تحدي السلطات القمعية.. هكذا قد تستفيد من «الإنترنت المظلم»

«الإنترنت المظلم» أو «دارك ويب».. هل سمعت بهذا المصطلح من قبل؟ ربما لا يعرف الكثير من الناس إلا أقل القليل عن شبكة الإنترنت المظلمة، وغالبًا ما تأتي هذه المعرفة من خلال دراما «نتفلكس» وأفلام هوليوود، لكن المؤكد بالنسبة لنا هو أن هذه الشبكة تضم أسوأ ما يمكن أن يجده الشخص في العالم.

نعم، الشبكة المظلمة للإنترنت تتعلق في الغالب بالأشرار؛ بيع المخدرات والأسلحة، تأجير عمليات الاغتيال، تزوير الهويات بصورة غير قانونية، الإتجار وبيع الأطفال والدعارة، تمويل العمليات الإرهابية، ستجد في هذه الشبكة تقريبًا كل أنواع الشرور في العالم التي يمكن أن تتخيلها.

عام 2018، عرض فيلم «Unfriended: Dark Web» في دور السينما. في هذا الفيلم كان مجموعة من الشباب في سن العشرينيات يتسلون بالدردشة عبر الفيديو من حواسيبهم الشخصية. أحدهم كان يستعمل «لابتوب» سبق وتركه شخص مجهول في مقهى الإنترنت الجالس به. قام الشاب بإظهار أحد المجلدات المريبة لأصدقائه عبر الدردشة حيث يمكن عبر هذا المجلد الوصول إلى جزء غريب من شبكة الإنترنت.

ورغم تحذيرات أصدقائه من أن هذا سيقوده إلى الإنترنت المظلم، إلا إن الشاب دخل إلى المجلد وإلى عالم الإنترنت المظلم، حيث تبين أن الكمبيوتر المحمول يحتوي على العشرات من مقاطع الفيديو التي تُظهر الأشخاص المقيدون بالسلاسل في الطوابق السفلية أو داخل براميل. يدرك الأصدقاء أن مقاطع الفيديو هذه يتم تصنيعها وتداولها عبر الإنترنت بواسطة عصابة من القتلة الساديين.

تبدأ المتعة عندما يدخل أحد أعضاء العصابة في خط الدردشة ليطلب استعادة الكمبيوتر المحمول الخاص به، لكن الوحش الحقيقي هنا هو الشبكة المظلمة نفسها. إنها تجربة مغرية ومخيفة، وهي فكرة أن بعض المجموعات الفظيعة من البيانات المرعبة تكمن تحت متناول مستخدم «الويب» العادي.

لكن ما لا يعلمه الكثيرون أن هذه الشبكة المظلمة تحتوي الخير أيضًا، أو لنقل إن لها جانبًا مشرقًا لا يعرفه الناس. وهذا هو موضوعنا.

عالم خفي مظلم.. ماذا تعرف عن «الإنترنت المظلم»؟

شبكة الإنترنت المظلم هي جزء من شبكة الإنترنت لكن لا يجري فهرستها بواسطة محركات البحث، ولا تظهر عبر متصفحات الإنترنت العادية بل تتطلب برامج أو تكوينات أو ترخيصًا معينًا للوصول إليها. تشكل الشبكة المظلمة جزءًا صغيرًا من «الشبكة العميقة»، وهي جزء من «الويب» لا تجري فهرسته بواسطة محركات البحث.

تشمل الشبكات المظلمة التي تشكل شبكة الإنترنت المظلم مجموعة من شبكات الند للند الصغيرة «peer-to-peer networks»، وكذلك الشبكات الكبيرة والشعبية مثل «Tor» و«Freenet» و«I2P» و«Riffle» التي تديرها منظمات عامة وأفراد. يشير مستخدمو الشبكة المظلمة إلى شبكة «الويب» العادية باسم «Clearnet» بسبب طبيعتها غير المشفرة.

لا شك أنك سمعت الحديث الذي يقال عن كون الإنترنت المظلم هو موقع للنشاط الإجرامي؟ هو كذلك. فقد صنف الباحثان دانييل مور وتوماس ريد من كلية كينجز في لندن محتويات 2723 موقعًا على الإنترنت المظلم على مدار خمسة أسابيع عام 2015، ووجدوا أن 57% منها يستضيفون موادًا غير مشروعة. لكن دراسة أجريت عام 2019، أظهرت أن الأمور أصبحت أسوأ. فقد ارتفع عدد قوائم الويب المظلمة التي يمكن أن تلحق الضرر بمؤسسة ما بنسبة 20% منذ عام 2016.

على «الإنترنت المظلم» يمكنك شراء أرقام بطاقات الائتمان وجميع أنواع المخدرات والمسدسات والأموال المزيفة وأوراق اعتماد الاشتراك المسروقة وحسابات «نتفلكس» والبرامج التي تم اختراقها والتي تساعدك على اقتحام أجهزة الكمبيوتر الخاصة بالأشخاص الآخرين. هناك يمكن شراء بيانات اعتماد تسجيل الدخول إلى حساب أحد البنوك مقابل 500 دولار. أو احصل على 3 آلاف دولار مزيفة مقابل 600 دولار. اشترِ سبع بطاقات خصم مدفوعة مسبقًا، ولكل منها رصيد 2500 دولار، مقابل 500 دولار. تبلغ قيمة حساب «نتفلكس» المميز (مدى الحياة) ستة دولارات فقط.

يمكنك استئجار القراصنة لمهاجمة أجهزة الكمبيوتر لصالحك. ويمكنك شراء أسماء المستخدمين وكلمات المرور. لكن يمكنك الوصول إلى ما هو أسوأ أيضًا. شراء البشر والعبيد، والحصول على أطفال للممارسات غير الأخلاقية. يمكنك استئجار قتلة لاغتيال خصومك، أو حتى ترويج وبيع وشراء المخدرات.

لكن كما هو الحال في الغالب، فإن الأشياء الجيدة التي تحدث على «شبكة الإنترنت المظلمة» نادراً ما تتصدر عناوين الصحف. تشير معظم القصص الإخبارية إلى التبادل غير القانوني للسلع والأنشطة الإجرامية الأخرى التي تحدث هناك، لكن مجرمي الإنترنت ليسوا مستخدمي الإنترنت الوحيدين الذين يرغبون في عدم الكشف عن هويتهم.

الوجة المضيء للإنترنت المظلم

1. الإبلاغ عن المجرمين

بينما نميل إلى تذكر القصص المثيرة والشريرة، إلا إنه لكل استخدام شرير للإنترنت المظلم، يمكننا أن نجد استخدامات مفيدة. على سبيل المثال، يوجد لبعض الصحف الشهيرة مثل «نيويورك تايمز» الأمريكية و«الجارديان»البريطانية مواقع على الشبكة المظلمة بحيث يمكن للمبلغين عن المجرمين تحميل المعلومات التي يريدون توصيلها دون الكشف عن هوياتهم.

في الواقع، تعكس صحيفة «نيويورك تايمز» موقعها على شبكة الإنترنت المظلم حتى يتمكن الأشخاص الذين يعيشون تحت الرقابة القمعية من زيارة موقعها دون تعقبهم. إنه يمثل مكان آمن للمعارضين في جميع أنحاء العالم. تخيل أنك تعيش في دولة مثل الصين التي تراقب كل ما يدور على شبكة الإنترنت، لكنك تستطيع الدخول لمواقع مثل هذه الصحيفة وقراءة وإرسال ما تريد دون أن تتبعك الحكومة الديكتاتورية هناك.

يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2017، نشرت الصحيفة الأمريكية خبرًا لقرائها تقول إن صحيفة «نيويورك تايمز» تقدم تقارير وقصص من جميع أنحاء العالم، وتقاريرها تقرأ من قبل أشخاص في جميع أنحاء العالم. لذلك هي تعلن في هذا اليوم عن تجربة في مجال الاتصالات الآمنة، عبر طريقة بديلة للأشخاص للوصول إلى موقعهم عبر خدمة « Tor Onion».

سياحة وسفر  منذ سنة واحدة

«الرقميون الرُحل».. أن تعمل وأنت تجوب العالم!

وأوضحت أن «بعض القراء يفضلون استخدام (Tor)» للوصول إلى صحافتنا لأنهم ممنوعون تقنيًا من الوصول إلى موقعنا على الويب؛ أو لأنهم قلقون بشأن مراقبة الشبكة المحلية؛ أو لأنهم يهتمون بالخصوصية على الإنترنت؛ أو ببساطة لأن هذه هي الطريقة التي يفضلونها».

من المعروف أن الصحافيين يستخدمون الإنترنت المظلم للاتصال بالمصادر دون الكشف عن هويتهم أو لتخزين المستندات الحساسة. كانت الشبكة المظلمة أيضًا ملاذًا آمنًا للأشخاص الذين يحتاجون إلى مشاركة المعلومات دون أن تكتشف بواسطة نظام استبدادي ما. لذلك يمكننا القول إنه لولا الإنترنت المظلم لما عمل الصحافيون بشكل آمن.

