآن يتبنى ويُثني على «مجاهدين أبرار» منهم المثلي جنسيًا ومدمن الكحوليات.

المفارقة أيضًا إنه وفقًا للاستخبارات الأمريكية، فعند مداهمة الوكر الذي كان يختبئ فيه بن لادن وُجدت أشرطة لأفلام إباحية رجحت الاستخبارات وقتها أن بن لادن كان مدمنًا على مشاهدتها!

لم يعد هناك نظم للحوادث الإرهابية ولا لمنفذيها، فبعد أن كان سمة المقاتلين أو شرط الانضمام لأي من هذه المجموعات هو الاختلاء والاختباء في الأوكار والتدريب على الأسلحة النارية وغيرها وترك الدنيا ومتاعها وفقًا لأدبيات القاعدة، فداعش سنت نَظمًا جديدًا وهو أنه باستطاعة أي شخص في أي مكان أن يصبح جندًا من جنود الخلافة، بأن يصبح ذئبًا منفردًا!

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد