كان لشهر أكتوبر النصيب الأكبر في عمليات وصفت بالإرهابية، اتُّهم بالقيام بها مسلمون، تقاسمتها كل من كندا و أمريكا. و في الوقت الذي سلطت فيه الأضواء على العملية التي تمت في العاصمة الكندية أوتاوا، و التي أسفرت عن مقتل شرطي كندي، في حادث إطلاق نار على البرلمان الكندي، إلا أنه قد سبقها و لحقها عمليتان أخريان في كل من كندا و أمريكا.

حوادث كندا و أمريكا.. صدفة أم ارتباط!

في الحادي و العشرين من أكتوبر الماضي، أعلنت الشرطة الكندية مقتل متشدد إسلامي، قام بدهس جنديين كنديين بسيارته، و هي العملية التي تمت قبل يوم واحد من حادث أوتاوا، و الذي اتهم فيه مسلم متشدد آخر، قيل أنه كان ينوي السفر للخارج للقتال.

و لم يمض يومان على حادث أوتاوا، حتى أعلنت الشرطة الأمريكية، مقتل إسلامي متشدد، قام بمهاجمة مجموعة من رجال الشرطة في نيويورك، مما أدى إلى إصابة شرطيين منهم. و أثار توقيت الهجوم التساؤل عن ارتباط الأمر بحادثي كندا الإرهابيين، خاصة مع دعوات أطلقها متطرفون لمهاجمة الجيش و الشرطة.

و ما يثير التساؤل الآن، عن كيف ستؤثر مثل تلك الحوادث و غيرها على المسلمين في الغرب؟

إجراءات خاصة

لم تكن الحوادث الأخيرة وحدها السبب في تلك الإجراءات الخاصة فلقد بدأ الأمر خاصة في عدة دول أوروبية، مع تنامي خطر تنظيم الدولة الإسلامية في الشرق ” داعش”، و سفر العديد من المتشددين المسلمين للانضمام إليها في قتالها ( هكذا وصفت الأمر حكومات دول أوروبية).

رفعت كندا مستوى التهديد الإرهابي، بعد الحادث الأول، خاصة بعد ما وصف ” بزيادة ثرثرة” من جماعات متطرفة، قالت الحكومة الكندية أن من بينها تنظيميْ الدولة الإسلامية و القاعدة، ليتطور الأمر بعد حادث أوتاوا، إلى تشديد قوانين مكافحة الإرهاب، حيث صرح رئيس الوزراء الكندي بأن هناك خططا لمنح صلاحيات أكبر لأجهزة الرقابة والأمن، للتصدي لمن يريدون نقل وحشيتهم إلى كندا، على حد قوله. كما بدأت كندا في التحقيق مع العديد من مواطنيها، و المقيمين على أراضيها، بشبهة الإرهاب، و ذلك بعد عودتهم من دول تشهد نزاعات، على رأسهم العراق و سوريا.

تأتي تلك الإجراءات وسط مخاوف من تأثيرها على نسيج المجتمع الكندي، و الذي يوصف بأنه مثل ألوان الطيف نظرا لتعدد ثقافاته، إلا أن هناك خوفا اليوم من عدم استمرار الأمر على ذلك المنوال، خاصة مع سياسات رئيس الوزراء الكندي هاربر، و التي تسير في اتجاه معاكس للتعدد الثقافي و التنوع.

ماذا عن أوروبا؟

لا يختلف الأمر كثيرا في أوروبا، ففي بريطانيا مثلا، وفقا لرئيس بلدية لندن، ثمة تصريحات بخضوع آلاف المشتبه بصلتهم بالإرهاب، لعمليات رصد يومية، يأتي ذلك بعد شهرين من رفع بريطانيا إنذارها الدولي للخطر إلى ثاني أعلى تصنيف وهو “شديد”، ما يعني أن بريطانيا تتوقع هجوما مرجحا وبقوة.

لم تكتف بريطانيا بذلك، ليعلن وزير الخارجية البريطاني، أن بلاده قد تلجأ لقانون من قوانين العصور الوسطى، و هو ما يسمى بقانون” الخيانة”، ذلك القانون الذي صدر في عهد إدوارد الثالث،عام 1351.

 

فرنسا

بلاد الحرية و النور، بعد مصادقة برلمانها على قانون محاربة الإرهاب، سوف يصبح في مقدورها منع سفر من تصفهم بالمجاهدين بشكل أسهل و أيسر، حيث يسمح قانون محاربة الإرهاب الجديد بسحب جوازات السفر وبطاقات الهوية من المشتبه بهم.

و لم تكتف فرنسا بذلك، بل عملت على إدراج قانون جديد لملاحقة من يقف وراء “خطط لتنفيذ عمليات إرهابية بشكل فردي”، لتتمكن من التحرك ضد أفراد يخصصون لأعمال إرهابية بشكل فردي، دون أن يكونوا على صلة بجماعات إرهابية، حيث كان الحديث سابقا عن مجموعات إجرامية تخطط لعمليات إرهابية.

بناءً على هذا القانون، سيتم حظر الدعاية الإسلامية على شبكة الإنترنت، و حجب المواقع التي تمجد الإرهاب .

شرطة الشريعة في ألمانيا

في حادثة هي الأغرب على المجتمع الألماني، فوجئ الألمان يوم الخامس من سبتمبر، بمجموعة من المسلمين يطوفون مدينة فوبرتال الألمانية، يدعون السكان إلى الصلاة و ترك القمار و المشروبات الكحولية، فيما سمي محليا باسم ” شرطة الشريعة”، وهو ما يرتبط في الأذهان بجماعات الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و التي اشتهرت بشكل أساسي في المملكة العربية السعودية، ما جعل وزير الداخلية الألماني يصدر تصريحا بأنه لا تسامح مع الشريعة على الأرض الألمانية.

تأتي تلك الحادثة في الوقت الذي تزداد فيه المخاوف في ألمانيا، من تنامي عدد السلفيين فيها، حيث قدرت أعدادهم في الوقت الحاضر ب 6300 شخص، مع توقعات بوصول العدد إلى سبعة آلاف بنهاية العام الحالي.

ألمانيا التي تعتبر أنها تتحمل مسؤولية خاصة في مواجهة “داعش”، في إشارة ضمنية منها إلى الجهاديين من أصول ألمانية، الذين يحاربون اليوم في صفوف الدول الإسلامية، و التي ترى أيضا تبعا لتصريحات فالتر بوش من مؤسسة العلوم والسياسة والباحث في قضايا الإرهاب أن “الوزن السياسي لألمانيا، والتي تعتبر سياساتها محركا لبقية الدول الأوروبية، كبير ومهم، يفرض عليها أن تتخذ تدابير سياسية ضد الإرهاب الدائر” .

تبحث هذه الأيام، كيفية تحكمها في سفر الجهاديين إلى مناطق النزاع، فمع التفكير في سحب الجنسية الألمانية ممن يثبت انتماؤه للفكر الجهادي الداعي للانضمام للدولة الإسلامية، و ترحيلهم من ألمانيا، بدأت السلطات الألمانية في سحب الهوية الشخصية لأي شخص تم التشكك في تورطه في الانضمام إلى جماعات إرهابية، وتستبدلها ببطاقة أخرى لحصر حرية تركهم ومنعهم من مغادرة ألمانيا، حيث تم بالفعل سحب جوازات سفر عشرين ألمانيا لمنعهم من السفر إلى سوريا ، يأتي ذلك وسط دعوات بعدم الاكتفاء بالحل الأمني في مواجهة زيادة عدد الجهاديين، بل أيضا القيام بخطوات وقائية مسبقة، وفتح باب المشورة والنصح، لمنع الشباب من الانضمام له.

أما على صعيد الشارع الألماني، فيبدو أن تنظيمات الهوليغنز قد وجدت أخيرا ما يوحدها، فتلك التنظيمات التي اشتهرت بحربها لبعضها البعض، قد اتحدت ضد السلفيين و تواجدهم في ألمانيا، مع دعوات لمظاهرات كبيرة تحت عنوان ” حماية ألمانيا”.

ووسط العديد من الأخبار التي تتحدث عن انتشار الفكر الجهادي في ألمانيا، و ما يمثله ذلك من خطر عليها وعلى العالم، تأتي مخاوف المسلمين فيها، من عودة الأجواء المعادية للإسلام من جديد، مخاوف من عدم التمييز بين من تعتبرهم الدولة متشددين وجهاديين، و بين من يرفض هذا الفكر بكامله من عامة المسلمين في ألمانيا. خشية من أن يتم تصنيف المسلمين جميعهم على أنهم إرهابيون، لتتحول تلك الخشية إلى تساؤل دائم، لا يقتصر عليه الحال في ألمانيا وحدها، بل يمتد إلى دول الغرب عامة.

كيف تقرر الدولة من هم الجهاديون؟ هل سيتم وصم الجميع بالإرهاب؟ إلى ماذا ستؤول أحوال المسلمين وسط اتهامات بزيادة أعداد الإرهابيين منهم؟

أسئلة يبدو أن أجوبتها لم يحن أوانها بعد.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد