لا يزالُ التاريخ مقيمًا بقوة في حاضرِ الجزائريين؛ فما إن يخبو الجدال حول قضيةٍ تاريخيةٍ ما حتى تطفو على السطح قضية أخرى تترك الجرح التاريخي الجزائري عاريًا. فبعد أن احتفى الجزائريون بعودة جماجم قادة الثورات الشعبية من متحف الإنسان الفرنسي، ووريت مكانها الطبيعي تحت الثرى؛ أعاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الجدل حول فترةٍ تاريخيةٍ مبهمة من تاريخ الجزائر. حين ذهب يعدد خلال حديثه مع صحيفة «لوبينيون» الفرنسية، الفترات والدول التي «احتلّت» الجزائر منذ العهد الفينيقي، واصفًا التواجد العثماني بالجزائر في الفترة ما بين 1519 – 1830 بـ«الاحتلال التركي».

أثار هذا التصريح جدلًا وانقسامًا واسعين بين الجزائريين، فانقسموا إلى من يرى التواجد العثماني امتدادًا للدولة العثمانية التي حكمت جلّ العالم الإسلامي، وبين ما يراها احتلالًا، مثلما يراها الرئيس الجزائري. وفي هذا التقرير نضع الحكم العثماني للجزائر الذي امتدّ ثلاثة قرون على الميزان، تاركين للقارئ وحده الحكم.

إسبانيا أم الأستانة.. من يظفر بالجزائر المنهكة؟

عرفت الجزائر مع نهاية القرن الخامس عشر، حالة من الفوضى والاضطراب السياسي الذي كانت تشهده الدولة الزيانية – آخر الدول القائمة بالمغرب الأوسط – عبّر عنها توفيق المدني في كتابه «حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا 1492-1792» بوسمها بـ«التقهقر، والفوضى والانحلال». وذلك من خلال رصده لجملةٍ من الملامح التي رسمت المشهد العام للمغرب الأوسط -اسم الجزائر آنذاك-.

فيذكر المدني أنّ سكان الولايات القسنطينية، وسكان مدينة الجزائر وأهل الشرق الوهراني لم يبقوا معترفين بسلطة أحد، فكانت مدينة وهران (أقصى غرب الجزائر) تبدو أواخر القرن الخامس عشر، وهي تحت السلطة الاسمية لبني زيان، أمّا مدينة بجاية (شرق الجزائر) فقد كانت في ذلك العصر تكتسب ثروة طائلة وبصفة مستقلة من التجارة الواسعة التي كانت تتعاطاها مع البلاد الطليانية، ومن القرصنة.

بينما كانت مملكة تلمسان تشمل بصفة غير محددة الغرب الجزائري الحالي، وكان رجال الدولة (أواخر القرن الخامس عشر) قد تحرروا من السلطة المركزية، فكان أدعياء الملك لا يجدون صعوبة في جمع الأنصار لمحاربة السلطان القائم، وكان الأبناء يثورون ويخلعون آباءهم، كما كان الأبناء يحاربون بعضهم بعضًا لاقتسام ملك أبيهم.

الغزو الإسباني للسواحل الجزائرية
الغزو الإسباني للسواحل الجزائرية

أمام هذا الجو السياسي والاجتماعي الذي ينذر بكلّ شيء سوى وجود دولةٍ جزائريةٍ تبسط سلطتها وسيادتها على حدودها؛ باتت الجزائر مطمعًا للقوى العالمية في تلك الحقبة من الزمن فقد تحوّلت إلى قطعة كعكة تشهي الغزاة.

وبعد انعقاد مؤتمر «تورديسيلاس» سنة 1494، والذي أطلق فيه البابا إسكندر السادس العنان لكلّ من إسبانيا والبرتغال لاقتسام العالم حينها؛ عمد الكاردينال كاسيمناس خيمينيس المشهور بتعصّبه الديني على إقناع الملك فرديناند وقرينته إيزابيلا بمواصلة حربهما ضد المسلمين الفارّين من الأندلس إلى شمال أفريقيا، وهناك باتت السواحل الجزائرية في دائرة الاستهداف الإسباني.

في 29 من أغسطس (آب) سنة 1505، انطلقت أولى الحملات الإسبانية لغزو الجزائر مستهدفةً المرسى الكبير بمدينة وهران الجزائرية، ثم احتلال بجاية وعنابة سنة 1510، ثم مدينة الجزائر في السنة ذاتها، وهي المدينة التي أقام فيها الإسبان حصن الصخرة العسكري. لم تمضِ شهور عن ذلك حتى صار معظم الشريط الساحلي الجزائري تحت السيطرة الإسبانية وارتكب الإسبان في رحلتهم الاستعمارية تلك، مجازر رهيبة، كادت أن تُنسي العالم المجازر التي ارتكبوها في الأندلس، واستمر الغزو الإسباني للسواحل الجزائرية حتى سنة 1531، حيث سقط مرسى «هنين» بمدينة بتلمسان هو الآخر تحت السيطرة الإسبانية.

وفي الوقت الذي كانت السفن الإسبانية تسيطر تدريجيًا على السواحل الجزائرية؛ كانت الدولة العثمانية تبحث هي الأخرى عن مناطق نفوذٍ جديدة تزيد بها شساعة حدودها الإمبراطورية.

ضاق الجزائريون ذرعًا من ممارسات الغزو الإسباني ومجازره اليومية؛ فتسابق أعيان المدن الجزائرية منذ سنة 1512، إلى الاستنجاد بالإخوة بربروس الذين انتشرت أخبار ملاحمهم البحرية بالجزائر، فقد كان الإخوة عروج وخير الدين بربروس ينشرون الرعب بين السفن الأوروبية العابرة للمتوسط، وكان لهم صيتٌ بين الفارين من الأندلس، وهو ما كان حسب المؤرخ أبو القاسم سعد الله «سببًا في استنجاد الجزائريين بهم».

في مذكراته الموسومة بـ«مذكرات خير الدين»، يروي خير الدين بربروس كيف استطاع بمعية أخيه أن يخوضوا حروبًا عديدةٍ لتحرير الساحل الجزائري من الإسبان على مدار ثماني سنوات؛ إلى أن استطاعا السيطرة على مدينة الجزائر سنة 1518، وإنهاء حكم سالم التومي بقتله متهمين إيّاه بالخيانة، ولم يلبث أخوه عروج أن قُتل هو الآخر على مشارف مدينة بتلمسان.

خير الدين بربروس
خير الدين بربروس

خلف بربروس أخوه عروج في حكم مدينة الجزائر بعد أن بايعه أهلها؛ ولم يلبث أن أقنع بربروس أعيان مدينة الجزائر بإرسال رسالةٍ إلى السلطان العثماني سليم الأوّل عبر المدرّس أبو العباس أحمد بن القاضي يعرضون فيه انضمام الجزائر إلى الدولة العثمانية ويطالبونه فيها بتولية بربروس أميرًا على الجزائر وإرسال مساعداتٍ عسكريةٍ في سبيل استكمال تحرير كامل السواحل الجزائرية من الإسبان وتثبيت الحكم العثماني بالجزائر، وممّا جاء في تلك الرسالة ما يلي:

«ومفاد ما يريد عبيدكم إعلامه لمقامكم العالي، هو أن خير الدين كان قد عزم قصد جنابكم العالي إلّا أن البلدة المذكورة رفعت أيديها متضرعة إليه أن لا يرحل، خوفًا من الكفار لأن هدفهم هو النيل منا ونحن على غاية من الضعف والبلاء. ولهذا أرسلنا الى بابكم العالي المدرس سي أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد، خدام أعتابكم العالية، وأهالي إقليم بجاية والغرب والشرق خدمة مقامكم العالي».

استجاب السلطان العثماني سليم الأول لطلب مدينة الجزائر، وأرسل قوة مؤلفة من ألف جندي إنكشاري مزودة بالمدفعية و9 آلاف متطوع، ومنح خير الدين رتبة «بايلرباي» أي -أمير الأمراء- والتي أصبح بموجبها خير الدين بربروس القائد الأعلى للقوات المسلحة في إيالة الجزائر وممثلًا خاصًا للسلطان العثماني سليم الأوّل، وثمّ ضرب السكة باسم السلطان العثماني وذكر اسمه في الخطبة ليبدأ فعليًا العهد العثماني بالجزائر سنة 1519م.

لماذا لم يهتم حُكّام الجزائر العثمانية بالعلوم والثقافة؟

لنبتعد قليلًا عن السياسة في العهد العثماني بالجزائر؛ ونلتفت إلى الجوانب الحضارية التي أرست تلك الحقبة من التاريخ الجزائري. فمن بين أبرز الاتهامات الموجهة إلى العثمانيين؛ عرقلتهم للإنتاج الثقافي والعلمي بالجزائر، وغياب مركزٍ حضاري بالبلاد طيلة تلك الفترة. فبعد أن اشتهرت حاضرة بجاية وتلمسان في العهد الزياني باعتبارهما قطبًا للعلماء، واشتهرت بلاد توات بالجنوب الجزائري بإنتاجها العلمي الغزير؛ غاب شعاع تلك المدن في العهد العثماني.

ويبدو أنّ الطابع العسكري الذي غلب على الحكم لدى العثمانيين، كان السبب الأبرز في عدم اهتمامهم بالجوانب الأخرى بالجزائر، فافتقرت الجزائر العثمانية – حسب مؤرخين – إلى مظاهر التحضر والتمدن والتي نفهم من خلال سياقها عدم الاهتمام بالعلوم والثقافة.

لم يمنع ذلك – بحسب المؤرخ أبو القاسم سعد الله – من رسم قدرٍ يسيرٍ من المعالم الحضارية والعلمية بجهودٍ محلية من العلماء الجزائريين، فكان التأليف في علم اللغة محدودًا ومحتكرًا على القليل من العلماء أمثال محمد بدوي الجزائري الذي ألّف كتاب «الارتضاء في الفرق بين الضاد والظاء»، وأبو راس الناصري الذي ألّف كتابي «ضياء القاموس»، و«رفع الأثمان».

رغم عدم الإهتمام الرسمي، أهالي الجزائر وصلوا تطوير العلوم رغم عدم الاهتمام الرسمي، أهالي الجزائر واصلوا تطوير العلوم

لم يختلف الأمر كثيرًا في علم النحو؛ فقد برز قاسم بن عبد الله المرادي المالكي بكتابه «شرح في النحو»، وسعيد قدورة بكتابه «رقم الريادي على تصنيف الريادي»، وأنتجت جهود يحيى بن معطي الزواوي في تأسيس مدرسةٍ للنحو بالزواوة، ووضع عبد الكريم المغيلي شرحًا لمختصر خليل.

تميزت العلوم العقلية بشحٍ إنتاجي كبيرٍ، حتى أن الرحالة الأوروبيين ومن بينهم وليام شيلر الذي نقل في كتابه «مذكرات وليم شارل، قنصل أمريكا في الجزائر، 1816-1942»، أنه «لم يكن في الجزائر العثمانية أطباء ولا مهتمين بالطب»، وذكر أبو القاسم سعد الله أنّ «الحكام العثمانيين كانوا يستنجدون بالأطباء الأوروبيين في حالة مرضهم».

لكن الجهود التي بذلها الجزائريون لمواجهة الأوبئة التي ضربت الجزائر طوال تلك الفترة ونجاحهم في القضاء عليها، تُثبت بشكلٍ ما، أنّ الحياة الطبية بالجزائر العثمانية كانت في مستوى لا بأس به، كما أنّ كتب الطبيب عبد الرزاق بن حمادوش وابن عمار تفنّد شهادات الرحالة الأوروبيين بأنّ الجزائريين – في تلك الحقبة – كانوا لا يعرفون للطبّ طريقًا.

ومن بين الأمور الإيجابية في مسألة التعامل العثماني مع العلوم والثقافة والتي اتفق المؤرخون المختصون في التاريخ العثماني بالجزائر عليها؛ هي عدم تأثير الأتراك على اللغة العربية بالبلاد، وبالرغم من كون اللغة التركية كانت اللغة الرسمية للإدارة إلّا أنّ اللغة العربية بقيت في مكانها بل شهدت تطورًا في ذلك العصر؛ كما حافظ العثمانيون على المذهب المالكي السائد بالبلاد، وأضافوا إلى جنبه المذهب الحنفي والإباضي.

مناصب الحكم في الجزائر «لمن استطاع إليها سبيلًا»

لعلّ أبرز انتقاد يوجهه المؤرخون والمختصون للحكم العثماني بالجزائر هو إقصاء الجزائريين من المشاركة في الحكم. وقد شمل هذا الإقصاء حتى فئة الكراغلة (أبناء أب تركي وأم جزائرية) إلّا نادرًا، ولكن رغم ذلك فإن نظام الحكم العثماني عمّر طويلاً – 312 سنة -، فهل هذا يعد مظهرًا من مظاهر قبول هذا النظام كما ذهب إلى ذلك زكريا قورشون في معرض حديثه عن الدولة العثمانية بالجزائر من خلال كتابه «العلاقات العربية التركية في مفترق الطرق»؟ أم أنّ هناك عوامل أخرى أغمضت أعين الجزائريين عن هذه النقطة.

للإجابة عن هذا السؤال؛ دعونا أولًا ندخل في تفاصيل نظام الحكم العثماني في الجزائر؛ فالبداية كانت بنظام أمير الأمراء أو البايلربايات (في الفترة من 1519 إلى 1587)؛ والذي يعيّن من طرف السلطان العثماني ويكون واحدًا من البحارة. ولأنّ الجزائريين لم يهتموا بولوج سلك البحرية والتدرج في رتبها؛ كانت مرحلة البيلربايات منطلق عزل الجزائريين من الحكم وسميّ هذا العهد بـ«عهد ريّاس البحر»، غير أنّ تلك الفترة شهدت تولي حسن آغا ابن خير الدين باشا للحكم وهو أوّل الكراغلة الذي حكموا الجزائر.

 حسن باشا بن خير الدين بربروس
حسن باشا بن خير الدين بربروس

فطن الباب العالي أنّ إعطاء الصلاحيات الكبيرة لرياس البحر سيجعلهم يفكرون في الاستقلال بالجزائر، ما جعله يغيّر نظام الحكم بأن يرسل حاكمًا – برتبة باشا – من الأستانة للجزائر هذه المرّة، كلّ ثلاثة سنوات، وانتقل ميزان الحكم من رياس البحر إلى رجال الإنكشارية، وطيلة أزيد من قرنٍ من الزمن ابتعد الجزائريون عن حكم بلادهم.

في عهد الأغوات الذي امتد من سنة 1659م حتى عام 1671، لم يتغيّر سوى وصول بعض الكراغلة إلى مناصب قيادية في الجيش. أمّا عهد الدايات الذي امتدّ حتى سقوط البلاد في يد الاحتلال الفرنسي؛ والذي عرف استقلالًا ذاتيًا للجزائر عن الدولة العثمانية، فكان أقصى منصب يحلم به الجزائري هو جندي بالجيش أو موظف في الإدارة العثمانية، بينما استطاع الكراغلة تبوء مناصب قيادية مثل تبوء أحمد باي منصب حاكم بايلك قسنطينة.

ويرجع أبو القاسم سعد الله، سر رضا الجزائريين – ولو مؤقتًا – بالوضع الذي رافق حكم العثمانيين للجزائر رغم إقصاء السكان الأصليين من الحكم، إلى الطابع الديني الذي اكتساه الحكم العثماني في الجزائر قصد مواجهة المشروع الصليبي الإسباني، وهذا الطرح يشاطره حمدان خوجة بقوله في كتابه «المرآة»، فيقول: «وهناك وسيلة أخرى استعملوها وتتمثل في أنهم كانوا يظهرون أنفسهم حماة الدين، ويمتنعون عن القيام بكل ما هو مناف للقوانين، ولا يعملون إلا بالقانون ولفائدة القانون. يقيمون الصلاة بانتظام مما جعل الجزائريين يتصورون أنهم مرابطون وصالحون»، على حد وصفه.

ناهيك عن حرص الحكام العثمانيين الحصول على ولاء الشيوخ والمرابطين وزعماء القبائل للعثمانيين، من خلال السهر على فرض الأمن والاستقرار في المناطق التي لم يطلها الوجود العثماني. فهذه الفئة – حسب حمدان خوجة – حظيت باحترام كبير؛ ومُنحت لها أحسن الامتيازات، إذ صارت أماكن سكناهم وضرائحهم بعد الموت مقدسة، كما أن القانون لا يمس كل من لجأ إليه.

هذا الرضا لم يكن صكًا على بياض من الجزائريين للحكام العثمانيين طيلة فترة حكمهم؛ فقد شهد العهد الإداري الأخير للعثمانيين بالجزائر إجراءاتٍ صارمةٍ من ضرائب وجباياتٍ أثقلت كاهل الجزائريين؛ مما جعل الأهالي الجزائريين حريصين على إظهار غضبهم على الحكام العثمانيين ومستعدين للثورة عليهم، كما أنّه رسم عهدًا أسود للحقبة العثمانية لا يزال يستدل به إلى اليوم.

وعليه فإن العثمانيون في نظر كثير من الجزائريين، حسب ما ذكره المؤرخ أبو القاسم سعد الله في كتابه «تاريخ الجزائر الثقافي» باتوا «يُنعتون بالأعلاج تارة وبالأعاجم تارة أخرى، وباتوا في نظرهم جهلة لا يعرفون حتى القراءة والكتابة، ومغامرين لا فائدة لهم من الحكم إلاّ جمع المال والتسلط، ويحكمون بيد من حديد ويسلبون الأموال والثروات عن طريق الضرائب والرشى والهدايا ونحوها».

ويضيف أنهم «تعدوا على حرمات الأوقاف وأموال العجزة واليتامى، وكانوا لا يسمحون للجزائري أن يقترب من النفوذ السياسي، وكانوا يفضلون المرأة المسيحية على المرأة الجزائرية المسلمة – رغم وجود بعض حالات زواج بعضهم من جزائريات- ،ولا يسوّون في تطبيق أحكام الشريعة بين المسلم الجزائري والمسلم العثماني وكانوا لا يتكلمون لغة الجزائريين ولا يستعملونها في الإدارة إلا قليلًا، ولا يوظفون الجزائريين إلا عثماني، كما كانوا جفاة غلاظًا امتاز عهدهم بالعنف الدموي وقصر فتراهم في الحكم بالفوضى وانتشار الرشوة والظلم والفساد».

لكنّ الجزائر العثمانية سيطرت على ملاحة المتوسط

تاريخ

منذ 3 شهور
معركة بريفيزا 1538.. أحد أكبر الانتصارات الإسلامية البحرية في البحر المتوسط

إذا ما صحّ مصطلحٌ يصف الجزائر كإيالةٍ عثمانية، فستكون دولة عسكرية، امتطت أمواج البحار وصنعت المدافع، واستطاعت أن تكون شرطي مرور بالبحر المتوسط. فطوال فترة التواجد العثماني بالجزائر، كان الأسطول البحري الجزائري مهابًا من الدول الأوروبية المطلة على المتوسط، وكانت السفن الأوروبية التجارية ترافق من البحرية الجزائرية لضمان سلامتها مقابل دفع أتواتٍ كبيرة، كما كانت دولٌ كبرى اليوم، تدفع سنويًا للجزائر آلاف الفرنكات مقابل سلامة ملاحة سفنها.

فقد كان الأسطول الجزائري حسب الكثير من المؤرخين العلامة الفارقة في قوة الدول العثمانية في القرن السابع عشر؛ فرض من خلاله حكّام الجزائر هيبة الدولة، فكل الدول الأوروبية سواء الكبرى منها أو التي كانت إمارات تسابقت لعقد علاقات مع الجزائر في إطار حماية تجارتها، في حين نجد أنّ دولًا أخرى قد انتظمت في أحلاف عسكرية كذلك للنيل منها.

لكنّ مولاي بلحميسي صاحب كتاب «بحارة وبحرية مدينة الجزائر في العهد العثماني» يرى أنّ «بحرية الجزائر التي كانت تشكل الرعب في المتوسط في تلك الفترة، كانت مشكلةً من طائفةٍ من البحارة من الصعب أن ننسبهم حتى إلى الأتراك، لما كان يطغى عليهم العنصر الأوروبي من مرتدِّين وأسرى، ولما تمثله الجزائر كقطب اجتذاب عالمي تتوافد عليها مختلف الجنسيات الأوروبية هروبًا من بؤس الأوضاع وطمعًا في ثراءٍ سريع».

هل سلّم العثمانيون الجزائر لفرنسا؟

من الزوايا والأمور التي لا تزال تثير الجدل في مسألة تاريخ التواجد العثماني بالجزائر، هي الطريقة التي استسلم بها الداي حسين والتي بموجبها سقطت الجزائر في يد الاحتلال الفرنسي سنة 1830. فبعد معارك ضاريةٍ على شاطئ سطاوالي وأسوار مدينة الجزائر، أدرك الداي حسين بحسب ما ذكره المؤرخ الجزائري مبارك الميلي في كتابه «تاريخ الجزائر في القديم والحديث» أنه «لم يعد في إمكان مدينة الجزائر أن تصمد، فوجّه مصطفى خوجة للتفاوض مع الفرنسيين».

ويضيف أنه تم الاتفاق على «تسليم حصن القصبة وكل الحصون التابعة لمدينة الجزائر. ويتعهد القائد الأعلى للجيش الفرنسي بضمان حرية الداي وعدم المسّ بثرواته الشخصية، والداي حر في أن يسحب عائلته وثرواته إلى المكان الذي يختاره، وتضمن القيادة الفرنسية لأفراد الجيش التركي نفس الضمانات والحمايات».

وثيقة أرشيفية لـ استسلام داي الجزائر
وثيقة أرشيفية لاستسلام داي الجزائر

كان الضعف الشديد الذي كانت تعاني منه الجزائر في عهد الدايات نتيجة عدم الاستقرار السياسي، وتحطم الأسطول الحربي الجزائري في معركة نافارين سنة 1827، والذي أضعف قدرة الجزائر العسكرية؛ السبب المباشر في إسالة لعاب فرنسا لتحقيق حلمها باحتلال الجزائر، وساعدت الثورات التي اندلعت في أواخر العهد العثماني بالجزائر على كلّ ذلك.

وكما ذكرنا سابقًا؛ فقد تميّز عهد الدايات خصوصًا منذ سنة 1711، بانفصالٍ واستقلال تامٍ عن الدولة العثمانية، فالجزائر منذ ذلك التاريخ باتت تتبع الأستانة بالاسم فقط، لذلك ينفي عدد من الباحثين تهمة «تسليم الجزائر لفرنسا عن العثمانيين» وهو الطرح الذي يذهب إليه المؤرّخ الجزائري، ناصر الدين سعيدوني، الذي يشير أن الجزائر «انفصلت نهائيًا عن الحكم العثماني سنة 1711م، ولم تعد لها علاقة بالباب العالي، بل إنها وقعت أكثر من 300 اتفاقية مع دول أوروبية بصفتها دولة ذات سيادة».

وتجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من ذلك فإنّ مقاومة أحمد باي – أحد الحكام العثمانيين للجزائر – استمرت في الشرق بعد سقوط الجزائر، حتى سنة 1848.

العالم والاقتصاد

منذ 3 سنوات
أمريكا وأوروبا تدفعان للجزائر.. قصَّة ثلاثة قرون من سيادة البحر المتوسط

المصادر

تحميل المزيد