2. بعض الخصوصية يا جوجل

يستخدم الناس المنتديات على الإنترنت المظلم لتبادل الموضوعات غير المشروعة بالنسبة للبعض، بما في ذلك النظريات السياسية، ودراسات النوع الاجتماعي، والفيزياء، والكيمياء، والهندسة. يريد الآخرون ببساطة الهروب من عين الرقيب على «فيسبوك» و«جوجل». بعض مواقع الويب المظلمة مملة بصراحة، وتقدم مناقشات حول تقنية شبكات الكمبيوتر عالية التخصص أو وسيلة للعب الشطرنج بشكل مجهول. الكثير من الشبكة المظلمة مظلمة في الحقيقة هو مثل بقية شبكة الإنترنت.

قد يرغب آخرون ببساطة في توفير مستوى من الخصوصية على شبكة الإنترنت لأداء المهام العادية مثل المشاركة في وسائل التواصل الاجتماعي أو ممارسة الألعاب أو قراءة الأخبار أو مشاركة الملفات أو إرسال رسائل البريد الإلكتروني.

يوفر الإنترنت المظلم فرصًا للأفراد لمشاركة قصصهم الشخصية. في بعض المواقع، يمكن للناجين من سوء المعاملة مناقشة تجاربهم أو تسمية المعتدين عليهم أو استشارة والتحدث إلى أولئك الذين مروا بنفس هذه التجارب ويشعرون بعدم الارتياح عند التحدث عن تجاربهم. إنه مثل وجود عدد قليل من الأصدقاء في جميع أنحاء العالم، لكن لا أحد يعرفهم.

3. التحايل على الحكومات القمعية والوصول إلى الممنوع

يمكن من خلال الإنترنت المظلم التحايل على الحكومات القمعية. تقوم بعض الدول بإخضاع مواطنيها على أساس تعسفي، بما في ذلك النشاط الجنسي أو الدين. توفر شبكة الإنترنت المظلمة فرصًا للأشخاص لتشكيل مجتمعات في منتدى يحتوي على سياسات أقل انتظامًا، حيث يمكنهم مشاركة النصائح أو التخطيط للقاء شخصيًا. في هذا الصدد، يمكن استخدام الشبكة المظلمة للتحايل على الاضطهاد.

يمكن أيضًا لبعض الحكومات تقييد الوصول إلى الكتب بسبب مجموعة متنوعة من العوامل. توفر شبكة الإنترنت المظلم الكثير من الفرص لقراءة الكتب التي قد تتم معالجتها أو حظرها تمامًا في العالم الحقيقي. هل قرأت «حكايات جريم المنزلية» الأصلية (المعروفة غالبًا باسم حكايات جريم الخيالية)؟ لا توجد هذه الحكايات في العديد من المكتبات، ولكنها متوفرة على شبكة الإنترنت المفتوحة وعلى «الويب» المظلم. بالنسبة لملايين الأشخاص، يكون الوصول عبر الإنترنت المفتوح مقيدًا؛ مما يترك خيارًا واحدًا فقط: الإنترنت المظلم.

Embed from Getty Images

(ليس كل مستخدم للإنترنت المظلم ذا طابع إجرامي)

ولمن لا يعرف «حكايات جريم المنزلية»، فإنها مجموعة من الحكايات الخرافية الألمانية، نشرت أول مرة عام 1812 بواسطة الأخوين غريم. كانت المجلدات الأولى عرضة لكثير من النقد، لأنها وعلى الرغم من كونها قصصًا موجهة للأطفال، إلا أنها لم تعتبر مناسبة للأطفال، سواء من حيث المعلومات أو من حيث الموضوع. طرأت تغيّرات كثيرة على القصص، على سبيل المثال، تحويل الأم الشريرة في الطبعة الأولى من قصة «بياض الثلج» و«هانسل وغريتل» إلى زوجة أب، لتكون أكثر ملاءمة. كما أزيلت بعض الإشارات الجنسية مثلما في قصة «رابونزل» عندما كانت تسأل ببراءة عن سبب ضيق ثوبها حول الخصر، وقد كانت تكشف بسذاجة لزوجة أبيها عن حملها وزيارات الأمير لها.

4. حرية الوصول للمعلومات المخفية

يوفر البحث في الإنترنت المظلم (أو يمكننا أن نوسع الأمر الأكثر ونقول الإنترنت العميق) الوصول إلى المواقع التي لم يتم فهرستها بواسطة محركات البحث، بما في ذلك إدخالات قواعد البيانات. غالبًا ما تسفر عمليات البحث هذه عن روابط لن تجدها أبدًا من خلال مصدر مثل «جوجل»؛ لأن «جوجل» لا تقوم بفهرسة إدخالات قاعدة البيانات. نحن نتحدث هنا عن القدرة على البحث عن المعلومات دون أن يتتبعك أحد.

الإنترنت العميق يعزز حرية المعلومات عن طريق فتح الطريق السريع للمعلومات المخفية. ولأن المعرفة قوة، فإن شبكة الإنترنت العميق للخوادم السحابية، والمعلومات المشفرة، وصفحات الويب المخفية تسمح للناس بالاستفادة من المكتبات الافتراضية الواسعة. فكر في الأمر بهذه الطريقة: أنت لن ترغب في أن يتمكن شخص ما من البحث على «جوجل» لمعرفة رقم حسابك المصرفي لأن هذه المعلومات مخفية ومشفرة من قبل البنك الذي تتعامل معه. المبدأ نفسه مطبق في الإنترنت العميق.

الإنترنت المظلم.. البعض يريد الابتعاد عن عين الرقيب فقط

في الواقع، كانت فكرة الابتعاد عن الرقابة الحكومية أحد الأسباب الرئيسة وراء ظهور الإنترنت المظلم. نحتاج هنا إلى العودة بالتاريخ قليلًا إلى الوراء. في عام 1999، لفت إيان كلارك عالم الكمبيوتر بجامعة إدنبرة بالمملكة المتحدة، الانتباه إلى عيبين في تصميم شبكة الإنترنت التي كان عمرها يبلغ آنذاك 10 سنوات فقط. أوضح كلارك أنه باستخدام نظام العنونة العامة وبرامج التوجيه التي يمكن تتبعها، كان من السهل للغاية مراقبة «الويب» والرقابة عليه.

إذا كانت عادات القراءة ومنشوراتنا مرتبطة دائمًا بنا، فإن كلارك يرى أنه يمكن للكيانات القوية مثل الحكومات أو الشركات استخدام هذه المعلومات للسيطرة علينا. علاوة على ذلك، إذا كانت شبكة الويب تعتمد على بنى تحتية مركزية، مثل «DNS» (الذي يترجم الأسماء إلى عناوين الإنترنت)، فإن حظر الوصول إلى مواقع معينة – مثل تلك المواقع التي تعارض وتنتقد الأحزاب الحاكمة والقادة – أصبح أمرًا في متناول يد الدولة بمنتهى السهولة.

كان كلارك على حق. تقوم ما يمكن تسميتها «رأسمالية المراقبة» (كما نعرفها الآن) بتتبع كل ما نقوم به على الإنترنت، وتقوم العديد من المواقع والشركات باستغلالنا بالفعل من أجل الربح، ولنا في «فيسبوك» و«جوجل» أكبر وأوضح دليل يتعلق بانتهاك خصوصيتنا بشكل صارخ من أجل مزيد من توجيه الإعلانات لنا. أيضًا، في العديد من أنحاء العالم، تقوم الحكومات بحظر المواقع الإلكترونية التي تعمل ضد توجهاتها.

من أجل ذلك قام كلارك بتطوير شبكة «Freenet» لتكون بديلًا لامركزيًا ومجهولًا للإنترنت. وسرعان ما تبعتها شبكات أخرى مع «Tor» و«I2P» (مشروع الإنترنت الخفي). هذه الشبكات الثلاث معًا تشكل شبكة الإنترنت المظلم.

بدلًا عن أن تكون غير أخلاقية أو مخفية، يجب أن نفكر أنها الشبكة التي تعمل في «الظلام»، والتي تمثل تعتيمًا للاتصالات لا أكثر. العامل الوحيد الذي يميزها عن بقية الإنترنت هو أنها تعمل على برنامج يحجب الطرق التي تتبعها حركة مرور الإنترنت العادية، بحيث لا يمكن تتبع المستخدمين. من الناحية النظرية، لا أحد يعرف من الذي يدير مواقعها على الإنترنت أو من يزورها.

تكنولوجيا  منذ شهرين

الكل يبيع معلوماتك حتى مواقع الصحة النفسية! تعرف على أبرز هؤلاء اللصوص

الإنترنتالإنترنت المظلمالسلطات القمعيةالقرصنة الإلكترونيةالمعارضة

المصادر