يكاد لا يوجد مهتم بالتاريخ في شرق العالم أو غربه، لا يعرف محمد الفاتح أو «مهمت الثاني Mehmet II» كما يُسمى في الغرب. ولا غرو أن يحظى هذا السلطان العثماني بتلك الشهرة الطاغية، وهو الذي أطلق رصاصة الفناء على الإمبراطورية البيزنطية الحاجزة بين عالميْن، عندما فتح عاصمتها المنيعة، مدينة القسطنطينية، صلة المشرق والمغرب عام 1453م، مؤذنًا بانقلاب تاريخيٍ هائل، دفع الكثير من المؤرخين إلى اتخاذ هذا الحدث إعلانًا بنهاية العصور الوسطى.

بعد هذا الفتح التاريخي واتخاذ العثمانيين القسطنطينيةَ التي تتشاطرها قارتا آسيا وأوروبا عاصمةً لهم؛ انتقل مركز الثقل العثماني تجاه الغرب أكثر، خاصة وقد أصبحت ممالك ودول ودويْلات جنوبيّ شرق أوروبا في تماسٍ صريح مع الأراضي العثمانية منذ عقود.

في السنوات العشر التالية لفتح القسطنطينية، وبالتوازي مع ضم أجزاءٍ أكثر من شرقي الأناضول، جعلت الحدود العثمانية على تماس مباشر مع حدود دولة «الآق-قوينلو» القوية التي تهيمن على أجزاءٍ مهمة من أراضي إيران، والعراق، والقوقاز، والأناضول؛ اندفعت الجيوش العثمانية غربًا لتضمّ مساحاتٍ شاسعة من شبه جزيرة البلقان، فتسيطر على معظم بلاد الصرب باستثناء عاصمتها الحصينة بلجراد – سيفتتحها حفيده سليمان القانوني عام 1521م – والبوسنة والهرسك، وأجزاء واسعة من أراضي ألبانيا واليونان، وجنوبي رومانيا الحالية.

لا غرْو بعد هذا التمدد العثماني الهائل أن يصطدم قطبا ذلك الركن من العالم، العثمانيون سادة البرِ والقوةِ النيرانية، والبنادقة سادة البحر وجهابذة التجارة بين الشرق والغرب، خصوصًا وأن أوروبا المسيحية بأكملها كانت تنظر بتوجسٍ شديد إلى تمدد قوة إسلامية شرسة لأول مرة في التاريخ في تلك البقاع.

وهكذا اندلعت الحرب التي عُرفت تاريخيًّا بالحرب الكبرى بين الإمبراطورية العثمانية الناشئة، وجمهورية البندقية الطموحة، والتي استمرت لأكثر من عقدٍ ونصف، وشكَّلتْ توازناتٍ جديدة في خريطة أوروبا وجوارها الآسيوي والأفريقي، استمرت لعقودٍ وقرون.

البندقية.. براجماتية التاجر ووثبة المقاتل

البندقية مدينة إيطالية ساحلية شهيرة، تعد من أبرز الوجهات السياحية في العالم، وتتميز بكونها مدينة مائية، تخترقها عشرات القنوات المائية التي تفصل وتصل بين مئات الجزر التي يتشكَّل منها جسم المدينة التاريخية.

بدأت المدينة في الظهور تدريجيًّا بوصفها جسمًا سياسيًّا مستقلًّا، بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي. عام 727م، انتخبت المدينة لحكمها دوقًا، بصلاحيات غير مطلقة لمنع الاستبداد السياسي، لكن  العقود التالية شهدت صراعات داخلية مستمرة بين المؤيدين للاستقلال التام للمدينة، والمؤيدين لخضوعها للإمبراطورية البيزنطية، وريثة الجانب الشرقي من إمبراطورية الرومان، والتي كانت تهيمن آنذاك على جنوبي شرق أوروبا، والأناضول، وآسيا الصغرى.

Embed from Getty Images

صورة حديثة لمدينة البندقية

بحلول أواخر القرن التاسع الميلادي، كانت استقلالية المدينة آخذةً في الرسوخ، وكذلك قوتها التجارية، مستفيدةً من الموقع البحري المتميز في أعلى البحر الأدرياتيكي، الذي يتوسط في موقعه البحر المتوسط، ويفصل بين شبه الجزيرة الإيطالية، وشبه جزيرة البلقان، وما يحويان من حواضر سكنية كبيرة.

تعرضت البندقية لخطرٍ داهم مع الغزو النورماني في القرن الحادي عشر، والذي سيطر على أجزاءٍ واسعة من جنوبيّ إيطاليا، لكن المدينة نجحت بالتعاون مع البيزنطيين غريم الأمس، في دفع ذلك الخطر المُحدِق. في أواخر ذلك القرن، أسهمت أساطيل البندقية في الحملات الصليبية نحو الشرق، من أجل أسبابٍ عديدة، ظاهرها الدينية، وباطنها التجارية والسياسية، مما عزَّز من المكانة السياسية والاقتصادية للمدينة أكثر فأكثر.

عام 1204م، كان دوق البندقية من أبرز القادة الصليبيين الذين قادوا الحملة الصليبية الرابعة التي كان من المفترض توجهُها شرقًا، لكنها انحرفت عن مسارها، واحتلَّت القسطنطينية، وأقامت بها حكومةً صليبية لأكثر من نصف قرن. لكن البيزنطيين نجحوا في استعادة عاصمتهم عام 1261م بمعاونة من جنوة، المدينة الإيطالية التجارية الشهيرة، والتي كانت من أشهر منافسي البندقية على المستويات كافة.

بنهاية العصور الوسطى، وبداية العصر الحديث، كانت قوة البندقية قد أصبحت الأبرز على الأرض الإيطالية بعد روما معقل البابوية، وكذلك فوق صفحة البحر المتوسط، خاصة وأنها كانت قد حسمت صراعها العتيد مع الجَنَويَّين أواخر القرن الرابع عشر الميلادي لصالحها.

يذكر د. محمد سهيل طقوش في كتابه عن تاريخ الدولة العثمانية، أن البندقية قد أصبحت قوة تجارية وحربية لا يُستهانُ بها في القرنيْن الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، خاصة في منطقتيْ البلقان، والحوض الشرقي للبحر المتوسط، بعد أن ضمَّت عشرات المستعمرات على سواحل الأدرياتيكي، وبحر إيجة، وعلى أرض البلقان. لكن تزامن هذا الصعود للبندقية، مع مدٍ عثماني كبير داخل العمق الأوروبي، خاصة في البلقان منذ عصر السلطان محمد الفاتح.

وقع أول صدام كبير بين العثمانيين والبنادقة عام 1430م، عندما استولى العثمانيون على مدينة سالونيك اليونانية الخاضعة لسيطرة البندقية، بعد حصارٍ طويل، لكن ما لبث الطرفان أن وقَّعا اتفاقية سلام، حافظت فيها البندقية على باقي ممتلكاتها، مقابل الاعتراف بالوضع الجديد لسالونيك.

حاولت البندقية من جديد مواجهة التمدد العثماني، فساهم مئات المتطوعين من سكانها في الدفاع عن القسطنطينية أثناء الفتح النهائي لها على يد محمد الفاتح. لكن عام 1454م بعد عامٍ من فتح القسطنطينية، وببراجماتية غير بعيدة عن جمهورية تجارية، عقدت البندقية معاهدة سلمية مع العثمانيين، لتحافظ على امتيازاتها التجارية في الأراضي العثمانية، مقابل اعتذارها رسميًّا عن مشاركة بعض مواطنيها في مناهضة الفتح العثماني – بحسب ما ذكره طقوش في كتابه – ودفع جزية سنوية للخزانة العثمانية.

لكن موقف البندقية عاد ليصبح أكثر عَدائية تجاه العثمانيين في السنوات التالية، مع التمدد العثماني الكبير في البلقان، والذي رأت فيه البندقية، وغيرها من القوى الأوروبية، خطرًا جسيمًا غيرَ مسبوق.

العثمانيون بين فكيّ كماشة

رسّخَ أكثر من قرنٍ ونصف من الصدام بين العثمانيين والقوى الأوروبية، تفوقًا عسكريًّا عثمانيًّا لافتًا، خاصة بمواجهة القوى الأوروبية المنفردة، أو حتى التحالفات المحلية والإقليمية الأوسع، والحملات الصليبية المُعدّة على عجل. لذا، وفي مبادرةٍ جريئةٍ وخطيرة، فقد شهدت إرهاصات ومراحل الحرب العثمانية- البندقيّة الكبرى التي اندلعت عام 1463م، تغيرًا جديدًا على مسرح الأحداث، وذلك بسعي القوى المسيحية، وعلى رأسها البندقية، إلى تشكيل تحالف مسيحي- إسلامي واسع ضد العثمانيين، وذلك ليصبح العثمانيون بين المطرقة والسندان، ويضطرون للحرب على جبهتيْن مشتعلتيْن في آن، فتتشتَّت قوتهم الضاربة، ويصبح الانتصار عليهم احتمالًا أكثر واقعية.

Embed from Getty Images

لوحة زيتية للسلطان العثماني محمد الفاتح

رأت البندقية في إمارات الأناضول المستقلة مبتغاها، فحاولت التحالف مع إمارة القرمان في وسط الأناضول، لكن  الجيوش العثمانية نجحت في اكتساح حاضرتها قونية عام 1466م، وتعيين حاكمٍ لها موالٍ للفاتح، مما أجهض تلك المحاولة.

اتجه البنادقة بعدئذٍ إلى عرش القاهرة المملوكية، أقوى الدول الإسلامية آنذاك، مستغلين الخلافات الحدودية التي بدأت تتصاعد بين المماليك والعثمانيين على مناطق السيطرة جنوبي الأناضول، لكنهم جوبهوا برفضٍ عنيد، إذ لم يرَ المماليك دافعًا قويًّا للتحالف مع من يرونهم أعداء الإسلام ضد العثمانيين، من أجل بعض الصدامات الحدودية التي لا ترقى لمستوى حرب مع قطبٍ إسلامي آخر.

لكن، في تلك الفترة من الربع الثالث من القرن الخامس عشر، برز إلى الواجهة قوة إسلامية صاعدة، تمثَّلت في قبائل الآق-قوينلو التركمانية، الذين هزموا بقايا المغول التيموريين، وأسسوا لأنفسهم دولة قوية تسيطر على أجزاء كبيرة من إيران والعراق وجنوبي القوقاز، وكذلك الجزء الشرقي من الأناضول.

نظر زعيم الآق-قوينلو، أوزون حسن، بتوجسٍ إلى توسعات السلطان العثماني محمد الفاتح في الأناضول، ثم تطورت الأمور سلبًا إلى صدامٍ مسلح مع العثمانيين، انتهى بضم العثمانيين لميناء طرابزون على البحر الأسود عام 1461م، والذي كان تحت حماية أوزون حسن، مما أثار حنق الأخير، خاصة وقد اضطرّ إلى عقد سلامٍ مع الفاتح، اعتُبر تكريسًا للهزيمة.

أدى هذا العداء المستَحكم بين أوزون حسن ومحمد الفاتح، إلى نجاح مفاوضات البندقية وبعض القوى الأوروبية الحليفة لها، مع زعيم الآق-قوينلو للتحالف ضد العدو العثماني المشترَك، خصوصًا وقد تضرَّرت تجارة دولة أوزون حسن بعد استيلاء العثمانيين على ميناء طرابزون المهم.

سياحة وسفر

منذ 6 شهور
دق ستالين أجراس كنيستها وحماها دافنشي من العثمانيين! قصة البندقية العائمة

نصَّت بنود الاتفاق بين خصوم العثمانيين على تقسيم الممتلكات العثمانية بعد الانتصار عليهم، وسحق القوة الضاربة للجيش العثماني، فتحصل دولة المجر على نصيب الأسد من صربيا وبلغاريا والبوسنة وبعض المقاطعات الرومانية، مقابل أن تحشد قوةً عسكرية برية كبيرة في الحرب الوشيكة، بينما تحظى البندقية بالجانب الأهم من المقاطعات اليونانية خاصةً شبه جزيرة المورة، ثمنًا لتمويلها الشطر الأكبر من نفقات الحملة، وتحمل أساطيلها العبء الأكبر للمواجهات البحرية المتوقعة مع الأسطول العثماني. أما أوزون حسن فيستعيد معظم أجزاء الأناضول الشرقي، ويمد سلطانه إلى الأناضول الأوسط، ويمدهم الأوروبيون بالمدفعية للتوازن مع القوة النيرانية للعثمانيين.

تضمن الاتفاق بندًا خطيرًا يقضي بإحياء الدولة البيزنطية في مساحة صغيرة في القسطنطينية وجوارها القريب من أوروبا، لتكون فاصلًا بين آسيا وأوروبا، وبين العالميْن، الإسلامي والمسيحي الكاثوليكي، وتعود حاجزًا أمام تكرار غزوات العثمانيين أو سواهم من القوى الإسلامية الشرقية باتجاه أوروبا. أما الدولة العثمانية، فإن تعذر القضاء عليها بشكلٍ مبرم، فسيجري حصرها في مساحةٍ صغيرة من الجزء الآسيوي الخاضع لها، تكون محاطةً بمياه البحر الأسود شمالًا، والمتوسط جنوبًا، وإيجة غربًا، وإمارات الأناضول الخاضعة للآق-قوينلو شرقًا.

لسوء حظ المتفقين، كان جواسيس محمد الفاتح ينقلون إليه كل شاردة وواردة من تلك الاتصالات والاتفاقات الماراثونية، مما مكَّنه من توجيه الضربة الأولى في ساحة المعركة.

المرحلة اليونانية من الحرب الكبرى

كان التوتر على أقصاه، وكان أتون الحرب ينتظر شرارته. فرَّ عبدٌ مسيحي من خدمة والي أثينا العثماني، ومعه مبلغ كبير من المال، وطلب حماية سلطات البندقية، فوافقت، ورفضت تسليمه للعثمانيين. فردَّ الأخيرون باجتياج بعض المناطق اليونانية الباقية تحت هيمنة البنادقة عام 1463م، ومن أبرزها حصن آرجوس. في تلك الأثناء كان بابا روما بيوس الثاني يضغط على القوى الأوروبية المسيحية في المنطقة للالتزام باتفاقاتها للتحالف ضد العدو الإسلامي المشترك.

في النصف الثاني من عام 1463م، شنَّ التحالف الأوروبي هجومًا مزدوجًا ضد العثمانيين في اليونان، وفي البوسنة، في الوقت نفسه، ونجحوا حتى شهر ديسمبر (كانون الأول) في تحقيق العديد من المكاسب.

لم يتأخر الهجوم العثماني المضاد، فقد أرسل الفاتح جيشًا ضخمًا بقيادة الصدر الأعظم – بمثابة منصب رئيس الوزراء – إلى اليونان، فتمكَّن من تحقيق انتصارات برية وبحرية ضخمة ضد جيوش البندقية، ويستعيد ما فقده العثمانيون في أول الحرب. فيه حين حاول محمد الفاتح بجيش ثانٍ استعادة ما فقده في البوسنة، فنجح جزئيًّا.

عام 1464م حاول البنادقة شنَّ هجوم مضاد في اليونان، لكنه لم يحقق الكثير. تدهورت الأوضاع المعيشية والاقتصادية في الأقاليم اليونانية بشدة، نتيجة الحرب المتواصلة، فأدى ذلك إلى صعوبات تموينية عديدة لدى الجانبيْن، حالت دون اندلاع معارك كبرى في العام التالي 1465م، بل حاول محمد الفاتح إرسال رسلٍ للصلح مع البندقية، لكن البنادقة رفضوا ذلك، وعدوها مناورةً سياسية.

في ذلك العام، كاد حادثٌ عارض أن يؤدي إلى تدخّل دولة المماليك في الحرب الدائرة إلى صف العثمانيين، إذ هاجم قراصنة مسيحيون من جزيرة رودس سفينة تجارية مملوكية، وأسروا التجار، فألقت السلطات المملوكية القبض على كافة البنادقة على أراضيها، وهددت سلطات البندقية بدخول الحرب ضدها، إذا لم يجر إطلاق الأسرى، فحاصر أسطول البندقية جزيرة رودس، وأجبر القراصنة الصليبيين على إطلاق التجار.

عام 1466م، ألقت البندقية بثقلها العسكري البحري في المعركة، واستولت على العديد من جزر بحر إيجة. كذلك حاولت جيوشها البرية السيطرة على المدن العثمانية الرئيسة في اليونان وعلى رأسها أثينا، لكنها مُنيَت بهزائم عديدة.

الحرب في ألبانيا وما تلاها

لأكثر من 20 عامًا، نجح المتمرد إسكندر بك في مواجهة العثمانيين بفعالية، والحفاظ على استقلال معظم أقاليم ألبانيا تحت حكمه، بدعمٍ من القوى الكاثوليكية المناهضة للعدو الإسلامي المشترك.

شنَّ محمد الفاتح عام 1466م هجومًا قويًّا ضد ألبانيا، فاستنجد إسكندر بك بحلفائه البنادقة، ونجح على مدار عام في صدّ هجمات العثمانيين، وحال دون استيلائهم على أيٍّ من حواضر بلاده المهمة والحصينة، خاصة مدينة كرُويا التي فشل الجيش العثماني في اقتحامها بعد حصار شديد عام 1467م. واضطر الفاتح إلى إيقاف الحملة غير الناجحة.

لكن الشتاء التالي حمل أخبارًا سارة، وغير متوقعة للعثمانيين، فقد توفي إسكندر بك عام 1468م بعد صراعٍ مع المرض، مما يعني زوال خصمٍ عتيد حارب العثمانيين بشراسة لأكثر من 30 عامًا. وُضِعَت مناطق سيطرة إسكندر بك الألبانية تحت حماية البندقية؛ لمنع سقوطها في قبضة العثمانيين.

مقطع عن الحروب الطويلة بين إسكندر بك والعثمانيين:

في السنوات الست التالية لم تندلع معارك برية كبرى في الجزء الأوروبي من الجبهة، لكن بحر إيجة شهد معارك بحرية قوية بين الأساطيل العثمانية، وأساطيل البندقية، كانت الغلبة في أكثرها للعثمانيين، الذين تمكنوا من انتزاع جزيرة أكريبوز الاستراتيجية عام 1470م، وفشلت كل محاولات البندقية لاستعادتها، ونجح العثمانيون في الاستيلاء على العديد من الجزر والمواقع الاستراتيجية في هذا البحر الحيوي.

بعد أن تغير الموقف العسكري كثيرًا إلى صالح العثمانيين، سارعت البندقية بالضغط على حليفها المشرقي أوزون حسن لتنفيذ اتفاقه، والقيام بهجوم متزامن ضد العثمانيين. بالفعل حشد أوزون حسن قوته الضاربة، وغزا الجزء الشرقي من الدولة العثمانية عام 1473م، واستعاد طرابزون ومناطق أخرى، في حين وجَّه أسطول البندقية المتمركز في جزيرة قبرص ضرباتٍ متلاحقة للموانئ العثمانية على البحر المتوسط.

حشد محمد الفاتح أكثر من 100 ألف جندي، وواجه أوزون حسن في معركة حاسمة شرقي الأناضول، قرب منابع الفرات، غير بعيدٍ عن ديار بكر، في شهر أغسطس (آب) 1473م، أسفرت عن انتصار كاسح للعثمانيين، واستعادتهم كل ما فقدوه في الهجوم الأول للآق-قوينلو.

في السنوات التالية، لم يشكل أوزون حسن مصدرَ تهديد للعثمانيين، فقد انكفأ إلى بلاده يعالج بعض الاضطرابات الداخلية، وآثار الطاعون الذي فشا فيها، وتمرد أحد أبنائه على حكمه، وتُوفّي عام 1478م.

بزوال الخطر الآسيوي، وجَّه محمد الفاتح كل تركيزه الآن إلى الجبهة الغربية، واستعد لتوجيه الضربة القاضية لجمهورية البندقية لإجبارها على السلام الذي يريد.

ألبانيا مرة أخرى (1474- 1479م)

شنَّت الجيوش العثمانية حملاتٍ عسكرية متلاحقة ضد دولتيْ المجر والبندقية في السنوات الخمس الأخيرة من الحرب، لكن كان التركيز الأكبر على البندقية، خاصة في ألبانيا التي حاول الفاتح الاستيلاء على مدينة إشقودرة الحصينة بها في محاولتيْن قويَّتيْن، عام 1474م وعامي 1478- 1479م، لكن دون جدوي، فقد صمدت حامية المدينة بعد دعمٍ كبير من قوات البندقية.

مقطع عن الهجمات العثمانية على أراضي مولدافيا عاميْ 1475م – 1476م

لكن العثمانيين نجحوا في التوغل شمال البلقان، واختراق أراضي كرواتيا الحالية، والاستيلاء على حاضرتها زغرب، ثم توغلوا غربًا حتى وصلوا إلى مقربةٍ من مدينة البندقية نفسها، وخرَّبوا الكثير من ممتلكات البندقية في شرقي إيطاليا.

أقنعت تلك اليد العثمانية الباطشة حكام البندقية بأنه لا جدوى لاستمرار تلك الحرب المفتوحة مع العثمانيين، وأنه لا مفر من اتفاقٍ سياسي لإنهاء الحرب، وهكذا وُقعت معاهدة القسطنطينية عام 1479م.

معاهدة القسطنطينية: العثمانيون يجنون الثمار

في 25 يناير (كانون الثاني) عام 1479م، وبعد شهورٍ من المفاوضات المتعسِّرة، وافق البنادقة على دفع 100 ألف دوكا تعويضًا للعثمانيين، مع الالتزام بدفع جزيةٍ سنوية مقدارها 10 آلاف دوكا. وتنازلوا للعثمانيين عن معظم مناطق ألبانيا، وعلى رأسها مدينة كرويا الحصينة عاصمة حكم إسكندر بك التي فشلوا في الاستيلاء عليها عسكريًّا عام 1467م كما ذكرنا، وكذلك آلت شبه جزيرة المورة اليونانية إلى العثمانيين.

في المقابل احتفظ البنادقة ببعض المعاقل على ساحل الأدرياتيكي الشرقي، والأهم، حرية التجارة في كامل المقاطعات العثمانية، مع وجود قنصل لهم بالقسطنطينية لمتابعة مصالحهم، والفصل في نزاعاتهم الخاصة.

رسَّخ النصر العثماني – حربًا وسياسةً – في تلك الحرب الوجودَ العثماني لقرونٍ في شبه جزيرة البلقان وشرقي أوروبا، ونقل الدولة العثمانية من مجرد لاعبٍ إقليميٍّ قوي، إلى أعتاب البروز كقوةٍ عالميةٍ يُحسب لها ألف حساب في كافة الميادين، خاصةً العسكرية والسياسية منها. أما البندقية فستنجح قوتها التجارية والبحرية في التعافي سريعًا، والعودة لتحدي النفوذ العثماني مجدّدًا.

في القرون التالية، ستتباين العلاقات بين البنادقة والعثمانيين صعودًا وهبوطًا، وسلمًا وحربًا، وفق العديد من المعطيات الجغرافية، والسياسية، والاقتصادية، والدينية، وسيظل الطرفان لاعبيْن أساسييْن في ساحات البحر المتوسط وشرق أوروبا التي لا تكاد نيرانها تخبو، حتى تعود جذعةً مرة أخرى، ولكن لهذا وقفات لاحقة.

تاريخ

منذ 6 شهور
معركة أوترانتو الحاسمة.. عندما حاول محمد الفاتح غزو إيطاليا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد