لعائلة فلسطينية مات الجد فيها في أول حروب العرب مع إسرائيل عام 1948، وعاش الأب فيها في الشتات بعيدًا عن وطنه المحتل بعد سنوات من التنقل بين مخيمات ضاقت حوائطها على عائلته، نشأ أسامة أبو كويك، فلسطيني الجنسية، باحثًا عن وطن بديل، يلوذ فيه بالأمان والحد الأدني من متطلبات الوجود له ولعائلته الكُبرى والصغرى.

مضت حياة الشاب الفلسطيني في مصر، متأرجحة بين الاستقرار، بعض الوقت، والتضييق المُستمر على عمله، في أغلب فترات وقته، محاولًا التغلب على اختبارات إثبات الولاء، والتشكيك في ميوله، بالصمت الدائم، والالتزام بضبط النفس لأقصى درجة؛ واعيًا في ذلك بظرف سياسي استثنائي تعيشه مصر، جعل من كٌل فلسطيني متهمًا بقائمة طويلة من الجنايات.
وفي أواخر عام 2017 سجلت ذاكرة أسامة خروجًا اضطراريًا جديدًا، بعد تدخلات مستمرة من السلطات المصرية في عمله بإحدى شركات الاتصالات المصرية، ساعيًا للبحث عن مكانًا جديد يستوعبه هو وزوجته وثلاثة أبناء صغار؛ حتى استقر به الحال في نيوزيلندا بعد طلبات لجوء تقدم بها لأكثر من دولة، رفضته أغلبها، وقبلت بها الدولة الواقعة في غرب المحيط الهادي؛ راضيًا بعمل غير تخصصه، لتأبى ظروف العالم من جديد بقاءه، ويقع ضمن ضحايا الهجوم الدامي الذي وقع على المصلين بأحد المساجد في هذه الدولة البعيدة.
في هذا التقرير يتتبع «ساسة بوست» رحلة أسامة، الشاب العربي الفلسطيني، من فلسطين إلى مصر، ثم نيوزيلندا، وذلك عبر التحدث لعائلته وأصدقائه في مصر، لتُعيد قصة أسامة الذاكرة إلى فلسطين، متجسدة فيها كُل وقائع «المأساة الفلسطينية» التي التحم فيها الزمان بالمكان والماضي بالحاضر والحلم بالواقع.

مترجم: «وجوه من المذبحة».. هؤلاء ضحايا هجوم نيوزيلندا

الشتات الأول.. حين مات الجد مُدافعًا عن وطنه

في عُمر الرابعة فقد والد أسامة، عدنان يوسف أبوكويك، أباه في حرب 48، التي أودت بحياة آلاف الجنود، وانتهت بهزيمة العرب، فأطلقوا عليها «حرب النكبة». سجلت آنذاك، ذاكرته أول رحلة شتات له من اللد (مدينة بجوار رام الله والقدس)، إلى غزة، واعيًا بحدود جغرافية جديدة لوطنه؛ تتسارع فيها التهام أراضيها وتطهيرها عرقيًا، عبر طمس جميع معالم بلدته الأصلية.

أسامة يجالس أبنائه الثلاثة

كان جد أسامة مقاتلًا في «جماعة الجهادين»، التي تشكلت للدفاع عن المدينة، بعد انسحاب الجيوش العربية، قبل أن يقع صريعًا بواحدة من طلقات الرصاص التي صوبت تجاهه، من أحد أفراد العصابات الصهيونية، تلاها سقوط مدينته التي كانت من آواخر المدن التي سقطت إبان النكبة.
كحال آلاف الفسطينين ممن فقدوا منازلهم، سار والد أسامة حوالي 200 كيلو متر أو ما يزيد لغزة، وهناك سكن مع أعمامه، يقول: «رباني أعمامي وجدتي وكانوا يعتنون بي وبعمي مثل أولادهم».
ويتذكر وقائع مقتل أبيه: «حين استولت إسرائيل على المدينة قتلت معظم الرجال الذين كانوا قد تجمعوا مع اسرهم في المسجد الرئيسي. اعتقد أن العدد كان حوالي 160. جدي لم يكن معهم – كان قد قُتل قبلها وهو يحارب».
كبُر الطفل في غزة، وسط أعمامه، في بيئة ما زالت تقاوم محاولات الطمس وتثبت ملامح المدينة العربية المنكوبة، قبل أن ينتقل إلى مصر في الستينات لاستكمال دراسته، وسط ظروف حرب أعادت له ذكريات النكبة، وتحديدًا حين نجحت إسرائيل في هزيمة مصر، فيما عرفت بعد ذلك بالنكسة.
بعدها، انتقل عدنان يوسف، إلى ليبيا، التي غادرها مع صعود الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي للسلطة في عام 1980، حين واجهته صعوبات في الاستمرار بشكل قانوني، بعدما أصدر القذافي قانونًا يستوجب من أي مواطن غير ليبي أن يكون شريكًا بنسبة أقل من 50% في أي عمل خاص شرطًا لاستمرار بقائه وفقًا له.
يوضح عدنان لـ«ساسة بوست»: «عدت إلى القاهرة؛ وقررت العمل في مقاولات البناء. اشتريت لوادر وعربيات نقل نؤجرها لمقاولين البناء». بعدما تقدم بعدنان السن، قرر بيع كافة المعدات، والاستقرار في منزله من سنوات، يتابع أحوال أبنائه وأحفاده في دول مختلفة.

الشتات ينتقل من الأب للأبناء.. أسامة إلى نيوزيلندا وشقيقه في أمريكا

لعدنان ابنان: هما أسامة الذي وقع قتيلًا إثر الهجوم الدامي في نيوزيلندا، ويوسف الذي انتقل للعيش في كاليفورنيا بدعم من الوالد الذي شجع أبناءه على مغادرة مصر بحثًا عن ظروف عمل أفضل، وفقًا ليوسف، الذي أوضح لـ«ساسة بوست»: «أنا الآن في كاليفورنيا وأسامة ذهب إلى نيوزيلندا. وأبي كان مباركًا للموضوع، بل ساعد فيه».

