عند الحديث عن الدولة العثمانية، تدور في أذهان الكثير منا مشاهد معينة تتعلق بالسلاطين، والمساجد ذات الطابع المعماري المميز، والصراعات الدائرة بين نساء القصر، وإسطنبول، وربما تركيا الحديثة وعلاقتها بالإرث العثماني.

وإذا ما ذكرنا مساهمة العثمانيين في التراث البشري، خصوصًا من ناحية العلم والعلماء، فربما يستنكر البعض وجود شيء مميز تركه العثمانيون في مجال العلوم. السبب وراء هذا الانطباع يأتي في الغالب من عدم معرفة الكثير من الناس، خصوصًا العرب، بوجود مثل هذا التراث.

ويعود السبب الرئيسي وراء هذا الأمر إلى السياسة العثمانية، عن طريق الاستحواذ على أصحاب المهارات من مختلف الأقاليم التابعة للدولة، وإرسالهم إلى العاصمة للاستفادة منهم، وهو ما أحدث ضعفًا واضحًا في جوانب حياتية عديدة لسكان هذه المناطق. هذا الأمر تسبب في النظر للدولة العثمانية من جانب تلك الأقاليم بعد ذلك بنظرة سلبية، واتهامها بعدم الإضافة وعدم الاهتمام.

ويتفق غالبية المؤرخين على وجود العديد من الجوانب السلبية للدولة العثمانية، وهي الجوانب التي أصبحت تكرر باستمرار في العديد من وسائل الإعلام، والكتب التعليمية، في العديد من دول الوطن العربي، لكن هذا لا يمنع أن هناك وجه آخر للدولة العثمانية، يمثل دروبًا من الرقي والحضارة لهذه الدولة، ويكشف عن إنجازات علمية وحضارية جعلتها في بداياتها، الدولة الأكثر تقدمًا في العالم، والقوة المهيمنة الرئيسية في ذلك الوقت.

وتحل خلال أسبوعين الذكرى رقم 98 لتوقيع الدولة العثمانية على معاهدة استسلامها خلال الحرب العالمية الأولى، والمعروفة باسم معاهدة «مودروس»، وذلك تحديدًا في يوم 30 أكتوبر (تشرين الأول) 1918، وهي المعاهدة التي أدت إلى تقسيم الدولة العثمانية لاحقًا، وكانت بمثابة بداية النهاية للدولة وبداية تفكيك ما تبقى منها.

اكتشاف الأمريكتين والقطب الجنوبي

في أكتوبر (تشرين الأول) 1929، وعلى أحد الرفوف المنسية، والتي غطى التراب محتوياتها في المكتبة القديمة في مدينة إسطنبول التركية، عُثر على خريطة قديمة، قد تؤدي إلى إعادة كتابة التاريخ البشري.

الخريطة التي يعود تاريخها لعام 1513، ظهر عليها رسم لمحيط الأطلسي وسواحل أمريكا الجنوبية وغرب أفريقيا وأوروبا، وقد وُقِّع عليها من قبل الأميرال في البحرية التركية في ذلك الوقت بيري ريس، ولم يقل ريس إنه هو الذي ألف هذه الخريطة بشكل علني، لكنه- بدلًا من ذلك- أشار على الخريطة أنه استند على مصادر قديمة، بعضها تمثل في خرائط لكولومبوس، وبعضها الآخر يعود إلى خرائط أقدم كثيرًا بحدود عام400  قبل الميلاد.

خريطة بيري ريس

واعتبرت هذه الخريطة بين العلماء اكتشافًا كبيرًا، لأنها مثلت بعد ذلك المصدر الوحيد المعروف لخرائط كولومبس المفقودة، والتي استخدمها في اكتشاف أميركا عام 1492. هذه الخريطة ظلت غير معلومة للعامة، واقتصرت على الأكاديميين فقط حتى خمسينيات القرن الماضي، عندما أبدى نقيب سابق للقوات البحرية الأمريكية يدعى أرلينغتون ماليري ملاحظة مذهلة.

أشار ماليري إلى أن ما كان يعتقده الأكاديميون أنه ساحل أمريكا الجنوبية على طول الحافة السفلية للخريطة، كان يحمل تشابهًا واضحًا لساحل القارة القطبية الجنوبية. هذا أمر في غاية الغرابة لأن القارة القطبية لم يجر اكتشافها إلا عام 1820.

وقد وصل البروفيسور والباحث تشارلز هابغود إلى استنتاج يحمل بعض المنطقية، وهو أن هذا الساحل يمثل ساحل القارة القطبية منذ6000 سنة مضت، وهو ما يعني أن تاريخ حضارتنا به بعض الأخطاء الأساسية، لأن هؤلاء القدماء الذين رسموا هذه الخريطة كانوا موجودين في فترة ما قبل تكون الجليد على القارة القطبية.

المهم في الأمر أن الجبال – في هذه الحالة– المرسومة على الخريطة، ستمثل جبال القارة القطبية التي لم يجر اكتشافها ورسمها إلا في منتصف القرن العشرين.

وقد وجد بعض الباحثين أن المقاييس والمسافات الظاهرة على الخريطة تصل لدرجة عالية من الدقة مع القياسات الحالية، وهو ما أرجعوه لتطور تكنولوجي واضح فيما يخص أدوات القياس وحساب المسافات، وصل إليه العثمانيون في ذلك الوقت.

من ناحية أخرى، يرى البعض أن هذه الخريطة تعود للأدميرال العثماني، وهي دليل على أن العثمانيين هم أيضًا من أوائل من اكتشف القارتين الأمريكيتين، في إشارة إلى أن هذا الساحل يمثل ساحل القارة الأمريكية الجنوبية.

وقد ذكر الموقع الرسمي لجامعة إسطنبول، وجود خريطتين رسمهما ريس، وذكرت ما نصه »الخريطة الأولى التي رسمها بيري ريس للعالم وانتهى منها عام 1513، ثم قدمها للسلطان سليم الأول في مصر عام 1517، تضم – في الجزء الذي وصلنا منها- إسبانيا، وشرق أفريقيا، والمحيط الأطلسي، والأقسام التي عرفت آنذاك من أمريكا وجزر الأنتيل، ويدلنا ضياع قسم منها على أنها كانت خريطة للعالم، ومن أكثر الملاحظات المدونة إثارة للاهتمام تلك الملحوظة الخامسة الخاصة باكتشاف أمريكا«.

وذكر الموقع أيضًا أن »الخريطة الثانية هي خريطة للعالم تحمل تاريخ 1528، ويضم القسم الذي وصلنا منها الجزء الشمالي للمحيط الأطلسي وشواطئ الشمال في أمريكا الشمالية من جرينلاند حتى شبه جزيرة فلوريدا، وأهم ما يميز تلك الخريطة أن الجزر وبعض الشواطئ رسمت بشكل قريب من الواقع، مقارنة بالخريطة الأولى«.

اكتشاف الميكروبات

الشيخ محمد شمس الدين بن حمزة، والمعروف باسم آق شمس الدين، هو أحد علماء النباتات والطب والصيدلة، وهو أحد الشيوخ الذين تتلمذ على يدهم القائد العثماني الشهير محمد الفاتح، ويعد القائد المعنوي لفتح القسطنطينية.

يرى عدد من الباحثين أن الشيخ شمس الدين هو أول من وضع تعريفًا للميكروب، إذ ذكر في كتابه »مادة الحياة«: »إنها صغيرة ودقيقة إلى درجة عدم القدرة على رؤيتها بالعين المجردة«، وقال أيضًا: »ومن الخطأ أن نفترض أن الأمراض تظهر واحدة تلو الأخرى في البشر، فالمرض يصيب الإنسان من خلال انتشاره من شخص إلى آخر، ويحدث هذا المرض عن طريق البذور التي تتميز بأنها صغيرة بحيث لا يمكن رؤيتها، ولكها مع هذا كائنات حية«.

ويأتي هذا الذكر والاكتشاف قبل حوالي قرنين من الاكتشاف العملي والتجريبي للميكروبات، بواسطة العالم الهولندي أنطوني فان ليفينهوك، الذي اخترع أكثر من500 من العدسات البصرية، وما لا يقل عن25 من الميكروسكوبات أحادية العدسة، والتي تمكن من خلالها من رؤية الميكروبات والبكتيريا لأول مرة بصورة عملية، مما جعله المكتشف العملي للميكروبات.

الطيران

اسمه هزارفن أحمد شلبي، هو طيار عثماني شهير في القرن السابع عشر، وقد ذكر قصته ووثق أحد أهم أعماله، الرحالة العثماني الشهير أوليا تشلبي، وهو رحالة سافر بين الأقاليم العثمانية المختلفة والبلدان المجاورة لها، خلال رحلة استمرت حوالي40 سنة.

يذكر شلبي في كتابه الرحلات «seyahatname» قصة هزارفن قائلًا: «أولًا، كان يتمرن من خلال التحليق فوق المنبر الموجود بمنطقة أوكميداني في إسطنبول لثماني أو تسع مرات، باستخدام أجنحة مصنوعة من ريش النسور، وذلك باستخدام قوة الرياح. بعد ذلك، وتحت أنظار السلطان مراد خان (مراد الرابع) من شرفة قصر سنان باشا في منطقة سرايابورنو، طار هزارفن من أعلى نقطة في برج غلطة (في منطقة كراكوي حاليًا)، ليهبط في ساحة دوغانجيلار منطقة أوسكودار، مع مساعدة الرياح الجنوبية الغربية»، ليمر في رحلته بمضيق البوسفور، قاطعًا مسافة قدرها 3558 مترًا، ويمنحه السلطان كيسًا من النقود الذهبية.

مسار طيران هزارفن

وقال عنه السلطان مراد الرابع «هذا هو الرجل المخيف. هو قادر على فعل أي شيء يرغب به، وليس من الصواب الحفاظ على مثل هؤلاء الناس هنا»، وبالتالي أرسله إلى الجزائر في المنفى، حيث توفي هناك، من هنا أصبح هزارفن صاحب النجاح الأبرز في فكرة ومحاولات الطيران السابقة له.

وقد ذكر الرحالة شلبي في كتابه قصة شخص آخر اسمه لاكري حسن شلبي، الذي صنع جهازًا يعد هو أول صاروخ يصنع في العالم. قام لاكري بركوب هذا الصاروخ البدائي، وقام تلامذته بإشعال الفتيل، ليشتعل البارود وينطلق أستاذهم في الهواء. وبعد أن انتهى البارود، قام لاكري بالانفصال عن الصاروخ ليفرد يديه التي كانتا تحتويان جناحين من ريش النسور، محاولًا الطيران بهما، قبل أن يسقط في البحر.

تمثال يمثل تجربة لاكري حسن شلبي

وتعد هذه التجربة أول تجربة طيران صاروخية في التاريخ.

المدافع العثمانية

تميزت الدولة العثمانية بتقدم تكنولوجي وصناعي واضح في مجال الأسلحة الثقيلة، فحتى نهاية القرن السابع عشر، كانت المدفعية العثمانية هي الأقوى في العالم.

تمكن العثمانيون خلال فترة حكم السلطان محمد الفاتح من تصنيع مدافع توصف في ذلك الوقت بأنها جبارة، والتي يمكنها أن تخترق الجدران بسمك12 مترًا كاملة.

ويعتبر العثمانيون هم المخترع الأصلي للنموذج الأولي من مدافع الهاون الشهيرة، ويرى كثير من المؤرخين أن قذائف الهاون استخدمت لأول مرة في حصار القسطنطينية عام1453  من قبل السلطان محمد الفاتح، ويقول مؤرخون أيضًا إن الأتراك العثمانيين استخدموا سبع قاذفات هاون التي أطلقت قذائف لارتفاع وصل إلى قرابة كيلومتر ونصف في الهواء، وذلك خلال حصار مدينة بلغراد عام1456 .

العلاج بالموسيقى

في وقت ازدهار الدولة العثمانية، كان الأوروبيون يعاملون المرضى النفسيين والعقليين معاملات دونية مليئة بالوحشية، باعتبارهم أناسًا مصابين بمس من الشياطين، وبالتالي لا بد من تعذيبهم.

لكن في الدولة العثمانية كان الوضع مختلفًا تمامًا، فالأطباء النفسيون العثمانيون كانوا في ذلك الوقت يبتكرون أنواع علاج فريدة للمرضى النفسيين، وأولئك الذين يعانون من أزمات عقلية ونفسية. وطبقًا لما ذكره موقع صحيفة ديلي صباح التركية، فإن الأطباء كانوا يعالجون مثل هؤلاء المرضى بالموسيقى والعطور والمعاملة الحسنة، وهي نفس المبادئ التي يقوم عليها العلاج النفسي الحديث.

صورة طاووس على جدران المستشفى – المصدر: وكالة أنباء الأناضول

ونقلت الصحيفة: «عثر خبراء آثار أتراك على رسومات يتجاوز عمرها500 عام نقشها مرضى عقليون، خلال أعمال ترميم مشفى الأمراض النفسية والعقلية، أو كما يسميها الأتراك القدامى (دار الشفاء) في مجمع السلطان العثماني بيازيد الثاني في مدينة أدرنة شمال غربي تركيا».

وتعكس الرسوم على الجدران أحلام ومشاعر المرضى، إذ كانت هناك رسومات لطيور ذات ألوان خلابة مثل الطاووس، وحيوانات رائعة مثل الغزلان، وأسوار وقلاع، وحتى زوارق بحرية.

في النهاية، ربما نحتاج القول بأن تقريرًا واحدًا لا يكفي من أجل ذكر جميع ما تركه الإرث العثماني العلمي للبشرية.

 

عرض التعليقات
s