تغير المشهد السياسي الداخلي في تركيا كثيرًا، منذ عام 2016 الذي شهد آخر محاولة انقلابية في تاريخ تركيا. إذ لم تكتف السلطات بإفشالها هذه المحاولة الانقلابية، بل شنت حملة اعتقالات وتطهير للجهاز الحكومي وبعض الأجهزة الأمنية والعسكرية، ما زالت مستمرة حتى اليوم.

فبحسب تقرير نشرته وكالة «رويترز» بتاريخ التاسع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2021، فقد أصدرت السلطات التركية قرار اعتقال لعشرات العسكريين، بتهمة «العلاقة مع جماعة فتح الله غولن»، المعارض التركي المقيم في المنفى الاختياري بالولايات المتحدة، والمتهم الأساسي، من قبل تركيا، في انقلاب عام 2016.

ويذكر التقرير أن السلطات التركية اعتقلت منذ فشل الانقلاب نحو 80 ألف شخص على ذمة المحاكمات، وأن 150 ألف موظف في الحكومة والأجهزة العسكرية طُردوا من الخدمة، أو عُلقت خدمتهم، من بينهم 20 ألف عسكري طُرِدوا من الجيش التركي.

من بين 80 ألف معتقل في تركيا بعد الانقلاب، أصبح رجل واحد فقط، هو «عثمان كافالا»، العنوان الأساسي للخلاف بين تركيا ودول أجنبية تنتقد تصرف السلطات التركية في ملف المعتقلين، وأصبحت أيضًا فتيل أزمة دبلوماسية بين تركيا و10 دول أصدر سفراؤها في تركيا بيانًا مطالبًا بالإفراج عنه، بينهم سفراء الولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا وفرنسا، ما تسبب في صدور أوامر تركية بإعلان السفراء العشرة أشخاصًا غير مرغوب فيهم في تركيا. فمن هو عثمان كافالا؟ وما التهم الموجهة إليه من قبل السلطات التركية؟ ولماذا تطالب دول أجنبية بالإفراج عنه؟

عثمان كافالا.. من رجل أعمال إلى رجل «الأعمال الخيرية»

تنحدر أصول رجل الأعمال التركي، عثمان كافالا، من قرية كافالا في اليونان، والتي مارست عائلته فيها تجارة التبغ بوصفها عملًا عائليًّا. غادرت العائلة اليونان متجهة إلى تركيا في عشرينيات القرن الماضي على إثر انهيار الدولة العثمانية. ولد عثمان في باريس ونشأ في إسطنبول، ودرس إدارة الأعمال في جامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة، وأكمل دراسته في مجال الاقتصاد في جامعة مانشستر في بريطانيا، ليتجه أخيرًا لدراسة الدكتوراة في نيويورك، قبل أن يترك دراسته هناك ويعود إلى تركيا على إثر وفاة والده عام 1982.

Embed from Getty Images

عثمان كافالا

بعد وفاة والده وعودته إلى تركيا، تولى عثمان إدارة شركة العائلة «شركات كافالا» في تركيا، وكان عمره آنذاك 26 عامًا فقط. بدأ عثمان بعد استلامه إدارة أعمال العائلة في إدارة أعمال شركته تبعًا لاهتماماته الخاصة؛ فحوَّل مقدرات شركته لدعم أعمال خيرية، ومنظمات غير ربحية مهتمة بـ«العمل لأجل الديمقراطية»، وحماية البيئة ومناصرة قضايا الأقليات في تركيا، خصوصًا قضايا الأرمن والأكراد.

بدأ عثمان بهذا التوجه في بداية الثمانينيات، بعد شهود تركيا انقلاب عام 1980، وبدء عصر انحدار الديمقراطية في تركيا، إلا أن الرجل عمل على إنشاء شركات ومنظمات عملت في ذلك الوقت على نشر الأفكار الديمقراطية والليبرالية، من شركات نشر وتوزيع ومنظمات غير ربحية، أهمها «مؤسسة ثقافة الأناضول» في عام 2002.

كان عام 1999، عام زلزال تركيا الشهير الذي أودى بحياة أكثر من 17 ألف تركي، وأضر بحياة 16 مليون تركي؛ عامًا مفصليًّا في حياة عثمان كافالا، فقد عمل في النشاطات الإغاثية الهادفة لمساعدة المتضررين من الزلزال، ليترك بعدها منصبه في مجال الأعمال ويتجه إلى مجال عمل منظمات المجتمع المدني، مع تركيزه على الثقافة والفنون، ليؤسس «مؤسسة ثقافة الأناضول»، حسب ما تذكره المؤسسة.

جدير بالذكر أنه بعد تولي «حزب العدالة والتنمية» السلطة في تركيا ازدهر عمل منظمات المجتمع المدني، ومن ضمنها «مؤسسة ثقافة الأناضول» والمؤسسات الأخرى التي أسسها عثمان كافالا. فقد شهدت فترة حكم أردوغان و«حزب العدالة والتنمية» صعودًا للتوجهات الديمقراطية، وتوجهًا تركيًّا للانضمام للاتحاد الأوروبي؛ ما فتح المجال أمام عمل المؤسسات المشابهة لمؤسسة عثمان كافالا.

فعلى سبيل المثال، يذكر موقع «مؤسسة ثقافة الأناضول» عملها خلال فترة حكم «حزب التنمية والعدالة» على تحقيق أهداف كثيرة، منها التقارب بين المدن التركية والأوروبية، عن طريق مجالات الثقافة والفنون، والتقريب بين هذه المدن بافتتاح مراكز في مدن تركية مختلفة، وفتح أبوابها للجميع، ودعوة فنانين أوروبيين إليها، خصوصًا من بولندا واليونان. ما سمح لهذه المؤسسة وغيرها بالعمل في مجالات دعم الأطفال الذين يعيشون في ظروف معيشية صعبة، ودعم اندماج الأقليات في تركيا، وخصوصًا الأرمن والأكراد، ومجالات دعم اللاجئين السوريين.

علاقة عثمان كافالا بجورج سوروس

من بين الكثير من المؤسسات التي ساعد عثمان كافالا على تأسيسها في تركيا، كان فرع «مؤسسة المجتمع المفتوح» في تركيا، وهي المؤسسة التي أنشأها رجل الأعمال المجري الأمريكي الملياردير جورج سوروس، الذي يتهمه البعض بالضلوع في مؤامرات تخريبية حول العالم، ودعمه منظمات مجتمع مدني تسهم في تخريب البلدان التي تعمل فيها، عن طريق «دعم محتجين ومتظاهرين»، بواسطة «مؤسسة المجتمع المفتوح» غير الربحية، والتي تعمل في 120 بلدًا حول العالم، ويقدر ما أنفقته هذه المؤسسة في العموم بنحو 32 مليار دولار، من بينها 18 مليار دولار، تبرع بها سوروس للمؤسسة في عام 2017، وذلك وفق تقارير المؤسسة.

Embed from Getty Images

جورج سوروس 

عمل عثمان كافالا ضمن مجلس إدارة «مؤسسة المجتمع المفتوح» في تركيا، ولا ينكر كافالا علاقته بجورج سوروس «في إطار عمله في المؤسسة، وضمن القوانين التركية»، ويؤكد عدم إخلاله بأي قانون، أو عمله على تمويل أي أعمال عنف أو محاولات قلب نظام حكم، سواء بالتنسيق مع سوروس، أو غيره، وذلك رغم وصف الرئيس التركي له بأنه «سوروس تركيا»، واتهامه بالعمل مع سوروس لزعزعة استقرار تركيا.

على إثر الاتهامات الموجهة للمؤسسة وإدارتها في تركيا، ولجورج سوروس وكافالا بالتحديد، قرَّرت المؤسسة إنهاء أعمالها في تركيا عام 2018، مع نفيها القاطع تمويل أي أعمال تهدف إلى الإخلال بالاستقرار في تركيا، رغم اعتراف بعض أعضاء مجلسها خلال التحقيقات، بتأييد احتجاجات «جيزي بارك» عام 2013 والوجود فيها، ومنهم كافالا نفسه، وذلك في الوقت الذي تنفي فيه المؤسسة وكافالا، توجيههما أي تمويل للاحتجاجات، أو تورطهما في أي مؤامرة سرية لاستخدام الاحتجاجات ضد السلطة في تركيا.

4 سنوات من الاعتقال: «جيزي بارك» وانقلاب 2016 الفاشل

منذ أكتوبر 2017 يقبع عثمان كافالا في السجون التركية على ذمة محاكمته، وقد أتم بالفعل أربع سنوات كاملة هذا الشهر، وبرغم المساعي المحلية والدولية المُكثَّفة لإخراجه من السجن، وإقامة حملات تضامنية معه، فإن السلطات التركية ارتأت استمرار حبسه خلال محاكمته، وعدم محاكمته من الخارج.

Embed from Getty Images

انحصرت التهم الموجهة إليه في البداية – عام 2017 – على التدبير لإقامة تظاهرات «جيزي بارك» عام 2013 في إسطنبول، وتمويلها مع تسهيل إيصال تمويل خارجي للاحتجاجات، خصوصًا من قبل الملياردير المجري-الأمريكي جورج سوروس، بهدف إطاحة الحكومة التركية، لكن المحكمة برأته في شهر فبراير (شباط) عام 2020 من هذه التهم.

وبالحديث عن احتجاجات «جيزي بارك» فقد اندلعت هذه الاحتجاجات في عام 2013، على أيدي ناشطين معارضين لتدمير حديقة «جيزي بارك» في منطقة تقسيم التركية، ومعارضين لخطة الحكومة ببناء نسخة طبق الأصل عن قلعة عثمانية، كانت موجودة في الموقع نفسه، خلال الحقبة العثمانية، بدلًا من الحديقة.

ويتهم معارضون أتراك، السلطة في تركيا باستخدام العنف المفرط لتفريق احتجاجات «جيزي بارك»، التي بدأت بناشطين بيئيين فقط، قبل أن تتحوَّل إلى قضية محورية للكثير من معارضي السلطة والحزب الحاكم، بسبب التعامل المفرط في العنف مع المحتجين، بحسبهم، فانضم إلى الاحتجاجات آلاف المتظاهرين في مختلف مناطق تركيا، ووحدت قضية حديقة «جيزي بارك» معارضين مختلفين فيما بينهم، في كثير من الملفات.

شكلت أحداث «جيزي بارك» التحدي الأكبر للسلطات التركية والحزب الحاكم، حتى المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 2016، ونقطة التحول في تعامل السلطات التركية مع معارضيها الذين شاركوا في الاحتجاجات، وهو ما جعل السلطات التركية، تعد شخصًا مثل كافالا معارضًا ومعاديًا للسلطات، لمشاركته في الاحتجاجات.

وقد ضمت الاحتجاجات سياسيين معارضين آخرين للحزب الحاكم والسلطات التركية، من بينهم صلاح الدين ديمرتاش، المسجون منذ عام 2016، وهو الرئيس السابق لحزب «الشعوب الديمقراطي» الكردي، وعضو برلمان سابق أيضًا.

وعليه، وبعد ساعات من الإفراج عن عثمان كافالا في اتهامات قضية احتجاجات «جيزي بارك» في فبراير 2020، جرى اعتقاله مجددًا وإيداعه السجن على ذمة تحقيقات جديدة، تربط بين عثمان كافالا ومحاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016، ليظل في السجن حتى اللحظة.

يعتقد كافالا ومناصروه أن محاكمته تتم على أسس سياسية صرفة، لا علاقة لها بالادعاءات القانونية التي يقدمها الادعاء ضده، والاتهامات التي توجهها له السلطات التركية، حتى إن السيد مراد كليكان، الصحافي التركي والناشط البارز في الدفاع عن حقوق الإنسان، قال لـ«نيويورك تايمز»: «إن الرجل – يقصد كافالا- لن يخرج من السجن أبدًا إلا بخروج أردوغان من السلطة، أو موته، أو تغيير رأيه، بينما قال عثمان كافالا، ردًّا على أسئلة وصلته عبر محاميه في السجن: «أن الرئيس أردوغان يستغل انقلاب عام 2016 للتخلص من معارضيه والزج بهم في السجون»، على حد تعبيره.

قضية كافالا تشعل أزمة دبلوماسية

أصبح عثمان كافالا وقضيته عناوين للتنديد بانتهاك حقوق الإنسان، ولضغط أجنبي على السلطات التركية للإفراج عنه وعن غيره من المعتقلين. ففي عام 2019 أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكمًا لصالح عثمان كافالا، باعتبار أن تركيا عضوًا في المحكمة، معلنةً أنه معتقل دون وجود أدلة كافية تثبت تورطه في أي جريمة، وأن استمرار اعتقاله يعد انتهاكًا لحقه في الحرية، وأنَّ أسباب اعتقاله سياسية تهدف إلى إسكاته وإخافة غيره من «المدافعين عن حقوق الإنسان»، واستمرت في محاولاتها إطلاق سراحه لاحقًا، بحسب حكم المحكمة.

Embed from Getty Images

في شهر مايو (أيار) عام 2020، وبعد محاولات مع السلطات التركية، أصبح حكم المحكمة الأوروبية بإدانة السلطات التركية في انتهاكها لحقوق الإنسان، نهائيًّا، ثم لحقه إدانات أخرى لتركيا في مجال انتهاك حقوق الإنسان.

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي أصدر «مجلس أوروبا (Council of Europe)» وهي المنظمة الرئيسة المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان في القارة الأوروبية؛ تحذيرها الأخير للسلطات التركية للإفراج عن عثمان كافالا، دون أن تستجيب السلطات التركية لذلك.

بعدها بشهر وتحديدًا يوم 18 أكتوبر 2021؛ أصدر سفراء 10 دول هي الولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا، وفرنسا، وكندا، والدنمارك، وفنلندا، وهولندا، ونيوزيلاندا، والنرويج والسويد، بيانًا مشتركًا للمطالبة بالإفراج الفوري عن عثمان كافالا، والالتزام بقرارات المحكمة الأوروبية، التي تعد تركيا أحد أعضائها، وأن التأخيرات في محاكمته والإفراج عنه تشكك في احترام النظام القضائي التركي للديمقراطية والقانون والشفافية.

لكنَّ هذه التصريحات أثارت استياء رئيس الجمهورية التركية، وعدَّها تدخلًا في الشؤون التركية، مؤكدًا أن على السفراء الأجانب فهم تركيا واحترامها أو المغادرة، وذلك بعد أن جرى الاجتماع بالسفراء واتهامهم بالتدخل في الشأن الداخلي التركي، ومحاولة التأثير في عمل القضاء التركي؛ ليصل الأمر إلى ذروته بالقرار التركي باعتبار السفراء أشخاصًا غير مرغوب فيهم في تركيا، فهل تتطور الأزمة عن ذلك الحد؟ هذا ما قد نعرفه خلال الأيام القادمة.

دولي

منذ 5 شهور
«​ناشونال إنترست»: 7 طرق لبناء إستراتيجية دبلوماسية شاملة بين أمريكا وتركيا

المصادر

تحميل المزيد