«أنا أكره هذا اليوم»، هكذا أعلنت إحدى الأطفال المقيمات بإحدى دور الأيتام، هكذا حددت موقفها بمنتهى التأكيد، رغم أن عمرها لا يتجاوز العشرة أعوام بعد، تقول بكلمات متقطعة: «أنا بحب الأتوبيس عشان بقعد جنب الشباك، وبحب اللبس الجديد، لكن مش بحب الزحمة ولا بحب حد يشيلني كل شوية وحد تاني ياخدني منه. أنا بحب يوم العيد أكتر من اليوم ده، عشان بنروح نصلي وبنلبس جديد برضه»، هكذا تلخص كامل الأمر.

«هما بياخدونا يلبسونا كويس، ويخلوا ريحتنا حلوة، ويدخلونا النوادي، بيبقى فيه حفلات كبيرة، وسمعنا أنهم بياخدوا من الحفلات دي تبرعات ليهم»، هكذا قال أحمد -أحد أطفال الشوارع بمنطقة وسط البلد- كان أحمد يشرح بسلاسة طفولية، بما يتناسب مع عمره الذي لم يكن يتجاوز الأحد عشر عامًا بعد، كيف أن بعض الجمعيات الخيرية التي يكون نشاطها منصبًا على الأطفال الذين هم بلا مأوى، تستغلهم لجمع التبرعات من النوادي الاجتماعية.

تستغل بعض الجمعيات الأطفال المشردين، والأيتام، ومن هم بلا مأوى، لجعلهم معروضات، في الحفلات التي تنظمها بعض الأندية الاجتماعية الراقية لجمع التبرعات، ويذهب البعض إلى أن احتفالات (يوم اليتيم) ما هي إلا صورة من هذا الأمر، ويوم اليتيم هو اليوم الذي تم تحديده في الجمعة الأولى من شهر أبريل (نيسان) لكي يتم خلاله الاحتفال بالأطفال الأيتام، يتم جمع الأطفال، ويأتي إليهم من يريد الاحتفال معهم في أماكن تجمعات عامة، ونوادٍ اجتماعية، ومتنزهات.

بالنسبة لأحمد يبدو الوضع لطيفًا ولا بأس به، فهم يأخذونه من الشارع، ويحضرون له ملابس جديدة ليرتديها في ذلك اليوم الذي سيذهب فيه إلى النادي، الذي ربما لم يحلم أو يخطر بباله أن يدخله، فيكون يومًا لا يُنسى بالنسبة له، حيث يأكل طعامًا جيدًا، ويلعب، ويشاهد سيدات وأبناء المجتمع الراقي الذين يراهم في الأفلام والمسلسلات فقط بحسبه.

لا يلقي الطفل ذو الأحد عشر عامًا بالًا إلى أنه يُستغل لجمع التبرعات، ولا يهتم كثيرًا بما يناله من قطعتين من الملابس الجديدة، لكي يصبح طفلًا وسيمًا يجذب المجتمع الراقي الذي تقوده إليه تلك الجمعيات، فيثير عطفهم وشفقتهم، لأنه بهيئته الطبيعية ربما سيثير مخاوفهم وينفرون منه، وهو بالطبع ما لا تبغيه أبدًا هذه الجمعيات التي تنظم اليوم، ثم يعود أحمد وأقرانه إلى الشارع، حيث حياتهم الطبيعية، في انتظار فرصة قضاء يوم آخر مثل هذا.

«يوم اليتيم يوم واحد، 24 ساعة، وبعد كده كل واحد يروح لحاله، واليتيم يروح لحاله. المفترض إن هدفنا أن نُشعر الأيتام أنهم ناس عاديون وأسوياء كغيرهم ولا نشعرهم بالنقص، أو بأنهم مختلفون عنّا، عشان كده عملنا لهم يوم مخصوص زي يوم الإيدز. الفكرة ربما تكون فيها أشياء جميلة، ولكن رأيي الشخصي أن التطبيق خاطئ 100%. الرجاء تذكر الأيتام طوال العام، وليس ليوم واحد كما يحدث الآن»، هكذا علّق أحد المدونين المناهضين لفكرة يوم اليتيم على مدونة (في الصميم).

ويضيف معلق آخر قائلَا: «أرفض هذا اليوم وبشدة وأتمنى إلغاءه، اليتيم دا مش شخص غير سوي عشان نحسسه أنه حالة خاصة، وعايزينه يحتفل ازاي وليه واحنا أصلًا بنقوله إننا بنعاملك كحالة خاصة، وإن الناس دي كلها متجمعة وجاية عشان تشفق عليك، أنا أرى أن هذا اليوم مجرد من الإنسانية وأرفضه بشدة».

الصبغة الرسمية ليوم اليتيم

يكتسب الاحتفال بيوم اليتيم صبغة رسمية على مستوى مؤسسات الدولة وهيئاتها الرسمية الحكومية، ويشهد الاحتفال الرسمي زيارات المسؤولين ورجال الدولة، وفقرات استعراضية وترفيهية للأطفال، والكثير من الصور التي توثق اليوم الاحتفالي لتتداولها وسائل الإعلام.

ففي هذا العام نظمت مديرية أمن القليوبية، احتفالًا بمناسبة يوم اليتيم بنادي الشرطة في مدينة بنها، في إطار اهتمام وزارة الداخلية بالاحتفال بيوم اليتيم، والتواصل مع أبناء الشعب المصري في كافة المناسبات بحسبها، ونظم قسم الإعلام والعلاقات بالمديرية، حفلة بنادي الشرطة، في بنها للأطفال الأيتام، وذكر بيان مديرية الأمن، أن الحفل تخلله فقرات فنية منها التنورة، والساحر، وفقرات استعراضية مقدمة من فرقة قصر ثقافة بنها.

أكدت وزارة الداخلية أن رجال الشرطة، بمختلف القطاعات الشرطية، شاركوا أبناء شهداء الشرطة، والأطفال الأيتام الاحتفال بيوم اليتيم، تعظيمًا لدور شهداء الشرطة، وما قدموه من بطولات وتضحيات من أجل حماية الوطن والمواطنين، من خلال قيام أجهزة وزارة الداخلية بتوفير كافة أوجه الرعاية لأسرهم، وأوضحت الداخلية، فى بيان لها، أنه بمناسبة الاحتفال بيوم اليتيم، نظمت أجهزة وزارة الداخلية العديد من الفعاليات، إذ نظم قسم الإعلام والعلاقات بمديرية أمن جنوب سيناء، بالتنسيق مع نادي الشرطة في مدينة طور سيناء، حفلًا لعدد من دور الأيتام بالمحافظة، وعرض فقرات استعراضية ترفيهية وفنية.

وأكد الدكتور عبد الهادي القصبي، رئيس لجنة التضامن الاجتماعي بمجلس النواب، أن اللجنة سوف تنظم زيارات ميدانية لدور الأيتام يوم الجمعة المقبل من أجل المشاركة في احتفالاتهم، مؤكدًا أن اللجنة توفر لها أي جهد تشريعي ورقابي، خاصة في ظل الانتهاكات التي تم الكشف عنها مؤخرًا في الكثير من دور الرعاية.

وشهد اللواء أحمد ضيف صقر، محافظ الغربية، حفل يوم اليتيم العربي لعام 2017، الذي نظمته مديرية التضامن الاجتماعي بالمحافظة، بالتعاون مع جمعية الأورمان، تحت رعايته في حديقة الطفل بطنطا، وبمشاركة 60 جمعية أهلية على مستوى المحافظة، وشارك في الحفل أكثر من 1500 طفل يتيم، إذ تم تكريم 20 طفلًا يتيمًا متفوقًا علميًّا، وعشر أمهات مثاليات على مستوى المحافظة بميدليات وشهادات تقدير ومبالغ مالية، وشمل الحفل فقرات فنية، ومسابقات ثقافية ورياضية، ويومًا ترفيهيًّا للأطفال الأيتام.

فيما أكدت النائبة كارولين ماهر، عضو لجنة التضامن الاجتماعي والأسرة بمجلس النواب، أن اللجنة تدرس مقترحًا بتنظيم زيارات ميدانية للأيتام في المحافظات، إذ إن الكثير من دور الأيتام في القاهرة يشارك عدد كبير فيها، ولذلك فإن اللجنة سوف تنظم الزيارات للمحافظات من أجل الاحتفال مع أبناء المحافظات.

موظفون بجمعيات خيرية ينتقدون يوم اليتيم

تقول بسمة -وليس هذا اسمها الحقيقي- الموظفة بإحدى الجمعيات الخيرية التي من بين أنشطتها دار أيتام تابعة لها: «هذا اليوم يفرق كثيرًا جدًّا في التبرعات التي تحصل عليها الجمعيات ودور الأيتام، لكني أرى كذلك أنه يكون يومًا مؤذيًا جدًّا بالنسبة للأطفال، إذ تقوم الجمعيات بإعداد الأطفال كأنهم سيوضعون في واجهات عرض، ثم يتم شحنهم في أتوبيسات للذهاب بهم إلى أماكن تجمعات الاحتفال، يؤذيني ما يتعرض له الأولاد من شكل تعامل يصل أحيانًا إلى حد الشدّ والجذب لكي يحملوهم أو يلعبوا معهم».

تطرح بسمة حلًّا، بأن يكون هذا اليوم مقتصرًا على التبرعات للجمعيات ولدور الأيتام لمن يريد، وأن تنظم الدور والمؤسسات رحلات ترفيهية للأطفال في هذا اليوم دون تجمعات، ومن يريد زيارة الأولاد يأتي ويزورهم في أي يوم متاح له، تقول بسمة:«بهذا نتلافى كل ما يحدث، ولا يكون هناك 100 شخص يجذبون طفلًا واحدًا لحمله أو اللعب معه».

بينما يرى كمال -موظف بإحدى الجمعيات الخيرية- أن يوم اليتيم يتحول إلى «منظرة» اجتماعية، فالبعض من سيدات المجتمع الراقي ونجوم المجتمع يستخدمون اليوم لكي يحظون بصورة اجتماعية ما يريدونها، فلا بد من وجود هؤلاء الأطفال «الغلابة» لإتمام صورة اليوم، الذي سيلتقطون الصور فيه، ويرفعونها على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، معلنين أنهم كانوا يحتفلون بيوم اليتيم، أما عامة المحتفلين –بحسب كمال- فيُحركهم دافع الهبّة، يقول كمال:«نحن نهبّ لنفعل شيئًا ما ثم نستريح متخيلين أن هذا هو الخير، وأن ضميرنا يجب أن يرتاح الآن».

الجانب الثاني من الأمر، كما يرى كمال، يتمثل في الجمعيات الخيرية، بما فيها الجمعية التي يعمل بها، والتي تستفيد من حجم التبرعات التي تحصدها في هذا اليوم.

مشاركون: لا يكون يومًا سعيدًا

كريم، أحد المتطوعين الدائمين بجمعية رسالة للأعمال الخيرية، والذي يدرس في كلية التجارة جامعة عين شمس، يرى من خلال تعامله المستديم عن قرب مع الأطفال الأيتام، أنهم في غاية الذكاء الاجتماعي من كثرة ما مرّ عليهم، وهم يعرفون تمامًا كيف يفرقون بين الشفقة والمحبة والتعلق الحقيقي، وبحسب كريم، فغالبًا ما يطور الأطفال مشاعر اللامبالاة وعدم الاعتياد أو التعلق بأحد، من كثرة ما يرون وجوهًا تتسابق على حملهم، وتربت على رؤوسهم وأكتافهم، سواء في يوم اليتيم أو غيره، ثم يختفون، وهذا ليس بشكل تعامل ينتج شخصًا سويًا، من وجهة نظر كريم.

وهذا ما أكدته سارة محمد، الطالبة بكلية الطب، والتي كانت قد قررت أن تنظم مع زميلاتها في العام الماضي أن يذهبن للاحتفال بيوم اليتيم مع الأطفال، تؤكد سارة أن الفكرة طيبة وجيدة، فمبدأ أن نهتم بهؤلاء الأطفال ولو ليوم واحد في السنة هو أمر جيد بالطبع، لكن ما حدث أن سارة أشفقت على الأطفال مما يحدث لهم في هذا اليوم، فبدلًا من أن يشعروا بالسعادة، وجدتهم سارة مفزوعين من كم الناس الذين يلتفون حولهم، وتسخر سارة مما رأته قائلة: «تلاقي أكتر من 100 شخص بيتسابقوا وناقص يتخانقوا عشان يشيلوا الولاد ويلعبوا معاهم».

وما أثار ضحك سارة هو موقف رأت فيه امرأة مجموعة تلتف حول طفل فسألتهم «ده يتيم؟» وحينما أجابوها بالإيجاب بدأت تملس على شعره وتربت عليه في حنان! كان الموقف مضحكًا بالنسبة لسارة لأنها شعرت أن الولد يتم معاملته كقطعة عرض، الكل يأتي لكي يمارس شفقته عليه هو وأقرانه، وربما على أفضل الاحتمالات رغبتهم في فعل الخير، وفعل الخير –كما تراه سارة- لا يجب أن يكون فجًّا ومبالغًا فيه ومصطنعًا إلى هذا الحد، تؤكد سارة أنها وزميلاتها في هذا اليوم العام الماضي مرّوا على أكثر من دار أيتام ليُواجهوا في كل مرة بالزحام الشديد، ولم يتمكنوا من دخول مقر جمعية رسالة بسبب الزحام الشديد.

حلول مقترحة لتجنب سلبيات اليوم

«حاجة تقرف» هكذا يعلق أحمد مصطفى، عضو بمنتدى جمعية رسالة على فكرة يوم اليتيم، وأضاف قائلًا: «يعني ايه يوم اليتيم؟! يعني ايه آجي أفكرهم بيتمهم وأمشي ربما بلا رجعة؟! يعني ايه أطفال في عمر الزهور يستقبلون أكثر من ألفي زائر في يوم واحد ليذكروهم بيتمهم ويُعرضوا عليهم وكأنهم في فاترينة، أنا برفض يوم اليتيم تمامًا وأتمنى إلغاءه».

يقترح مصطفى أن يكون يوم عيد الطفولة هو نفسه يوم اليتيم،  فيكون يوم عيد لكل الأطفال، بدلًا من أن نُشعر جزءًا من أطفالنا بأنهم ليسوا أطفالًا طبيعيين.

يؤكد دكتور محمود غلاب الآراء السابقة -أستاذ علم النفس بكلية التربية جامعة القاهرة- فمن الجانب النفسي هناك جوانب سلبية، وأخرى إيجابية ليوم اليتيم، قائلًا: «المسألة ليست سلبية تمامًا ولا إيجابية تمامًا، لأن إحساس المساندة الذي يشعر به الأيتام في هذا اليوم جيد، وهم في أمس الحاجة إليه، لكن أن يتحول الأمر إلى كونهم معروضين في فاترينة على مئات الزوار فهذا هو الأمر السلبي، ففكرة اليوم جيدة لكنها تحتاج إلى كثير من التنظيم في التطبيق، وهو أمر لا نلمسه الآن».

 

الحل من وجهة نظر غلاب لتلافي السلبيات متمثل في أن يكون هناك حملات إعلامية مكثفة لكي يتم تذكر اليتيم وتقديم المساعدة له دومًا، تلك الحملات تُعلم الناس كيف يُقيمون علاقات إنسانية مع أيتامنا، من خلال الزيارات الدورية، أو حتى فتح باب السؤال عنهم والحديث إليهم عبر التليفون، يقول غلاب: «هذا سيجعل الطفل يلمس مودة واهتمامًا حقيقيين، فإن عدم تواجد والديّ الطفل لسبب أو لآخر يحوله إلى مسؤولية مجتمعية، وهذا ما يجب أن نفهمه ونعيّه جيدًا».

يُشارك غلاب في فكرتي الحملات الإعلامية والمسؤولية الاجتماعية، الدكتور رفعت عبد الباسط -أستاذ الاجتماع بجامعة حلوان- الذي يقول: «لا بد أن يكون هذا اليوم بدايةً أو فرصةً متاحةً لحملات إعلامية مكثفة، عن طريق المواد الدرامية والإعلانية، التي يجب أن تهتم في هذا اليوم بهذه الشريحة من أطفالنا، وتقوم بعمل حملات توعية لهم لتقليل إحساس اليتم داخلهم، وتعريفهم بأن هناك أطفالًا حالتهم أسوأ منهم مئات المرات، رغم أن والديهم موجودان ويعرفون أماكنهم».

بحسب عبد الباسط، فإن التعامل مع الأطفال من منطق أنهم يفهمون ويشعرون أكثر مما ينبغي، وأكثر من أي طفل آخر في حال غير حالهم، يحل كثيرًا من الأزمات النفسية والاجتماعية التي يتعرض لها الأيتام، الذين نتجمع يومًا في العام لنرضي ضميرنا تجاههم، وكفى.

عرض التعليقات
تحميل المزيد