استضافت مصر جلسات البرلمان الأفريقي خلال الأسبوع الماضي بمناسبة مرور قرن ونصف على تأسيس البرلمان المصري، وفي خلاله استقبلت وفدًا ممثلًا لما يسمى بـ«الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية».

وقد أثارت الحادثة عاصفة من الانتقادات من قبل الجانب المغربي، تمثلت في هجمة إعلامية شرسة على مصر وحكومتها، لما اعْتبر «انتقاص الحكومة المصرية للوحدة الترابية للمملكة» باستقبال جبهة البوليساريو المطالبة بانفصال الصحراء عن المغرب.

ما هي القصة؟

التقى وفد البوليساريو، في إطار جلسات المؤتمر البرلماني العربي الأفريقي الذي تحتضنه شرم الشيخ في هذه الدورة، برئاسة رئيس البرلمان المصري علي عبد العال، عددًا من البرلمانيين المصريين، ووُضعَت أمامه لافتة باسم «الجمهورية الصحراوية». وهو ما اعتبره المغرب دعمًا ضمنيًّا للحركة الانفصالية.

لكن رئيس لجنة الإعلام والثقافة بمجلس النواب المصري، أسامة هيكل وضَّح في تصريحه لـ«اليوم السابع» أن برلمان بلاده «لم يوجه أيّ دعوة لجبهة البوليساريو لأجل الحضور في الاحتفالية، كما أنه ليس لمصر أيّ علاقة باختيار الوفود المشاركة في البرلمان الأفريقي، بل هي مستضيفة فقط لجلساته».

كما أن رئيس البرلمان الأفريقي، روجيه أنكودو، أكد أن مصر رفضت رفع علم البوليساريو في الجلسة المشتركة التي جمعت البرلمان الأفريقي بالبرلمان العربي، لعدم اعترافها بـ«دولة البوليساريو»، التي تعدّ عضوًا في الاتحاد الأفريقي، ورُفع فقط في جلسات البرلمان الأفريقي المتبقية.

إلا أن هذه التوضيحات لم تطفئ الاستياء الإعلامي المغربي، الذي يصر على أن هناك توجهًا سياسيًّا لمصر، يحاول ضرب الوحدة الترابية للمملكة.

في سياق آخر، يقوم الملك محمد السادس هذه الأيام بزيارات رسمية إلى رواندا وتنزانيا وإثيوبيا، في إطار جهود المملكة للعودة إلى الاتحاد الأفريقي، بعد غياب دام ثلاثة عقود احتجاجًا على قبول المنظمة عضوية ما يعرف بـ«الجمهورية الصحراوية». وقد اعتبرت وسائل الإعلام المصرية زيارة الملك لإثيوبيا، الخصم السياسي لمصر على خلفية سد النهضة، خطوة تأتي ضمن الرد على استقبال مصر لوفد البوليساريو، وليس مجرد زيارة متزامنة مع واقعة الاستقبال.

بيد أن كلا الحادثتين، سواء استقبال مصر لوفد البوليساريو، أو زيارة الملك لإثيوبيا، في نظر العديد من المحللين، لا تبدوان بريئتين، إذا ما فهمت داخل الأبعاد المتعددة للسياق الإقليمي، الذي تعيشه المنطقة خلال الآونة الأخيرة.

هل تتحول مصر إلى محور الجزائر؟

عرفت مؤخرًا العلاقات السعودية المصرية تآكلًا مطردًا، على خلفية تصويت مصر لصالح مشروع القرار الروسي في مجلس الأمن الدولي بشأن الأزمة السورية، القرار الذي وصفه مندوب السعودية بـمجلس الأمن، عبد الله المعلمي بـ«المؤلم»، كما سبق لشيخ الأزهر أن حضر مؤتمر «غروزني» بالشيشان، الذي استثنى السلفية الوهابية من أهل السنة والجماعة.

مما أجج غضبًا سعوديًّا ضد مصر، تُرجم سريعًا إلى إجراءات عملية، كان في مقدمتها إيقاف شركة أرامكو السعودية تزويد مصر بالمواد البترولية، في وقت تعاني فيه البلاد المصرية أزمة اقتصادية حادة، عنوانها نقص شديد في رصيد العملة الصعبة.

وبفضل خطة طوارئ، كانت معدة سلفًا، تمكنت مصر، بعد تجميد أرامكو السعودي إمدادها النفطي، من استيراد شحنات بديلة، غير أن تأمين احتياجاتها من الوقود بشكل مستمر، يتطلب البحث عن شركاء جدد أكثر سخاءً، للحصول على أسعار تفضيلية ومنخفضة.

وفي هذا الإطار، يرى الباحث السياسي، محمد الزهراوي، أن استضافة ممثلي البوليساريو، بعد أسبوع من الأزمة السعودية- المصرية، »يؤكد فرضية وجود مفاوضات مع النظام الجزائري، قائمة على مقايضة الموارد الطاقية مقابل دعم جبهة البوليساريو الانفصالية«، خاصةً بعد استقبال ميناء الإسكندرية باخرة قادمة من الجزائر تحمل 30  ألف طن سولار، كدعم منها للأزمة المصرية.

من جانب آخر، تهدد إثيوبيا الأمن المائي لمصر، وازدادت العلاقة توترًا بين البلدين في الفترة الأخيرة، إثر اتهام أديس أبابا رسميًّا القاهرة بالدعم المالي لجماعات مسلحة، وتدريب عناصر إرهابية، والتسبب في أحداث أوروميا، ولتجنب حل عسكري، تحتاج مصر، حسب الزهراوي، وساطة الجزائر المقربة من إثيوبيا، من أجل تفادي أزمة خطيرة تهدد مستقبل مصر.

ومن ثّمة تسعى القاهرة إلى التحول إلى حلف الجزائر، التي يمكن أن يكون لها دور في مساعدة مصر على حل مشكلة سد النهضة، وربما جاء استقبال وفد جبهة البوليساريو في هذا السياق.

هل تخرج مصر من التبعية الخليجية؟

اعتمدت حكومة السيسي، منذ إطاحة الرئيس الأسبق محمد مرسي، على الدعم المالي والسياسي المقدم من طرف المملكة العربية السعودية والإمارات، ويبدو أن النظام المصري أحس بأنه مؤخرًا لم يعد بحاجة إلى الشرعية بعد مرور كل هذه السنوات، مما جعل السياسة الخارجية المصرية أكثر جرأة في التحرك بحرية خارج التبعية الخليجية، ولا سيما بعد أزمة »تيران وصنافير«، التي أضرت بشعبيته كثيرًا.

في المقابل، تزداد الرباط تقربًا من المحور الخليجي، وقدَّمت دعمًا غير محدود لحلف السعودية في حرب اليمن، حيث ترى المماليك الخليجية في المغرب بديلًا لمصر، للحفاظ على أمنها القومي في الحروب الشاملة، كمورد للجنود والخبرات العسكرية، في ظل عجزها عن تأمين بلدانها ذاتيًّا، بالرغم من كل الأسلحة المتوفرة لديها.

https://www.youtube.com/watch?v=5nvlu4dkJDU

ينظر البعض إلى أن مصر توجه من خلال واقعة استقبال وفد البوليساريو رسائل عن عدم رضاها نحو المحور الخليجي المغربي، وكردة فعل لتخوف القاهرة العميق من انعكاسات هذا التحالف على المنطقة العربية والأفريقية على المدى المتوسط والبعيد.

وليس ببعيد، أن تتوجه مصر نحو محور الجزائر، كحليف اقتصادي وإستراتيجي، لتعويض الإمداد النفطي الخليجي أولًا، ولمجابهة التحالف الخليجي المغربي، مما ينذر بأن المنطقة تشهد لعبة تحالفات جديدة، على غرار ما كان سابقًا بين محور الممانعة، ومحور الاعتدال.

ولعل كل التفسيرات السالفة، لحادثة التقاء البرلمان المصري مع وفد جبهة البوليساريو الانفصالية، قد تخضع لتأويلات مبالغة للوقائع المتزامنة، لكن يبقى مؤكدًا أن مصر تحاول التحرر من التبعية الخليجية، والانفتاح سياسيًّا واقتصاديًّا نحو قوى سياسية جديدة مثل الجزائر وروسيا، وبالمقابل تعكس قضية الصحراء حساسية شديدة للمملكة، بحيث تتحول إلى بوصلة السياسات الخارجية للبلد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد