في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي ظهرت مدينة ووهان الصينية، عاصمة مقاطعة هوباي في نشرات الاخبار وعناوين الصحف بعدما أُعلن أنها البؤرة الأولى لظهور «فيروس كورونا» الذي تحول لاحقًا لمصدر وباء يلاحق دول العالم كافة. سوق لبيع ثمار البحر والسمك بالجملة في المدينة التي يسكنها 11 مليون نسمة كان مصدر انتشار الفيروس، لتصير المدينة في أذهان الكثيرين، ويذيع صيتها باعتبارها سبب انتشار الكورونا، ويصبح سكانها محل تخوف من التعامل معهم خشية حملهم العدوى.

ترسخت هذه الصورة عقب قرار السلطات المحلية إغلاق المدينة على سكانها، وتعليق جميع أشكال حركة النقل، وفرض عمليات حجر صحي استثنائية في ووهان والمدن المحيطة بها، وتطبيق قيود على حركة سكانها.

غير أن المدينة الصينية لها سيرة أخرى غير التي عُرفت عنها في الأسابيع الأخيرة، فهي قلب شرق البلاد الصناعي الذي كان محرّكًا للازدهار الاقتصادي الذي شهدته الصين خلال العقود الأخيرة؛ إذ تضم كبرى المراكز والشركات الصناعية. وللمدينة سيرة تاريخية أيضًا فهي المدينة التي شهدت الإطاحة بآخر رموز الإمبراطورية الصينية، وعُرف عن سكانها «الحزم والقوة» في مواجهة الظروف الصعبة.

في التقرير التالي نرسم صورة شاملة للمدينة، ونبرز وجوها أخرى لها غير التي ذاعت عنها في الأسابيع الماضية، كما نحاول عبر شهادات خاصة التعرف على الكيفية التي يمارس بها سكانها حياتهم، في ظل القيود عليهم من جانب السلطات المحلية، خشية وصول الإصابات لمستوى لا تستطيع السيطرة عليه.

«هُنا ووهان».. مركز ازدهار اقتصاد الصين في العقود الاخيرة

نالت مدينة ووهان الصينية أهميتها الاستثنائية بعدما أصبحت مركزًا ماليًا وصناعيًا مؤثرًا في القطاع الصناعي والتكنولوجي، جعلها فاعلًا ومؤثرًا رئيسًا في تحول الصين لإمبراطورية اقتصادية.

فمن بين وجوه المدينة الصينية، التي باتت تعرف ببؤرة انتشار «كورونا»، يبرز صورتها كمركز اقتصادي مميز، كان مُحركًا رئيسًا للتحول والازدهار الاقتصادي الفائق الذي عاشته البلاد، بعدما وقع الاختيار عليها لتكون محطة النمو الاقتصادي، والحاضنة الأهم لكُبرى الشركات ومراكز التصنيع، بفضل موقعها الجغرافي المميز الذي يربط شرقي الصين بغربها وجنوبها وشمالها.

طرق المدينة فارغة عقب إجراءات تقييد حركة سكانها

هذا الموقع الإستراتيجي جعلها محطة ملاحية مهمة في رحلات تربطها مباشرة مع أوروبا، والشرق الأوسط، والولايات المتحدة، كما تضم قنصليات عدد من الدول (فرنسا، وبريطانيا، والولايات المتحدة).

وقد كان للنشاط التجاري الكبير والتحول الاقتصادي اللافت الذي حظيت به المدينة سببًا في تسميتها «شيكاغو الصينية»، وأصبحت نموذجًا لمدن العالم كافة في الخروج من عثراتها المالية، واكتشاف طرق مبتكرة لتطوير اقتصاداتها.

وتعد المدينة مركزًا للصناعات المعدنية؛ إذ تُصمم فيها 60% من سكك الحديد للقطارات السريعة في البلاد، وتُعد حاضنة للقطاعات التي تتراوح بين صناعة الكومبيوتر والطب الحيوي.

وشرعت المدينة ذات المساحة المماثلة للندن قبل 11 عامًا، في بناء منطقة هانكوبي، أكبر مركز تجاري محلي في البلاد، والتي تقع بين أكبر محطة للسكك الحديدية في آسيا، وأكبر مطار في وسط الصين وأكبر ميناء للمياه العميقة في وسط الصين. لاحقًا، أصبح المركز التجاري (Hankoubei)، أكبر سوق تجارية داخل وخارج الصين، بعدما تحول لمركز توزيع للسلع ليس فقط للمناطق الداخلية الصينية، ولكن للعالم الخارجي، ويُدر أرباحًا سنوية 22.9 مليار دولار على مدار السنوات الثلاث الماضية.

وقد عزز المركز التجاري من موقعه عبر تأسيس مركز للصناعة في ووهان، بعدما عقد شراكة مع شركة التجارة الإلكترونية الصينية العملاقة «علي بابا» في أكتوبر (تشرين الأول) 2014، لينجح في جذب نحو ألفي مشروعًا صناعيًا رائدًا، جعل من ووهان مركزًا صناعيًا رائدًا. شملت هذه الصناعات مجالات متنوعة كالصناعات الإلكترونية البصرية والسيارات والحديد وصناعة الصلب. كما تشهد نموًا في قطاع الأدوية والتكنولوجيا الحيوية وحماية البيئة.

وتُقدر الإحصاءات أن ما يقرب من 6 آلاف شركة من أكثر من 80 دولة، تتمركز مقارها الرئيسة ومراكزها الصناعية في ووهان. ويتركز فيها حوالي 50 شركة فرنسية، بما يُمثل أكثر من ثلث استثمارات فرنسا في الصين. وتضُم المدينة نحو 160 شركة يابانية تعمل في العديد من القطاعات. من بين هذه الشركات «يانجتسي ميموري تكنولوجيز» لتصنيع شرائح الذاكرة للأجهزة المحمولة والتي مقرها في ووهان.

وجه آخر للنمو الاقتصادي الذي شهدته للمدينة الصينية يكمن في تحولها لمركز رئيس لصناعة السيارات، بعدما أصبحت حاضنة لكُبرى شركات السيارات العالمية مثل مجموعة «PSA» الفرنسية لصناعة السيارات، التي تمتلك العلامتين «بيجيو» الفرنسية، و«سيتروين»، إلى جانب «هوندا» اليابانية، و«نيسان».

العالم والاقتصاد

منذ 4 شهور
التنين المريض.. هل يجهض فيروس كورونا خطط الصين الاقتصادية؟

ويكفي مُقارنة حجم إنتاج الشركة من السيارات في عام 2004 إذ بلغ إنتاجها نحو 132 ألف سيارة في عام 2004 إلى 1.3 مليون سيارة في الأعوام الأخيرة، ليكتشف القارىء حجم النمو اللافت الذي شهدته المدينة في هذه الصناعة.

بحسب الموقع الرسمي للمدينة، فهي أصبحت مركزًا أساسيًا للتصنيع العالي التكنولوجيا والتصنيع التقليدي، إذ تضم نحو أكثر من 30 ألف مؤسسة صناعية من 33 صناعة متنوعة مثل الحديد والصلب والسيارات وتصنيع المعدات والبترول والبتروكيماويات والاتصالات الإلكترونية، والطب الغربي والتقليدي الصيني، والهندسة البيولوجية، والنسيج  والملابس والأغذية.

بعد أخر أضاف أهمية مضافة للمدينة هو تحولها للحاضنة الأكبر للطلاب الأجانب، بعدما توسعت فيها عدد المراكز التعليمية لمرحلة التعليم العالي لنحو 52 مؤسسة تعليمية، تستوعب نحو 70 ألف طالب جامعي.

كحال أزماتها التي لاحقتها دومًا، تجاوزت المدينة الصينية أواخر أزماتها الاقتصادية التي كادت أن تنهي مسيرتها الرائدة، بعدما توسع الحاكم الإقليمي في بناء منازل ومشاريع عمرانية، وشيد كبرى مسارح العرض السينمائية، لتجد كُل هذه البنايات الجديدة بلا جمهور يرتادها، وتقع المدينة في أزمة اقتصادية كبرى.

سريعًا تدخلت السلطات الصينية للحد من تضخم ديون المدينة، عبر شرائها ملايين المنازل غير المباعة من المطورين وأعطتها للمواطنين الأكثر فقرًا. وتوسعت في المقابل في إنتاج مشاريع تكنولوجية وأبحاث التكنولوجيا الحيوية وأمن الإنترنت. ودعمت الشركات المتعثرة عبر دمجها في شركات أخرى كحال «الشركة الوطنية للصلب» التي اندمجت مع شركة أقوى في شنغهاي عام 2016 .

حين أسقط سكانها آخر أباطرة الصين

قبل آلاف السنين كانت أسرة مانشو، الأسرة الإمبراطورية الصينية، تحكم البلاد، وسط تدخلات أجنبية أهدرت موارد البلاد، ونزاع دولي على ثرواتها، دون أدنى مقاومة من السلطة الحاكمة لهذه التدخلات التي أدخلت سكانها تحت خط الفقر الشديد.

فخلال سنوات حُكم الأسرة الملكية من عام 1644 وحتى عام 1912، شهدت الصين تدخلات خارجية وحروبًا من دول عديدة تتصارع على ثرواتها الجغرافية، وسلطات مُطلقة للأسرة بصلاحيات سياسية ومادية شاب الكثير منها عمليات غير شرعية، لينتفض الشعب الصيني أكثر من مرة، نجحت السلطات في السيطرة عليها، والتي كان أبرزها «هوانغهواقانغ»، التي سقط فيها نحو 72 شخصًا برصاص القوات الحكومية.

لم يقف فشل انتفاضة «هوانغهواقانغ»، والعنف الذي مارسته قوات الأمن، أمام تجمع المتظاهرين من جديد، وتكتلهم، في مدينة ذاع صيت سكانها بالشدة والتحمل، للحيلولة دون بقاء الأسرة الملكية في الحكم.

سكان صينيون يرتدون الكمامات خشية انتقال الفيروس

كانت هذه المدينة هي ووهان الصينية، التي تمرد سكانها، في أكتوبر 1911، من خلال انتفاضة شعبية مُسلحة، عممت شوارعها، التي ضجت بهتافات صدح بها سكانها ضد استبداد الأسرة الحاكمة، وقرارها بتأميم مشاريع السكك الحديدية بالبلاد ومنحها لعدد من البنوك الأجنبية. خرج سكان ووهان مدافعين عن ثورتهم بصدورهم وأسلحتهم في مواجهة زخات الرصاص التي صوبها نحوهم حراس الأسرة. بمرور الوقت، زاد صمود سكان المدينة، وانتقلت جذوة الاحتجاجات لمدن أخرى، متمسكين بمطلبهم بسقوط آخر إمبراطور للصين، الطفل بويي (ثلاث سنوات).

بحسب تشو تيه نونغ، رئيس اللجنة المركزية للجنة الثورية لـ«الحزب الشيوعي الصيني»، فهذه الثورة هي «أول تغيير تاريخي في الصين في القرن العشرين وأصبحت معلمًا عظيمًا في تجديد شباب الأمة الصينية».

بعدما عممت الانتفاضة من ووهان الصينية إلى المدن الأخرى، نجحت الثورة (المسماة بالـ«ثورة الصينية الاولى») في إسقاط سلطة الأباطرة ممثلة في الطفل الحاكم، والتأسيس للجمهورية الجديدة، عبر تنصيب صن يات صن رئيسًا للجمهورية الصينية الشعبية.

نجحت الثورة في الإطاحة بالملكية المطلقة التي حكمت الصين لأكثر من ألفي سنة، ونشرت على نطاق واسع أفكار الثورة الديمقراطية، لتهيئ الظروف لظهور حركة ثقافية جديدة، كان موطنها الأصلي ووهان الصينية، التي انطلقت تُبشر بالثورة والتغيير في كافة نواحي البلاد، داعية للماركسية والعلوم وعهد جديد. كان الأثر الأكبر لهذه الدعوة التي انطلقت من ووهان وعممت لكافة المدن الصينية هو تأسيس الحزب الشيوعي الصيني في يوليو (تموز) 1921، الذي حكم الصين بعد ذلك، وساهم في هذه النقلة النوعية التي عاشتها البلاد.

لكن.. كيف يعيش سكانها المدينة الثائرة بعد عزلها الآن؟

عقب انتشار فيروس «كورونا» من ووهان الصينية، والتأكد من أن الأخيرة هي مصدر انتشار الوباء، أغلقت السلطات المحلية المدينة بحواجز وأقماع بلاستيكية حمراء وصفراء، وانتشر أفراد الجيش. وعلقت جميع أشكال حركة النقل، مع تطبيق قيود على حركة سكانها، انتهت لحظرها مؤخرًا إلا في أشد الحالات. وأصبحت ووهان التي كانت تعج بالسكان أشبه بمدن الأشباح التي تثير الخوف عند استدعاء سيرتها.

محمد عبد العال 31 عامًا، طالب دكتوراة مصري بجامعة «هوانشينج» للعلوم والتكنولوجيا، الواقعة بمدينة ووهان الصينية، يرسم صورة كاملة للحياة في المدينة عقب الإجراءات الأخيرة قائلًا في اتصال هاتفي عبر تطبيق «ووي شات» مع «ساسة بوست»: إنه غير مسموح للسكان الخروج من منازلهم، موضحًا أن طلب الطعام يتم عبر التطبيقات الإلكترونية، التي توسعت السلطات الصينية في تعميمها، حيث تصل إلينا متطلباتنا في صالة الاستقبال أو خارج الغرفة دون تواصل مباشر.

عاملات في المدينة الصينية لبناء مركز علاجي لمصابي الفيروس

تتواصل الجامعة مع الطالب المصري يوميًا، للاطمئنان على ظروفه الصحية، فضلًا عن معرفة قياس درجة حرارته بشكل دوري، بعدما اعلنت عن تأجيل  الدراسة لأجل غير مسمى. يقول: «المشرف على رسالتي أبلغني بأن التعليم الإلكتروني سيكون أحد الخيارات الممكنة حال بقاء الوضع على ما هو عليه».

وبموجب الإجراءات الجديدة، لم يعد مسموحًا سوى لفرد واحد فقط من كلّ أسرة بأن يخرج من المنزل مرة واحدة كلّ يومين لشراء الضروريات، بحسب عبد العال.

ويُضيف أيضًا أن الصيدليات قييدت عملية بيع الدواء الصيني التقليدي الشهير لعلاج الفيروس على صندوقين فقط للشخص الواحد لإدارة الطلب المتزايد، وتخوفًا من نقص محتمل فيه، فيما أردف قائلًا: «بدأنا نشعر بأزمة نقص في الغذاء».

عند اضطرار خروج عبدالعال من المنزل، لظروف قهرية، فإنه يضطر بعد وصوله المسكن غسل كل ملابسه والاستحمام، يقول: «النظافة الشخصية مهمة – أعتقد أنني أغسل يدي 20 إلى 30 مرة في اليوم».

بالتوازي مع هذه المشاهد يحاول السكان الأصليون للمدينة بث العزيمة في نفوسهم للتغلب على هذه الأزمة الكُبرى. يلمس المتجول في المدينة هذه العزيمة من مشاهد متعددة أبرزها فتح نوافذ منازلهم وترديد صيحة شعبية معروفة في المدينة، تطالب بالتحلي بالصمود، وبث النشيد الوطني. كما يذيع  سائقو سيارات الأجرة أغنية راب شهيرة تنطوي كلماتها على حث الناس على عدم الخوف من الفيروس. وتقول الأغنية «ووهان.. الناس أقوياء بما يكفي لمحاربته وهزيمته».

صحة

منذ 4 شهور
«كورونا».. كل ما تريد معرفته عن الفيروس المميت الذي يجتاح الصين

المصادر

تحميل المزيد