وفي الوقت الذي تمنعت فيه السلطات المصرية عن الإدلاء بأي تصريحات رسمية خاصة بعملية الإفراج عن ترابين، تباينت المعلومات التي تناقلتها وسائل الإعلام والصحف المصرية عمّا قالت إنّها صفقة لتبادل الإسرائيلي بأسرى مصريين في السجون الإسرائيلية.

يوم الخميس الماضي، الموافق 10 ديسمبر الجاري، أفرجت السلطات الأمنية المصرية عن الإسرائيلي عُودة ترابين، بعد مضي نحو 15 عامًا على سجنه بتهمة التجسس العسكري لصالح إسرائيل، إذ تم إلقاء القبض عليه عام 1999 ثُم حُكم عليه عام 2000.

وعقب الإفراج عنه، قال ترابين إنه كان يعيش في “قبر”، ما يبدو على النقيض تمامًا مما أفادت به تقارير جماعات حقوقية عن المعاملة المميزة التي حظي بها الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام، المُفرج عنه في صفقة سياسية بين مصر وإسرائيل عام 2004. كما يبدو أيضًا على نقيض ما صرّح به الجاسوس الإسرائيلي إيلان جرابيل المُفرج عنه في 2011، إذ تقدّم بالشكر للسلطات المصرية على “حُسن المعاملة”.

وفي الوقت الذي تمنعت فيه السلطات المصرية عن الإدلاء بأي تصريحات رسمية خاصة بعملية الإفراج عن ترابين، تباينت المعلومات التي تناقلتها وسائل الإعلام والصحف المصرية عمّا قالت إنّها صفقة لتبادل الإسرائيلي بأسرى مصريين في السجون الإسرائيلية.

وفي الوقت الذي قالت فيه وكالة أنباء الشرق الأوسط، نقلًا عن مصدر أمني لم تُسمّه، إن الصفقة تضمنت إطلاق سراح مصريين اثنين، كانت صحيفة الأهرام الرسمية نسبت إلى مصدر أمني، لم تسمه أيضًا، قوله إن الصفقة ستشمل باقي الأسرى المصريين في السجون المصرية، دون أن يُحدد عددهم. ومن جهة أُخرى، قالت صحف ووسائل إعلام مصرية، إن الصفقة شملت 60 مصريًا في السجون الإسرائيلية، دون أن تذكر إن كان هذا العدد هو إجمالي الأسرى المصريين هناك أم جزء منهم.

وبالجملة، لا يُعرف على وجه الدقة عدد الأسرى المصريين في السجون الإسرائيلية، ولا أسباب سجنهم، ففيما تقول تقارير إنّ أعدادهم قد تتراوح ما بين 20 إلى 47 أسيرًا، تقول أخرى إنها ربما تصل إلى 280 أسيرًا ما بين عملاء استخباراتيين وأسرى حرب ومُتهمين في قضايا جنائية.

ويُشار إلى أنّه من المحتمل أن يكون الإفراج عن عودة ترابين قد جاء في إطار صفقة تبادل أسرى بين مصر وإسرائيل، إذ كانت مصادر سياسية إسرائيلية قد صرحت في يناير الماضي باستعداد تل أبيب لإطلاق سراح الأسرى المصريين في سجونها، حال أطلقت السلطات المصرية سراح الرجل.

عودة الترابين بعد الإفراج عنه، بصحبه محاميه ووالده


كما يُشار أيضًا تعنّت مصر سابقًا فيما يخص الإفراج عن ترابين ولو بصفقة تبادل، رغم الإلحاح الإسرائيلي. وقد حدث ذلك على مر الأنظمة الحاكمة بدايةً من الرئيس المخلوع حُسني مُبارك، مرورًا بالمجلس العسكري ثُم الرئيس المعزول محمد مُرسي، نهايةً بالرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي، الذي شهد عهده أخيرًا إطلاق سراح الجاسوس الإسرائيلي، مما يطرح تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الإفراج المُفاجئ.

ابن قبيلة ترابين العربية جاسوس ابن جاسوس

عُودة ترابين، وكما يكشف اسمه، ينتمي لقبيلة ترابين العربية المُنتشرة في سيناء وفلسطين وأجزاءٍ من الأردن. وُلد عُودة في يوليو 1981 على الأراضي المصرية في سيناء، قبل أن يهرب به والده “سُليمان” مع والدته وأشقائه إلى صحراء النقب في الأراضي الفلسطينية المُحتلة، على خلفية حُكم صادر ضده بتهمة التجسس لصالح إسرائيل.

هرب سُليمان ترابين من مصر إلى الأراضي المحتلة بعد انكشاف تجسسه لصالح إسرائيل


ووفقًا لخلفيات الحُكم، فقد جُنّد سليمان للعمل الجاسوسي لصالح إسرائيل خلال حرب الاستنزاف، ليقوم برصد تحركات مجموعات المقاومة المصرية ونقلها للسلطات الإسرائيلية، وذلك قبل أن ينكشف أمره بين أبناء قبيلته التي يُقال إنّهم من بلغوا عنه، ليفر عام 1990 إلى صحراء النقب، حيث منح هو وأسرته الجنسية الإسرائيلية.

ظل لسليمان ترابين ابنتين في مصر مُتزوجتين في مدينة العريش، اعتاد نجله عُودة أن يعبر الحدود بحجة زيارتهما، قبل أن يُبّلغ زوج إحداهما عنه عام 1999 ليُلقى القبض عليه. وبحسب ما تكشف عنه أوراق القضية، فإن زوج الأخت قد أبلغ عن عُودة بسبب محاولات الأخير تجنيده.

وعلى مدار 15 عامًا، تقدّم والد عُودة ومحاميه بالعديد من الالتماسات للسلطات المصرية بُغية الإفراج عنه، كان من بينها التماس قُدّم لمحمد مُرسي في أبريل 2013، عقب دخول عُودة في إضراب مفتوح عن الطعام، احتجاجًا على مُحاكمته “غير العادلة” حسب زعمه.

أما آخر التماسات العفو تلك كانت عبر برقية بعث بها “يتسحاق ميلتسر”، محامي الترابين، إلى عبدالفتاح السيسي، أشار فيها إلى “المساعدة” التي تُقدمها إسرائيل لمصر في حربها على “الإرهاب” في سيناء، باعتبارها أمرًا مُشتركًا يُتوقع على إثره الاستجابة بالإفراج عن موكله.

العملية الغامضة: لماذا تم الإفراج عن الجاسوس الآن؟

أثارت عملية الإفراج عن ترابين جدلًا واسعًا، رغم أن الرجل قضّى فترة عقوبته التي حُوكم بها، مما يجعل من الإفراج عنه حدثًا طبيعيًا في سياقٍ قانوني. لكن المُثير للاهتمام حقًا هي جُملة التوقعات والأنباء التي تم تداولها باعتبارها الأسباب الحقيقية وراء عملية الإفراج التي اعتبرت مُفاجئة لسبب ما.

أما سبب المُفاجأة في الإفراج هو تعنّت الإدارة المصرية مع عودة ترابين على وجه الخصوص، رغم أن عديدًا من عمليات تبادل الأسرى جرت بين مصر وإسرائيل على مدار العقود الثلاثة الماضية، كان آخرها عام 2011، حين أفرجت السلطات المصرية عن الجاسوس الإسرائيلي إيلان جرابيل مُقابل 25 مصريًا كانوا مُحتجزين في السجون الإسرائيلية.

بالإضافة إلى ذلك، دائمًا ما كانت تتعثر أي محاولات خاصة بعقد صفقة يُفرج فيها عن ترابين، وكانت آخرها عام 2012، إذ تم الاتفاق وقتها على أن تُفرج مصر عنه مُقابل 63 مصريًا في السجون الإسرائيلية، وفقًا لتصريحات مسؤول عسكري مصري، قال إنّ الصفقة ستتم عبر معبر طابا، بحضور الصليب الأحمر كوسيط في عملية تسليم الأسرى، إلا أنها باءت بالفشل أخيرًا.

