في الساعات الأولى من صباح يوم 12 يونيو (حزيران) الجاري، قُتل 49 شخصًا، وأُصيب 53 آخرين داخل ملهى ليلي للمثليين في ولاية فلوريدا الأمريكية، عقب هجوم إطلاق نار هو الأسوأ في تاريخ أمريكا، نفذه الأمريكي من أصول أفغانية، «عمر صديق متين»، وتبناه تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، واستغله دونالد ترامب، وأعاد الجدل حول قوانين حمل السلاح والهجرة في أمريكا.

ما الذي حدث؟

دخل المواطن الأمريكي ذو الأصول الأفغانية، عمر صديق متين (29 عامًا)، إلى ملهى ليلي للمثليين، في أورلاندو بولاية فلوريدا الأمريكية، كان به حوالي 300 شخص، قبل أن يبدأ متين في عملية إطلاق النار عليهم، ما تسبب في مقتل 49 شخصًا وإصابة 53 آخرين.

استمرت عملية إطلاق النار لثلاث ساعات، قبل أن تتخذ الشرطة ما وصفه جون مينا، قائد شرطة أورلاندو، بـ«القرار الصعب»، المتمثل في اقتحام الملهى. وعقب اقتحامه، قتلت قوات الشرطة متين. وأكّد مينا أن قرار الاقتحام كان الخيار الوحيد أمام أجهزة الشرطة لإنقاذ حياة من كانوا بداخل الملهى.

وعقب الهجوم، أفاد مكتب التحقيق الفيدرالي (إف بي آي)، أن عمر متين، اتصل برقم الطوارئ قبيل الهجوم، وأعلن مبايعته لـ«تنظيم الدولة»، وبالفعل أعلن التنظيم مسؤوليته عن الحادث بشكلٍ رسمي، مبينًا أن متين هو أحد جنوده.

وقد أفاد شهود عيان، أن متين تردد على الملهى عشرات المرات قبل العملية. ولفت مكتب التحقيق الفيدرالي، أن متين كان موضع تحقيق خلال عامي 2013 و2014، عندما لفت زملاؤه إلى أنه يُبدي ميلًا إلى «جماعات متشددة»، قبل أن تُغلق التحقيقات لعدم وجود أدلة تُدينه.

وفي سياق متصل، أعلنت إحدى شركات الأمن الأمريكية، التي تحمل اسم «جي فور إس»، أن متين كان يعمل في الشركة منذ عام 2007، وكان يحمل سلاحًا في إطار عمله في الشركة. بدوره، أفاد مسؤول أمريكي، أن متين اشترى بندقيةً ومسدسًا قبل أسبوع من تنفيذ الهجوم، في الوقت الذي أكدت فيه مصادر أمريكية أن متين حصل على ترخيص بحمل السلاح يمتد من عام 2011 حتى عام 2017.

ماذا يعرفون عنه؟

«صُدمنا كما صدمت البلاد بأسرها، ولكن هذا الهجوم ليس له أي علاقة بالدين»، هكذا يقول والد عمر متين، الذي أكد بُعد نجله عن التنظيمات المُسلحة، لافتًا إلى أن عمر، «لم يكن متدينًا بشكل مفرط، ولكن كانت لديه مواقف معادية للمثليين»، مُوضحًا أن نجله استشاط غضبًا مؤخرًا عندما رأى رجلين يُقبّلان بعضهما البعض، أمام زوجته وطفله. وقدّم مير صديق، والد عمر متين، اعتذارًا رسميًّا باسم العائلة.

أما عن زوجة عمر متين السابقة، سيتورا يوسوفي، فتقول إنه «في البداية كان كائنًا عاديًا يحب المزاح ويحب المرح»، لكن تبين فيما بعد أنه شخصية عنيفة ومنطوية، مُضيفةً: «كان يعود إلى البيت، ويضربني لأتفه الأسباب، مثل تلكؤي في إتمام غسيل ملابسه».

ولفتت سيتورا، إلى أنّ متين، لم يكن «يُعبّر عن معتقده الإسلامي بشكل استثنائي، وكان يتطلع للعمل في الشرطة». وأضافت أنه كان يعاني من اضطرابات نفسية وعقلية، قائلةً في مؤتمر صحافي، إن عائلتها أنقذتها عندما قررت تطليقها منه.

أبرز ردود الأفعال تجاه الحادث

في أول رد فعل للرئيس الأمريكي، باراك أوباما، وصف الحادث بـ«العمل الإرهابي المدفوع بالكراهية»، قائلًا في خطاب مُقتضب، إنّ «الحادثة هي أسوأ إطلاق نار حدث في الولايات المتحدة الأمريكية»، مُضيفًا أنّ «أي هجوم على أمريكي بسبب عرقه أو دينه أو ميوله الجنسية هو هجوم على كل الأمريكيين»، ولافتًا إلى استمرار مكتب التحقيق الفيدرالي في التحقيق فيه لكشف المزيد عن كيفية حدوثه، وأسباب حدوثه.

من جانبه أعلن ريك سكوت، حاكم فلوريدا، فرض حالة الطوارئ في الولاية، فيما قال بادي داير، عمدة مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا، إن الولايات المتحدة «لن ترضخ للأعمال الجبانة، التي وقف المجتمع ضدها منذ البداية»، على حد تعبيره.

ومن جهة أخرى، أعلن مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير)، إدانته «الشديدة» للهجوم. ولفت المجلس في مؤتمر صحافي له، إلى أنه «لا تهاون مع التشدد بكافة أشكاله، والخطاب الذي يحرض على العنف ضد الأقليات». ومن جانبه، قال الشيخ محمد المصري، إمام الجالية المسلمة في فلوريدا، إن هناك حالةً من الخوف منتشرة بين أوساط الجالية المسلمة بفلوريدا، بعدما تلقوا عددًا هائلًا من التهديدات عقب الهجوم.

كيف أثّرت الحادثة في سباق الانتخابات؟

أعادت طبيعة الحادثة وأصول منفذها، إثارة الجدل حول قضيتي المهاجرين والمسلمين في الولايات المتحدة، وقوانين حمل السلاح فيها. ولقد استغل المرشح الجمهوري دونالد ترامب، الحادث، في تجديد هجومه على المسلمين، وتجديد دعوته إلى منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة.

وقال ترامب في تغريدة له على موقع التدوينات القصيرة، تويتر: «أقدر التهاني التي وصلتني لكوني كنت محقًا بشأن الإسلام الأصولي، لا أريد تهاني، ولكني أريد شدة ويقظة، ينبغي أن نكون أذكياء».

وطالب ترامب أوباما بالتنحي عن منصبه لعدم التفوه بكلمتي «الإرهاب الأصولي» عند تعليقه على الحادثة، فيما قال، إنه لو لم تتفوه مرشحة الحزب الديمقراطي، هيلاري كلينتون، بهاتين الكلمتين، لكان عليها الانسحاب من السباق الرئاسي.

وأضاف ترامب، قائلًا، إن مُنفذ العملية من أصول أفغانية، وأن 99% من الشعب الأفغاني يُؤيدون تطبيق الشريعة الإسلامية، التي وصفها بـ«الجائرة».

اقرأ أيضًا: أرقام تكشف لك الكثير عن علاقة المسلمين بالغرب و«الإرهاب»

وفي بيان نشره على موقع التواصل الاجتماعي، فيس بوك، أدان ترامب، سماح الولايات المتحدة الأمريكية، استقبال 100 ألف مهاجر سنويًّا من الشرق الأوسط. متهمًا مئات المهاجرين بالتورط في أعمال إرهابية في أمريكا، منذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. وجدد ترامب دعوته لمنع دخول المسلمين أمريكا. في الوقت الذي أكد  ضرورة حماية قوانين حمل السلاح الأمريكية. وترجح تحليلات بأن ترامب سيكون أكثر المستفيدين دعائيًّا وانتخابيًّا من هذا الهجوم، ولعل تلقيه «تهاني» عقب الهجمات من أبرز الدلائل على ذلك.

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.facebook.com/DonaldTrump/posts/10157160462435725″ width=”” ]

من جانبها، صنّفت هيلاري كلينتون الهجوم تحت مسمى «الأعمال الإرهابية وأعمال الكراهية»، داعيةً، في بيان لها نشرته على فيس بوك، إلى «مضاعفة الجهود لحماية أمريكا من التهديدات الإرهابية في الداخل والخارج». وقالت هيلاري: «نحن نحتاج لإبقاء الأسلحة كتلك التي استُخدمت في حادثة الملهى بعيدًا عن أيدي الإرهابيين والمجرمين العنيفين»، مؤكدةً أن الحادث يُمثل أسوأ حادثة إطلاق نار في تاريخ أمريكا، وأنّه «يذكرنا مرة أخرى بأن أسلحة الحرب لا مكان لها في شوارعنا» على حد تعبيرها. وإجمالًا، فإن تعقيب هيلاري كلينتون على الحادث، جاء قريبًا من تصريحات أوباما، الذي لفت بدوره إلى قوانين حمل السلاح في الولايات المتحدة، حين قال: «هذه المجزرة تذكرنا بمدى سهولة حصول أشخاص على أسلحة لتنفيذ هجمات».

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.facebook.com/hillaryclinton/posts/1165058356884025″ width=”” ]

ويمثل حق المدنيين في أمريكا بحمل السلاح وملكيته، أحد أبرز مواطن الخلاف بين الجمهوريين الذين يؤيدونه، والديمقراطيين الذين يطالبون بإعادة النظر فيه، باعتباره سببًا في تلك الهجمات الدموية، وتحمي المادة الثانية من الدستور الأمريكي حق الأمريكيين في تملك الأسلحة. وهو ما أدى، بحسب مراقبين إلى امتلاك كل مواطن أمريكي قطعة سلاح. وقد فشل أوباما أكثر من مرة في تعديل القوانين التي تسمح للأمريكيين بحمل السلاح، ورفض الكونجرس تعديلات أجراها أوباما في هذا الصدد بعد حادثة مدرسة ساندي هوك، التي وقعت في 2012، وأسفرت عن مقتل 26 شخصًا معظمهم من الأطفال.

وتجدر الإشارة إلى أن موقع وال ستريت جورنال الأمريكي، قد أفاد أن ولاية فلوريدا لديها مجموعة من أكثر القوانين «الودية» لحمل السلاح في أمريكا، موضحًا أن الولاية لا تضع أي قيود على مخازن سلاح «15A»، ذلك السلاح الذي استخدمه عمر متين في هجومه على الملهى الليلي. ولفت الموقع إلى أن قوانين فلوريدا تسمح بإعطاء رخصة سلاح لأي متقدم لها طالما أنه ليس لديه إدانات جنائية، ويُظهر كفاءة في استخدام السلاح.

اقرأ أيضًا:  «أوباما» في مواجهة الكونغرس: ملفات أثارت الخلاف

تواجد «تنظيم الدولة» في الولايات المتحدة

لا تُمثل حادثة إطلاق النار في أورلاندو الذي تنبتاها «داعش» الظهور الأول للتنظيم في أمريكا، إذ تبنى التنظيم في الخامس من ديسمبر (كانون الأول) الماضي هجوم سان برناردينو، الذي وقع في نفس الشهر بولاية كاليفورنيا عندما أطلق رضوان فاروق وزجته تشافين مالك، النار  على مؤسسة للخدمة الاجتماعية هناك، ما أسفر عن مقتل 14 وإصابة 17 آخرين، قبل أن تقتل الشرطة الرجل وزوجته.

وقد شهدت أمريكا خلال العقود الماضية، عددًا من عمليات إطلاق النار التي أودت بحياة العشرات، ولكن حادث إطلاق النار في أورلاندو كان الأسوأ من نوعه في التاريخ، ليأتي في المركز الثاني بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 ، التي راح ضحيتها نحو ثلاثة آلاف شخص.

عرض التعليقات
تحميل المزيد