أسامة رفقة أحد أبنائه مبتسمًا في ظل ظروف صعبة عاشها

عاش أسامة سنوات صباه وشبابه في مصر، بعدما قدم إليها وهو في السنة الثانية من عُمره، وتحديدًا في عام 1889، متنقلًا في سنوات صباه بين مدارسها: الأورمان الابتدائي بمصر الجديدة ثم العروبة بالكورية، انتهاءًا بجمال عبد الناصر بتريومف. بعد ذلك درس الهندسة في إحدى جامعاتها الخاصة بمدينة «6 أكتوبر»، قبل أن يستكمل تعليمه بالحصول على الماجستير في تخصص الهندسة الإنشائية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة.
يرسم عمار نوح، صديق مصري لأسامة خلال فترة الدراسة في الجامعة الأمريكية، صورة شاملة عنه يقول لـ«ساسة بوست»: «هو كان شابًا مجتهدًا شاطرًا مهذبًا. كان شخصًا مسالمًا جدًا؛ لا أتذكر له موقفًا كان فيه عصبيًا أو حاد الطباع أو غضبانًا؛ حتى شكواه كانت شديدة التهذيب. أسامة كان همه الرئيس أسرته وحياته الشخصية، وكان فعلًا ينأى بنفسه عن السياسة أو المشاركة فيها».
النأي بنفسه عن السياسة والالتزام بالصمت المُطبق تجاه الأحداث السياسية التي وقعت في مصر السنوات الأخيرة، لم يجعل أسامة في مأمن من عواقب السلطة أو انطباعات من حوله، وفقًا لشهادات جمعها «ساسة بوست» من أكثر من صديق له خلال فترة دراسته بالجامعة الأمريكية، إذ يوضح أحمد الهادي، وهو زميل آخر ليوسف في الجامعة الأمريكية، أن «أسامة من تلك النوعية التي لا تُحب الشكوى؛ اتبهدل طول عُمره، الظروف في مصر كانت تؤذيه نفسيًا، والمصاريف والعيشة كانت صعبة».
ويُشير عمار، المُقيم حاليًا في لندن، إلى أن أسامة كان «متأثرًا بالضغوط دي بشكل كبير وتجربته الحياتية في مصر علمته أن الأفضل إذا أراد أن يعيش بالحد الأدنى عليه أن يمشي جوة الحيط مش جنبه».
كان آخر هذه الضغوط التي شكلت دافعًا رئيسًا للتقديم لأكثر من مكتب هجرة هو استبعاده من عمله مديرًا للمشاريع في كُبرى شركات الاتصالات المصرية، بعد تلقيهم تعميمًا من السلطات المصرية باستبعاد الفلسطينيين والسوريين من مناصبهم بشركات الاتصالات، حسبما أكد شقيقه وأكثر من صديق مصري، زاملوه معهم في العمل والدراسة لسنوات.
يقول شقيقه: «احنا كنا دايمًا ضيوف في البلد. وبرغم أن إحساسنا بالحب لمصر كبير جدًا بس الإجراءات الحكومية كانت حاطة حاجز واضح: انت مش من هنا. تروح طول النهار مع أصحابك وتحس إنك وهم واحد وترجع تجدد الإقامة عشان الموظفة تقول لك أنت مش من هنا. انفصال الشخصية ده كان بيخلي الوضع أنه لو مصر حد أذاها من بره يبقى نقف مع مصر كأي مصري. لكن لو داخليًا احنا ضيوف».
بينما يحمل عمار تفسيرًا آخر، من واقع تواصله الدائم مع أسامة، قبل هجرته لنيوزيلندا: «الإحساس بالغربة الدائم والاضطرار إلى إثبات شيء للجميع، أني مصري أو مع مصر. وكأن بعده عن كل ما هو سياسي هو نوع من الحماية لنفسه».
يكمل عمار: «لو أعلن رأيه بوضوح هيكون فيه عواقب؛ هي اجتماعية في المقام الأول، مش عواقب سياسية بالمعنى الحصري للسياسة؛ لكن لأن المجتمع المصري بيكون حاطك طول الوقت تحت الاختبار وكأنك في حالة دائمة من إثبات الولاء، وإثبات الحب لمصر والتقدير لما قدمت مصر بغض النظر إذا كانت مصر قدمت ولا لأ».
نتيجة لظروف الضغط المُستمرة، وإبعاده عن وظيفته، قدم أسامة طلبات لأكثر من دولة للهجرة إليها، كما يقول عبد الهادي، إذ يوضح: «لم يكن هناك أسباب لاختيار نيوزيلندا غير قبوله بها للسفر إليها».
لم يكن خيار الهجرة مُحبذًا عند أسامة، إذ اضطر إليه نتيجة ظروف التضييق المستمرة التي لاحقته في كُل مكان داخل مصر، وفشل في التغلب عليها، ويوضح ذلك شقيقه: «أسامة كان شخصًا مُلازمًا للبيت أغلب وقته؛ لدرجة أنه عندما. أخبرني بالسفر؛ لم أصدق ولم أقتنع أنه سيفعلها، إلا لما وجدت أنه يشتري تذاكر الطائرة. نحن نتحدث عن شخص لم يسافر قط إلا لزيارة الأهل في غزة. آخر سفرة لغزة كانت ربما سنة 1998 وربما حتى أبعد».

وقائع صلاة أسامة أبو كويك الأخيرة في المنفى الاختياري

استقر أسامة في نيوزيلندا بعدما انتقل إليها في نهاية العام قبل الماضي، في ظروف غير مستقرة بالنسبة له، جعلته يتقبل عملًا في غير تخصصه حتى بدأت حياته تستقر، ويتقبل واقعه الجديد، ويكون صداقات مع زملاء مصريين له. يوضح شقيقيه: «كان انطباعه عن نيوزيلندا رائع. كنا نتحدث كثيرًا عندما وصل هناك. أحب البلد جدًا وأحب أهلها. وأحب جيرانه، وكون صداقات مع المصريين هناك، الذين ساعدوه وأحبهم وأحبوه».

أسامة ضحية الهجوم على مسجد نيوزيلندا

في يوم الجمعة الماضي، ذهب أسامة رفقة زوجته بسيارته لأحد المساجد القريبة من منزله التي اعتاد الذهاب إليها لتأدية الصلاة وليلتقي بعدد من أصدقائه الجدد، قبل أن يقع الهجوم الدامي، ويكون أحد ضحاياه.
يحكي شقيقه يوسف وقائع هذا اليوم لـ«ساسة بوست»: «أسامة سقط بجوار صديق مصري. كانوا يصلون معًا الكتف في الكتف لأنهما دخلا المسجد معًا؛ حضرا إلى المسجد كل في سيارته، صديقه كان معه زوجته التي حضرت للصلاة أيضًا ذهبت للجزء النسائي، وذهب الرجلان للصلاة في الجزء الرجالي. عندما بدأ الضرب هربت الزوجة. ولم يخرج الرجلان».
يضيف: «بعد أن بدأت الأخبار تنتشر بدأت أحاول أن أكلمه. وأبعث له رسائل، ولكن تليفونه كان مغلقًا. تواصلت مع زوجته، وكان عندها أخبار من زوجة صديقه بأنها لا تعلم عن الاثنين شيئًا. صديق آخر سمعنا أنه قد يكون رأى أسامة يجري، ولكن بعد أن اتصلت به قال إنه لم ير شيئًا. بعد أن أزالت الشرطة حظر التجول؛ ذهبت زوجة أخي أسماء إلى المستشفى. وهناك عرفنا أن المصابين تحولوا للمستشفى في حين تركت الشرطة جثامين الضحايا في المسجد. عشنا ليلة كاملة من الرعب بانتظار أن ينادوا على اسم أسامة في الجرحى، ونحن ندعو أن يكون منهم. قرابة السابعة صباحًا قالوا إنهم تعرفوا الآن على جميع المصابين، وإن لم يكن فقيدكم فيهم، فهو في القتلى وعليكم أن تأتوا غداة للتعرف عليه».
سعى يوسف لتهدئة والديه عبر إيهامهم بأنهم تواصلوا مع أسامة بعد الحادثة، وطمأئهم عليه، لكنه يستدرك: «لكنهم كانوا يشعرون بالقلق؛ لأن أسامة لا يرد وكذلك أسماء، زوجته، لا ترد عليهم. حتى عرفت أنه ليس من الجرحى فأخبرت إخوتي أن قضاء الله قد حل وإنا لله وإنا إليه راجعون؛ فبدأنا نقول لأبي إن من أخبرهم أن التواصل قد تم كان يحاول طمأنتهم، وأنه قد يكون جريحًا وتمهيديًا وصلنا إلى أنه غالبًا قتيل. حتى تعرف عليه إمام الجامع بين الضحايا البارحة».

بذاكرة تأبى النسيان لوقائع الهزائم المُتكررة التي عاشتها عائلته، وجسدت مأساة قضية بلاده، رحل أسامة، في سن السابعة والثلاثين، ليتحول إلى رمز جديد يؤكد أنّ الأرض لأصحابها الحقيقيّين.

مترجم: تعرف على أهم ما جاء في «مانفيستو» منفذ هجوم نيوزيلندا الذي نشره قبل الحادث

 

عرض التعليقات