لتلك الأسباب بدت عملية الإفراج عن الجاسوس الإسرائيلي غامضة، وما زاد من غموضها صمت الإدارة المصرية ورفضها التصريح بأي معلومات كاشفة عن تفاصيل الإفراج، إلا تصريحًا واحدًا قد يُعتد به رسميًا، ذلك الذي نسبته وكالة الأنباء الرسمية (وكالة أنباء الشرق الأوسط) عن مصدر أمني لم تُسمّه، قال إن الإفراج جاء في إطار صفقة تبادل شملت أسرى مصريين في إسرائيل دون ذكرٍ لعددهم.

ولقضية أعداد المصريين في السجون الإسرائيلية دورٌ في زيادة حالة الغموض التي تكتنف عملية الإفراج. وبالجملة ثمّة هالة من الغموض المريب حول المعلومات عن الأسرى المصريين في إسرائيل وحول عمليات تبادلهم بإسرائيليين في السجون المصرية.

ويُكرِّس رفض السلطات الأمنية المصرية الإفصاح عن معلومات دقيقة حول أعداد المصريين في السجون الإسرائيلية، من حالة انعدام الشفافية التي تتعامل بها الدولة المصرية عامة والسلطات الأمنية على وجه الخصوص، كما أنّها تضع عملية كالإفراج عن ترابين في خانة الأحداث المُريبة والمثيرة للشكوك، بخاصة وأنّ مقطع الفيديو المُتداول لعملية تسليم ترابين للجانب الإسرائيلي، لا يكشف عن أية مصريين تم تسليمهم للجانب المصري.


الخبير الأمني خالد عُكاشة، أكّد، في تصريح لموقع العربية نت، أنّ عملية الإفراج عن عُودة تأتي في إطار صفقة، جُزء منها متعلق بتبادل أسرى، وجزء آخر وصفه بـ”المكاسب التي لا يمكن الإفصاح عنها، حرصًا على المصالح العليا للبلاد”. وكما يتضح، لا يعلم أحدٌ على وجه الدقة ماهيّة المكاسب الأخرى للصفقة، إلا أنّ صحيفة البوابة المقربة من النظام، نشرت خبرًا نسبته إلى صحيفة هآرتس الإسرائيلية، يُفيد بمنح إسرائيل ملايين الدولارات لمصر مُقابل الإفراج عن الجاسوس، وأنّ هذه الملايين تُمثّل 2% من حصة إسرائيل في أرباح المنطقة الصناعية المُشتركة (كويز).

وفي المُقابل لفرضية “المكاسب الأخرى”، يرى وكيل المخابرات العامة المصرية الأسبق، محمد رشاد، أنّه من المستبعد أن يكون قد جرى الإعداد لصفقة مصرية-إسرائيلية تم بموجبها الإفراج عن ترابين، إلا أن تكون صفقة تبادل أسرى فقط.

ووفقًا لرشاد فإن وجود مكاسب أُخرى كحصول مصر على ملايين الدولارات من إسرائيل، يُعدّ انتصارًا لمصر، كانت ستعلنه إن حدث، ما يُؤكد على عدم صحته. لكن ما غفل عنه وكيل المُخابرات الأسبق، أن السلطات المصرية لم تُعلن عن أي شيء في الحقيقة يخص هذه العملية، فضلًا عن أنّها لم تُعلن عن عدد الأسرى المصريين المُقايضين بالجاسوس الإسرائيلي عودة ترابين، ناهيك عن الإعلان عن عدد الأسرى إجمالًا في السجون الإسرائيلية.

على ما يبدو إذًا، عادت دائرة الاحتمالات المفتوحة لتنغلق على نفسها مرة أُخرى دون إجابات واضحة ودقيقة، سوى تخمينات لا يُمكن الجزم قطعًا بصحتها، وفرضيات تدور في فلك حالة انعدام الشفافية. فبرأيك أنت، لماذا تم الإفراج عن الجاسوس الإسرائيلي “عودة ترابين” الآن تحديدًا؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد