حكمتِ الأقدارُ على تلك المنطقة من العالم، والتي تحتل المربع الجنوبي الغربي من قارة آسيا، وتمتد من جوار بحر قزوين شرقًا، حتى البحر المتوسط، والأناضول غربًا، أن تكون مسرحًا سرمديًّا على مدار القرون للدراما التاريخية، والملاحم الدموية، والانقلابات الجذرية، على تباين وتنوع غاياتها، ومآلاتها، وأطرافها، وأبعادها.

لم يكن القرن السادس عشر الميلادي استثناء في تلك السلسلة من الخطوب والمعارك، والاضطراب والاحتراب، والتي تمثل تاريخ تلك البقعة الملتهبة من الشرق الأوسط، فقد تناطح في ثناياه – ونصف القرن الذي يليه – دولتان من الوزن الثقيل، في واحدة من أعتى سلاسل الحروب بين الدول الإسلامية وأطولها منذ الفتح.

شرقًا، وبعد قرونٍ خضع فيها الفرس لحكومات العرب، فالتُّرك، فالمغول، أصبح لهم مجدّدًا دولة فارسية، هي الدولة الصفوية، تهيمن على أراضي إيران، وجوارها القريب، وتختطُّ لنفسها استقلاليةً لا هوادة فيها، بداية من المذهب الديني، وليس انتهاء بالحرب والسياسة.

أما غربًا، فكان العثمانيون الذين كانت عيون رأسهم لا تُغمض عن شرق أوروبا ووسطها، لكنهم اضطروا إلى أن ينظروا بعينٍ ثالثة في ظهورهم إلى حديقتهم الخلفية، والخطر الجديد الذي يوشك على ابتلاعها.

خريطة توضح الدولتين الصفوية والعثمانية

على مدار أكثر من 120 عامًا، تصادم الصفويون والعثمانيون في جولات بارزة من الصدام، وإن تخلَّلتها سنواتٌ طوال من سلام المتحفزِّين، أو انصراف كل طرفٍ إلى ما يليه من أخطارٍ من الجهات البعيدة، آسيا الوسطى للصفويين، وأوروبا للعثمانيين.

كانت ساحة ذلك الصدام هي تلك الرقعة الواسعة الممتدة من القوقاز وبحر قزوين شمالًا، نزولًا إلى الإقليم الشمالي الغربي من إيران، دخولًا إلى العراق، حتى بغداد وما تلاها من العراقيْن جنوبًا، ومن غربي إيران شرقًا، إلى شرق الأناضول غربًا. تبادل الطرفان السيطرة على معظم تلك الأماكن، مع تفوقٍ نسبيٍّ للعثمانيين، باستثناء عصر الشاه الصفوي عباس الكبير، وآلت الأمور آخر المطاف إلى تقاسم تلك المناطق بالشكل الذي ارتسمت على شبيهه حدود العراق وإيران المعاصرة.

والآن نتجول سريعًا في أبرز محطات تلك الملحمة الحربية، والجيو- سياسية، التي لم يشهد الشرق الأوسط مثلها في قرونه الأخيرة.

جالديران.. العثمانيون في عاصمة الصفويين

تُؤرّخ بداية الدولة الصفوية بعام 1501م، على يد الشاه إسماعيل الأول، شديد الطموح والتعصُّب أيضًا. لم يكتفِ إسماعيل بالهيمنة السياسية على مساحة واسعة من أراضي فارس (إيران) وجوارها من آسيا الوسطي، والقوقاز، إنما أصرَّ على فرض التشيع الإثنى عشري بالترغيب والترهيب، وبسقف مفتوح في الوسائل والمذابح مهما بلغت قسوتها، وذلك في مناطق حكمه ونفوذه ذات الأغلبية السنية، ونجح خلال سنواتٍ في تحقيق قدرٍ كبير من هذا التحول.

لم يكن الدافع عقائديًّا فحسب، فللسياسة نصيبها أيضًا. فقد كان خصم دولته الفتية على زعامة العالم الإسلامي، هي الدولة العثمانية سنيَّة المذهب، فأراد إسماعيل بنشر التشيع، وضْع حاجز كبير يحول دون تعاطف قطاعات واسعة من رعية دولته مع الخصم العثماني، ويسمح له بالتجييش العقائدي إلى جوار السياسي والعسكري.

امتدَّت طموحات إسماعيل إلى شرق الأناضول – الحديقة الخلفية للعثمانيين – حيث كان هناك وجود شيعي وعلَويٌّ معتبر، وشجَّع على اندلاع الاضطرابات والثورات هناك، مستغلًّا الاضطراب الذي عصف بالدولة العثمانية أواخر عهد السلطان بايزيد الثاني، وانتقاض أبنائه عليه، حتى انتزع أحدهم، وهو سليم الأول العرش من أبيه عام 1512، في انقلابٍ أبيض بدعمٍ من الجند الانكشارية، ثم انصرف في العام التالي إلى الصدامات مع إخوته، حتى قتلهم، وقتل عددًا كبيرًا من أبنائه، وخلا له وجه عرش إسطنبول.

في أدرنة، في الشطر الأوروبي من الدولة العثمانية، اجتمع سليم برسل أهم الدول المحيطة بالعثمانيين؛ البندقية، والمجر، والسلطنة المملوكية بمصر، فعقد معهم جميعًا معاهداتٍ للسلام ومنع الاعتداء. وهكذا تفرَّغَ إلى عدوه المشرقي، الذي لم يكتفِ بأراضي فارس والعراق وأجزاءٍ واسعة من القوقاز، إنما اقتطع الكثير من مناطق الأناضول في ظهر العثمانيين.

مقطع مصور عن موقعة جالديران عام 1514م بين العثمانيين والصفويين

شنَّ سليم الأول حملة شعواء على القبائل التركمانية الشيعية في الأناضول، والتي تمرَّدت بإيعازٍ من الصفويين، وتتحدث الروايات التاريخية عن أنه قتل عشرات الآلاف منهم، وأرسل إلى بعض القبائل السنة في آسيا الوسطى لمهاجمة الصفويين من ظهورهم. في المقابل تراسل الصفويون مع المماليك للاتفاق على حرب مشتركة ضد العثمانيين، لكن سليم الأول لم يمنحهم الوقت لهذا.

حشد سليم جيشًا عثمانيًّا هائلًا بلغ قوامه أكثر من 70 ألف جندي، مصحوبين بأكثر من ألف مدفع، تضمن تفوقًا نيرانيًّا هائلًا للعثمانيين على خصومهم الذين اعتمدوا بالأساس على الفرسان، مع شبه غيابِ تام للمدفعية.

توغلت الجيوش العثمانية في جنوب القوقاز، ثم شمال غربي إيران دون مقاومةِ تذكر، إذ كان الصفويون ينسحبون؛ إذ كانت الجيوش الصفوية تتعمد الانسحاب من مواجهتها، وذلك لإنهاك العثمانيين ثقيلي التسليح، وإطالة خطوط إمداداتهم. لكن لسوء حظ الصفويين، كانت عاصمتهم تبريز في أقصى شمال غربي إيران، غير بعيدة عن الحدود العثمانية.

هكذا، وعلى مقربة من تبريز، تراءى الجمعان في وادي جالديران أو (تشالديران) يوم 23 أغسطس (آب) عام 1514، ونشبت معركة شرسة لم تشهد مثلها تلك المناطق منذ أيام غزوة تيمورلنك الكبرى قبل أكثر من قرن. بدا التفوق العثماني لافتًا عددًا وعدة، وكذلك بالخبرة العسكرية البارزة من ساحات القتال الأوروبية، ولعبت المدفعية العثمانية دور البطولة في الانتصار الساحق الذي حققه العثمانيون أمام الآلاف من فرسان الصفويين المندفعين على صهوات خيولهم، التي حصدها البارود العثماني كمنجلٍ بيد القدر.

فرّ الشاه إسماعيل إلى عمق أراضيه، ومعه كبار قيادات دولته، مخلفين وراءهم العاصمة تبريز لقمة سائغة للعثمانيين، الذين لم يتأخروا في دخولها دون مقاومةٍ تُذكر. اكتفى سليم الأول بنهب خزائن إسماعيل، وأخذ أمهر صُنَّاع تبريز معه إلى إسطنبول للمساهمة في عمرانها. لكن سليم الأول لم يستطِع التوغل في عمق أراضي إيران مع تمرد بعض جنوده الانكشارية شاكين من برودة الجو، وعدم توفر الملابس الشتوية اللازمة، وكذلك لطول مدة الحرب، فاضطر لأن يعود إلى إسطنبول.

رغم استعادة الصفويين معظم المناطق التي استولى عليها العثمانيون من أراضيهم، بما فيها تبريز، فإن الشاه إسماعيل في السنوات العشر الأخيرة من عهده لم ينجح في تشكيلِ خطرٍ حقيقي ضد العثمانيين. كذلك اتجه الصفويون إلى جعل العاصمة في الأراضي الداخلية بدلًا من تبريز غير البعيدة عن مراكز القوة العثمانية، وهكذا أصبحت مدينة قزوين ثم أصفهان العاصمة الصفوية الجديدة.

سليمان وطهماسب.. صراع الربع قرن

كما ذكرنا، ظلَّ الشاه إسماعيل إلى آخر حياته يلعق جراح هزيمة جالديران المخزية، ويحاول إعادة الهيبة إلى سلطانه في دولته المترامية الأطراف، ولم يستطع التوسع كثيرًا خاصة في اتجاه الأراضي العثمانية. عندما تُوفّيَ إسماعيل عام 1524. خلفه ابنه طهماسب الأول، والذي كان من أبرز حكام الدولة الصفوية، وأطولهم في فترة حكمه، إذ امتدَّ حكمه إلى أكثر من 52 عامًا. لكن لسوء حظ طهماسب، فقد تزامن صعوده، مع أقوى عصور السياسة والحرب العثمانيين، وهو عصر سليمان العظيم أو سليمان القانوني، ابن سليم الأول العثماني، والذي اعتلى عام 1520 بعد أبيه كرسي السلطنة في إسطنبول، وقد تضاعفت مساحتها، بعد ابتلاع سلطنة المماليك في مصر والشام عامي 1516 و1517.

محاضرة موجزة لتاريخ الصراع العثماني- الصفوي

كانت عين سليمان – عكس أبيه – مصوَّبة على الجهة الأخرى، نحو أوروبا. فافتتح في عامه الأول مدينة بلجراد، وبذلك أكمل الهيمنة العثمانية على البلقان، ثم سحق مملكة المجر بعد موقعة موهاكس الشهيرة عام 1526، وتوغَّلت جيوشه إلى وسط أوروبا محاولةً الاستيلاء على فيينا عام 1529. لكن رغم هذا النزوع نحو أوروبا، لم ينسَ سليمان الخصم الرابض وراء ظهره، خاصةً وقد علم أن الاتصالات لم تنقطع بين الصفويين والقوى الأوروبية، خاصة أسرة الهابسبورج حكام النمسا، لمواجهة العدو العثماني المشترك.

استغلّ سليمان اندلاع بعض المشكلات الحدودية، ووجّه جيوشه شرقًا نحو أراضي الدولة الصفوية، بقيادة الصدر الأعظم – بمثابة رئيس الوزراء – إبراهيم باشا، ثم بقيادته هو شخصيًّا، لتندلع جولة من الصراع العثماني الصفوي استمرت أكثر من 23 عامًا بين عامي 1532 و1555، شملت ثلاث حروبٍ بارزة.

استولى العثمانيون عام 1534 على تبريز مرة أخرى، واكتفى طهماسب بالانسحاب، مع إتلاف الموارد من خلفه، حتى لا يتسنَّى للجيوش العثمانية التزود بأي شيء، فلا تفكر في التوغل أكثر داخل العمق الصفوي. في تحرك غير متوقع، لم تتوجه الجيوش العثمانية شرقًا، إنما اتجهت جنوبًا لتستولي على بغداد وجلّ الأراضي العراقية، بما فيها المراقد الشيعية المقدسة في النجف وكربلاء، في ضربةٍ نفسية شديدة للشاه الصفوي، الذي كان يرى نفسه الممثل الأول للشيعة في العالم.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
«أسوأ من هزيمة موهاكس».. المعركة التي «سحق» فيها العثمانيون أقوى جيوش أوروبا

امتد نطاق الهيمنة العثمانية بعد ذلك إلى أجزاءٍ كبيرة من ساحل الخليج العربي. لم يعد السلطان سليمان إلى عاصمته إلا بعد عامين، أوائل 1536، بعد أن ثبَّت سلطان العثمانيين في تلك المناطق الجديدة، ووزع الحكومات والحاميات المحلية خاصةً على الثغور.

في تلك الأثناء، كان الشاه الشاب طهماسب، الذي انتهت للتو فترة الوصاية عليه لصغر سنه عام 1533، يعيد بناء جيشه، وتحديثه؛ ليكون مضارعًا للجيوش العثمانية، فأدخل العديد من الوحدات العسكرية الجديدة، كاسرًا احتكار فرسان القزلباش التقليديين للقوة الحربية الصفوية. لكن الفجوة كانت متسعة بين الجانبيْن، رغم انشغال العثمانيين لأكثر من 10 سنواتٍ بالأحداث في أوروبا، والصراع المحتدم في البحر المتوسط مع إسبانيا وغيرها من القوى الأوروبية المسيحية.

عام 1548، فرَّ إلى بلاط سليمان أخو طهماسب الطامع في انتزاع سلطان أخيه الشاه بمعونة العثمانيين، فوجدها سليمان فرصةً سانحة لفرض سيطرته شرقًا من جديد، وتقليم أظافر الدولة الصفوية التي طالت في السنوات السابقة، وزادت تحرُّشاتها بالمناطق الحدودية العثمانية. نجحت الجيوش العثمانية في تلك الجولة أيضًا في دخول تبريز للمرة الثالثة، والاستيلاء على بعض مناطق شرق القوقاز، وشمالي غرب إيران، ولجأ طهماسب أيضًا إلى أسلوب الأرض المحروقة، وهجمات الكر والفر، لاستنزاف العثمانيين.

لكن الغزوة كانت في العموم ناجحة من المنظور العثماني، فقد نجحت الجيوش العثمانية في الاستيلاء على العديد من الحصون والمناطق الحيوية في جورجيا وأرمينيا، وتأمين الجبهة الشرقية. عاد سليمان ربيع عام 1549 إلى العاصمة إسطنبول، لكن سيكون له جولة ثالثة مع طهماسب بعد أقل من أربعة أعوام.

عام 1553، اندلعت جولة جديدة من الصدام بين جيوش سليمان وطهماسب، هذه المرة كان الصفويون أكثر نديّة، فنجحوا في البداية في الاستيلاء على مدينة أرضروم المحورية شرقي الأناضول، قبل أن يسترجعها العثمانيون مرةً أخرى. لم ينجح العثمانيون في التوغل كثيرًا باتجاه الأراضي الصفوية، خصوصًا من طول خطوط إمدادهم، واستهداف الصفويين المتكرر لها. تكاثفت الاتصالات الدبلوماسية بين الطرفين، والتي أثمرت عن معاهدة أماسيا الشهيرة بين الجانبيْن.

معاهدة أماسيا وتقاسم الهيمنة على الساحة

مثلت تلك المعاهدة محطة بارزة في تاريخ العلاقات العثمانية- الصفوية؛ إذ تقاسم الطرفان الهيمنة على ساحة الصراع بشكلٍ يتناسب مع موازين القوى، والحد الأدنى من مصالح الطرفين. حملت المعاهدة اسم مدينة أماسيا التركية شرقي الأناضول، ولعل في هذا إشارة ضمنية إلى الغلبة العثمانية النسبية سياسةً وحربًا.

Embed from Getty Images

صورة حديثة من مدينة أماسيا التركية

طبقًا لبنود المعاهدة، تقاسم الطرفان أراضي القوقاز الجنوبية، خاصة جورجيا وأرمينيا، ثُبِّتَتْ الهيمنة العثمانية على العراق وما يليه من ساحل الخليج العربي، بينما اعترف العثمانيون بالهيمنة الصفوية على آذربيجان وداغستان، وشمالي غربي إيران، شاملًا العاصمة القديمة تبريز. كان من أبرز بنود المعاهدة أيضًا، الجوانب المتعلقة بالمصالحة الدينية بين الطرفين؛ إذ تعهَّد سليمان القانوني بحماية الحجاج الشيعة المتوجهين إلى المشاعر المقدسة في الحجاز، أو الزائرين للمراقد الشيعية بالعراق، بينما تعهَّد طهماسب برفع الاضطهاد عن الجماهير السنية في إيران. صمدت تلك الاتفاقية عمومًا لأكثر من 20 عامًا، قبل أن تعود آلة الحرب للدوران مرة أخرى.

العثمانيون ينتهزون الفرصة بعد وفاة طهماسب

بعدما توفي الشاه طهماسب عام 1576، سقطت الدولة الصفوية فريسة جولةٍ عاتية من الفوضى، تخللها قتل ابنيْن لطهماسب في أقل من عام، ثم تولى الثالث – الشاه خدابندة – مقاليد السلطة. وجد السلطان مراد الثالث، وصدره الأعظم محمد باشا الصقلي، الفرصة سانحة لاستغلال تزعزع الأوضاع في الدولة الصفوية، وتوجيه ضربةٍ قاصمة لها، بالتنسيق مع القبائل الأوزبكية في أواسط آسيا، والتي هاجمت الصفويين من الجهة الشرقية بضراوة، ليصبحوا بين قُطبيْ الرحى.

توغَّلت الجيوش العثمانية عام 1578 في القوقاز، واستولتْ على تبليسي عاصمة جورجيا، وأجزاء واسعة من المناطق الصفوية في القوقاز، خاصة بعد انضمام تتار القِرم إلى حلفائهم العثمانيين في تلك المعارك. لكن ما لبث الصفويون أن استعادوا التوازن نسبيًّا بانتصارهم عام 1579 على جيش تتار القرم، وكذلك بانكفاء الأوزبك إلى مناطقهم الداخلية نتيجة انشغالهم بحروبٍ مع القبائل الكازاخية والقرقيزية، فانتهت الحرب على الجبهة البعيدة.

لاستعادة التفوق مرة أخرى، أُرسِلَ عشرات الآلاف من الجنود العثمانيين من إسطنبول عام 1582. اصطدم الجيش العثماني الكبير بأكثر من 50 ألف من الجنود الصفويين فيما عُرف بموقعة المشاعل عام 1583، والتي دار الكثير من أحداثها ليلًا تحت أضواء المشاعل، وانتهت بانتصار كبيرٍ للعثمانيين، فتح الأبواب أمامهم للاستيلاء على القوقاز بشكلٍ شبه كامل، مع أجزاءٍ من شمالي غرب إيران. عام 1585، استولت الجيوش العثمانية مجددًا على تبريز.

في السنوات التالية، ضمَّ العثمانيون المزيد من المناطق الصفوية إلى سلطانهم، وزاد الطين بلة على الصفويين، عودة نشاط القبائل الأوزبكية ضدهم. دفعت تلك التطورات السلبية إلى انقلاب قصر عام 1588 أطاح الشاه خدابنده، ووضع مكانه ابنه الصغير عباس الأول، والذي ستثبت العقود التالية أنه لن يظلَّ صغيرًا أبدًا.

عام 1590، رضخ الصفويون لاتفاقية سلام مهينة عُرِفَت بصلح القسطنطينية، والتي اعترفوا فيها بكل المكاسب العسكرية العثمانية في سلسلة الحروب التي اندلعت عام 1578. وشعر الصفويون بمذلةٍ كالتي أحدثتها معاهدة فرساي بحق الألمان بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، وما نجم عن ذلك من بزوغ نجم هتلر.

عباس الكبير وانقلاب الموازين

قضى الشاه عباس سنواته الأولى في استعادة توازن دولته على كافة المستويات، فبدأ بنقل العاصمة إلى مدينة أصفهان الداخلية، ودفع القبائل الأوزبكية بعيدًا عن الحدود الشرقية للدولة، بعد أن قلَّم مخالبها. كذلك عمل على إنشاء جيشٍ احترافي منظم، سلَّحه بأحدث أنواع المدافع والبنادق؛ ليصبح ندًّا للخصم العثماني العتيد.

عام 1603، استغلَّ عباس الأول انشغالَ العثمانيين بحربهم الطويلة مع النمساويين في شرقي ووسط أوروبا، وبعض الاضطرابات الداخلية في العاصمة إسطنبول بين الجند الإنكشارية وفرسان السيباهي، وبدأ هجومًا عنيفًا على المواقع العثمانية في شمالي غرب إيران، لينجح في استعادة تبريز بعد أكثر من 18 عامًا، في فتحٍ تخلَّله العديد من المذابح ضد العثمانيين المنهزمين عسكرًا ومدنيين. اندفع الجيش الصفوي بعد ذلك إلى أعماق القوقاز، فاستولى على تبليسي عاصمة جورجيا، ويريفان عاصمة أرمينيا، وغيرها من المناطق التي استولى عليها العثمانيون قبل 20 عامًا.

Embed from Getty Images

صورة حديثة من مدينة يريفان عاصمة أرمينيا

في العام التالي، أمر السلطان العثماني الجديد أحمد الأول بشن هجوم عثماني معاكس لاستعادة تلك المناطق الشرقية، لكن الهجوم تعطل بحلول شتاء 1604، قبل أن تُهزَم الجيوش العثمانية عام 1605 في أول انتصار صفوي ضد العثمانيين في ساحة الحرب. في أعقاب تلك الهزيمة استولى الشاه عباس الأول على المزيد من أراضي القوقاز، وبعض الأجزاء القصية من شرق الأناضول.

في السنوات التالية، اضطر العثمانيون للتركيز على جبهتهم الغربية في أوروبا، مما أخل بسيطرتهم على جلّ مناطقهم الشرقية، بما فيها العراق وأجزاء من الشام، فاستغل عباس الأول هذا، وعزَّز سلطانه في المناطق التي استعادها من العثمانيين. لكن العثمانيين فرغوا عام 1610 من القضايا الملحة غربًا، وبدأوا هجومًا معاكسًا جديدًا باتجاه الشرق. لكن بعد عاميْن من المناوشات، لم تثمر الجهود الحربية العثمانية عن استعادة ما خسروه في السنوات الماضية.

عام 1612، عقد الصدر الأعظم العثماني نصوح باشا صلحًا مع الشاه عباس الأول، أعيد فيه إنتاج حدود اتفافية أماسيا عام 1555، ما عنيَ تثبيت مكاسب عباس الأول العسكرية في العقد الفائت. لكن لم يكن هذا نهاية طموح هذا الشاه، الذي عُرف بعباس الكبير في كتب التاريخ فيما بعد.

استمرَّ السلام الهش إلى عام 1615، عندما أعلن العثمانيون الحرب مجددًا ضد الصفويين لاستعادة ما فقدوه. عام 1616، فشل العثمانيون في استعادة مدينة يريفان عاصمة أرمينيا، بعدما خسروا الآلاف من جنودهم بين مطرقة القتال وسندان البرد القارس، وانكفأوا إلى ديار بكر غربًا. في غضون ذلك، توفي السلطان العثماني أحمد الأول عام 1617، وأعقب ذلك فترة من الاختلاف حول خلافته في الحكم، فحكم أخوه مصطفى لأشهرٍ قليلة، ثم خلفه عثمان الثاني ابن السلطان الراحل أحمد، والذي أمر بتجدد القتال مرة أخرى عام 1618 على الجبهة الشرقية.

تمكَّن الجيش العثماني الكبير من الاستيلاء مجدَّدا على تبريز التي أخلاها عباس قبل وصولهم. علم العثمانيون بتمركز الشاه عباس بجيشٍ كبير قرب أربيل، فتوجهوا فورًا إلى هناك، لتصعقهم مفاجأة دموية، حيث كمين محكم نصبه الصفويون، أسفر عن مقتل الآلاف من العثمانيين. أدت تلك التطورات إلى صلحٍ جديد، جدَّد بنود صلح عام 1612، مع بعض التعديلات الطفيفة، وتقليص الجزية التي يدفعها الصفويون إلى إسطنبول إلى النصف. لكن هذا الصلح كان هشًّا أيضًا.

بعد خمس سنوات، تجدد القتال مرة أخرى، إذ استغل الشاه عباس تفاقم الاضطرابات السياسية في الجزء الشرقي من الدولة العثمانية، وتمرد الحاكم العثماني لبغداد، وطمع في انتزاع العراق. عام 1624م، وبعد حصار قصير، اقتحمت الجيوش الصفوية بغداد، وأعملت السيف في عشرات الآلاف من سكانها من السنة ومن الأتراك. حاول العثمانيون استعادة بغداد، فحاصروها 1625- 1626م، حصارًا شديدًا، لكن نجحت جيوش الشاه عباس في دفعهم إلى فك الحصار بعد الضغط الشديد على خطوط إمداداتهم الطويلة.

مراد الرابع وبغداد.. هل بُعِث سليمان العظيم؟

عام 1629، شن العثمانيون هجومًا كبيرًا في عمق الأراضي الإيرانية، لأول مرة منذ عقود، فاستولوْا على همذان، وهزموا جيشًا صفويًّا قرب كرمنشاه، ثم حاولوا حصار بغداد، إلا أن الشتاء عاجلهم فاضطروا للانسحاب قبل تعطُّل خطوط الإمداد. في تلك الأثناء تُوفي الشاه القوي عباس الكبير، واستمرت المناوشات الصفوية – العثمانية لسنوات في القوقاز، دون تغيرٍ يذكر في الخارطة.

Embed from Getty Images

جاءت نقطة التحول عام 1635، عندما انبرى السلطان العثماني مراد الرابع لقيادة الجيش بنفسه، على عادة أسلافه المحاربين العظام، وعلى رأسهم سليمان العظيم – كما كان يُلقَّب – وتوغّل في الأراضي الصفوية حتى استولى على مدينة تبريز للمرة الخامسة في تاريخ العثمانيين، قبل أن يعود إلى إسطنبول عام 1636م، فيقوم الشاه صافي بهجوم مضاد ويستعيد ما فقده الصفويون.

عام 1638، يعود مراد الرابع على رأس جيشه إلى الشرق، وكان هدفه هذه المرة هو بغداد، والتي نجح في دخولها في ديسمبر (كانون الأول) عام 1638، بعد حصارٍ دام 40 يومًا، ثم استعاد العثمانيون معظم الأراضي العراقية. فتح ذلك التغير الأبواب أمام مفاوضاتٍ ماراثونية بين العثمانيين والصفويين أسفرت عن صلحٍ جديد، لكنه سيكون الأكثر رسوخًا مقارنةً بسابقيه.

معاهدة زوهاب عام 1639.. إلى أماسيا مرة أخرى

بعد نجاح العثمانيين في استعادة بغداد أواخر عام 1638، جاء أوان السلام مرة أخرى، وعُقدت في العام التالي معاهدة زوهاب، أو معاهدة قصر شيرين، والتي تشبه بنودها إلى حدٍ كبير ما حدث في أماسيا قبل أكثر من 80 عامًا.

طبقًا للاتفاق، أُقِرّ بسيادة العثمانيين على بغداد والعراق الحديث، وكذلك الأجزاء الغربية من القوقاز وجورجيا، بينما آلت أجزاءٌ كبيرة من شرقيّ القوقاز، وكامل آذربيجان الحالية، إلى الصفويين.

على مدار العقود الثمانية التالية للمعاهدة، والتي تمثل ما بقي من عمر الدولة الصفوية التي انتفى وجودها من صفحة التاريخ عام 1722، لم يحدث بين قطبيْ المشرق حرب أو سلم، ما يُقارَن بما فات في الصفحات السابقة.

ولكن تبقى تساؤلات مُلحّة عما أضافته تلك الملاحم الدموية إلى المسار الحضاري العام للأمة الإسلامية، وما جناه منها الشرق، الذي لم يلبث أن تكالبت عليه جيوش الاحتلال والاستعمار من كل جانب.

تاريخ

منذ 7 شهور
معركة الجزائر 1541.. عندما سُحقت أقوى جيوش أوروبا على أبواب الجزائر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد