في 360 صفحة، نشر «برنامج العلاقات المدنية – العسكرية في الدول العربية»، التابع لمركز كارنيجي للشرق الأوسط، دراسة أعدها الباحث البارز «يزيد صايغ»، بعنوان «مُلَّاك الجمهورية.. تشريح الاقتصاد العسكري في مصر». 

بعد دراسته السابقة الصادرة في أغسطس (آب) 2012 تحت عنوان «فوق الدولة: جمهورية الضباط في مصر»؛ يرصد الباحث  في الدراسة الجديدة كيف غيَّر صعود عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم، وقبلها استحواذ الجيش المصري على منافذ السلطة في عام 2013، دور القوات المسلحة في الاقتصاد القومي، وحوّلها إلى جهة فاعلة مستقلة، يمكنها إعادة تشكيل الأسواق والتأثير على صياغة السياسات الحكومية واستراتيجيات الاستثمار.

تتفاخر قيادات الجيش المصري بمهاراته الإدارية الفائقة، وتقدمه التكنولوجي، وتقول إنه رأس الحربة في التنمية، في مقابل أن هذا الدور يحصل على ثمن كبير، في ظل بيئة قانونية وتعقيد بيروقراطي وسلطات تقديرية تتيح مساحة كبيرة للنهب والفساد، حسبما خلص صايغ، الذي يتركز نشاطه البحثي على الدور السياسي للجيوش العربية، وتحوّل قطاع الأمن في المراحل الانتقالية العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج السلطوية.

تضيف الدراسة: في أحسن الأحوال، ينتج الجيش المصري مهندسين جيدين، لكن خبراء اقتصاديين سيئين؛ إذ إن الزيادة الهائلة في المشروعات الضخمة التي يديرها الجيش في مجالي البنية التحتية والإسكان منذ عام 2013 تفرز مبالغ كبيرة من رأس المال الميت، والأصول العالقة، وتحول الاستثمار والموارد بعيدًا عن القطاعات الاقتصادية الأخرى.

ويحذر الباحث من أن ترسيخ الاقتصاد العسكري يضر بالسياسة الديمقراطية في مصر، مهما كانت معيبة، ولن تستطيع أي حكومة مصرية إدارة الاقتصاد بفعالية قبل تعطيل شبكات الضباط غير الرسمية في البيروقراطية المدنية وشركات القطاع العام والحكومة المحلية.

ويلفت إلى أن التقييمات الوردية لمؤشرات الاقتصاد الكلي في مصر- الصادرة عن المسؤولين المصريين ونظرائهم في الحكومات الغربية والمؤسسات المالية الدولية- تتجاهل المشكلات الأساسية المتمثلة في تدني الإنتاجية والابتكار وقلة القيمة المضافة وعدم كفاية الاستثمار في معظم القطاعات الاقتصادية. 

وتستدرك الدراسة أنه ربما كان هؤلاء المسؤولين يأملون في أن يتمكن السيسي من بناء دكتاتورية تنموية ناجحة بطريقة أو بأخرى، لذلك يتغاضون عن العواقب الاجتماعية للنهج الاقتصادي الذي تتبعه إدارته، وقمعها الشديد للحريات السياسية والاجتماعية وانتهاكاتها الموثقة لحقوق الإنسان. 

وبينما يؤمن هؤلاء بأن الجيش سيرفع يده عن الاقتصاد بمجرد تحسّنه، فإن الاتجاهات الحالية تشير إلى أن السيسي سيظل رهينة للشركاء الرئيسيين في الائتلاف الحاكم، بما في ذلك الجيش الذي تتوقع الدراسة أن يتسارع انخراطه في الاقتصاد.

(خريطة الأنشطة والاهتمامات الاقتصادية العسكرية الرئيسية)

اعتماد اقتصادي غير مسبوق على الجيش رغم الخسائر الخفية

في مقدمة الدراسة، يشير «صايغ» الذي عمل سابقًا أستاذًا لدراسات الشرق الأوسط في جامعة كينجز كولدج- لندن، إلى أن الوكالات العسكرية هي الجهات الفاعلة الاقتصادية الهامة في مصر؛ بمشاريعها المتغلغلة في مختلف المجالات بدءًا من البنية التحتية الضخمة، وإنتاج السلع الاستهلاكية، مرورًا بتصنيع المواد الكيميائية ومعدات النقل، وليس انتهاءً باستيراد السلع الأساسية للأسواق المدنية، ناهيك عن توسعها في قطاعات جديدة متنوعة مثل إنتاج الصلب، والمستحضرات الصيدلانية، والتنقيب عن الذهب، وإدارة الأوقاف الدينية والحج. 

هذه الدرجة من الاعتماد على الجيش في تقديم السلع والخدمات العامة والمساعدة في تحقيق أهداف التنمية الوطنية لم يسبق لها مثيل حتى بالمقارنة مع عهد عبد الناصر، الذي وضع حجر الأساس لهذا النمط، وبينما قد يوفر الاقتصاد العسكري كفاءات في بعض الأنشطة المدنية – خاصة الأعمال الهندسية واسعة النطاق – فإن المنتج النهائي لا يتعدى كونه قيمة اقتصادية سلبية، بينما تُخفى الخسائر، وتتجاوز تكلفة استثمار رأس المال عائده في الغالب.

بموازاة ذلك، استفاد الآلاف من كبار الضباط المتقاعدين من النفوذ السياسي القوي للجيش لشغل مناصب عليا في جميع أنحاء الجهاز المدني وشركات القطاع العام في الدولة. هذان الجناحان اللذان يُحَلّق بهما الاقتصاد العسكري تعززًا بعد سيطرة الجيش على السلطة في يوليو (تموز) 2013؛ مما أدى ليس فقط إلى زعزعة ديناميات السوق، ولكن أيضًا إلى تغيير مسار مصر نحو النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية والانتقال السياسي.

منح الأولوية لبقاء النظام يعرقل التنمية الاقتصادية ويثقل كاهل المصريين

يلفت الباحث إلى أن الجيش لا يضطلع بهذا الدور بشكل مستقل، بل هو جزء لا يتجزأ من النظام الحالي الذي يحكم مصر، إلى جانب كبار موظفي الخدمة المدنية ومسؤولي الأمن والقضاة والمديرين الاقتصاديين والفنيين في الدولة.

ويعمل الجميع وفق منطق سياسي يعطي الأولوية لاسترضاء الدوائر المؤيدة الرئيسية، والحفاظ على نظام الحكم، بدلًا من تنفيذ الإصلاحات التي يمكن أن تحفز الإنتاجية الاقتصادية، وتعبئ الموارد المحلية على نحو أكثر فعالية. هذا الاقتصاد العسكري ذو وجهين، فهو يخدم نفسه بنفسه، لكنه يتماشى أيضًا مع الاستراتيجية الأوسع نطاقًا التي تهدف إلى الحفاظ على النظام ويعيد إنتاجها. 

لتحقيق هذه الأهداف السياسية، يساهم الجيش بشكل كبير في استنساخ المشاكل الهيكلية المزمنة التي يعاني منها الاقتصاد المصري منذ فترة طويلة، ومسخ تنمية القطاع الخاص، وتآكل الظروف الاجتماعية لأعداد كبيرة من المصريين.

أما تفاؤل الحكومات الغربية والوكالات المانحة الدولية والمؤسسات المالية والمستثمرين الأجانب بشأن مؤشرات الاقتصاد الكلي، فيرى الباحث أنها في الواقع ليست سوى وسيلة لإخفاء قلقهم المتزايد وراء واجهةٍ مكتوب عليها شعار «مصر أكبر من أن تفشل».

في عام 2018، خلص خالد إكرام، الاقتصادي البارز سابقًا ومدير قسم البنك الدولي في مصر، إلى أنه منذ عام 1952، تغلبت المخاوف بشأن بقاء النظام دائمًا على اعتبارات الضعف الاقتصادي في حسابات صناع السياسة المصريين. لذلك تخلص الدراسة إلى أن مشكلة مصر الاقتصادية الأساسية تكمن في كيفية عمل الدولة، ما ينعكس على كيفية توليد القوة السياسية واستخدامها. 

نظرة عامة على تطور الاقتصاد العسكري

ترصد الدراسة تطور الاقتصاد العسكري اليوم نتيجة التفاعل بين ثلاث دوائر رئيسية:

(1) صناعة الدفاع: التي تأسست في خمسينيات القرن الماضي، وفروعها التي نشأت تباعًا منذ منتصف السبعينيات، وتضم مؤسسات عسكرية مسجلة رسميًا وموجهة تجاريًا وتشارك في التصنيع.

الإجابة «تونس».. تونس تتصدر العرب في مؤشرات الحرية والعدالة الاجتماعية

(2) وكالات وزارة الدفاع: المكلفة بتعزيز اكتفاء القوات المسلحة ذاتيًا، والتي تشكل، إلى جانب صناعة الدفاع، القطاع الاقتصادي العسكري الرسمي. 

(3) «جمهورية الضباط»: التي تضم شبكات واسعة غير رسمية من الضباط، وتتخلل الجهاز المدني للدولة، وكذلك الشركات المملوكة للدولة والهيئات الحكومية العاملة في الأشغال العامة، والبنية التحتية، والخدمات العامة المختلفة، وإدارة الموارد الطبيعية، والتصنيع التجاري. 

العامل المشترك بين هذه الدوائر الثلاث هو امتياز الوصول إلى موارد الدولة والعقود العامة، وبرغم غياب الشفافية الاقتصادية، تشير الأدلة إلى انعدام الكفاءة ووجود خسائر خفية للعديد من الشركات المملوكة للدولة في فترتي ما قبل الخصخصة وما بعدها في مصر.

(قطاعات النشاط الاقتصادي التي تعمل فيها الوكالات العسكرية)

«استيلاء مؤسسي» على الاقتصاد.. في حماية الإعلام الاستخباراتي

تصف الدراسة الوضع الأساسي للاقتصاد العسكري بأنه نوع من الاستيلاء المؤسسي أو التنظيمي، أما الدعايا المتكررة للمسؤولين العسكريين بأن مشاريعهم تحفز النمو الاقتصادي والوظائف، فيقول الباحث إنها مبالغ فيها في أحسن الأحوال، وغالبًا ما تكون خاطئة تمامًا.

غير أن الموقع السياسي البارز للمؤسسة العسكرية، وقدرتها على السيطرة على الخطاب العام – الذي تعززه سيطرة مجموعة من أجهزة الاستخبارات العامة والعسكرية على قطاع الإعلام المصري منذ عام 2013 – يمكّنها من التملص من أوجه القصور وعدم الكفاءة. 

علاوة على ذلك، تحمي الوكالات الاقتصادية العسكرية نفسها من التدقيق الخارجي عن طريق تزيين صورة عامة تبرز إسهامها في التنمية الوطنية تحت شعار بناء البنية التحتية الأساسية، وتوفير السلع المدنية والمواد الاستهلاكية بأسعار مخفضة، والتدخل السريع لسد نقص الخبز وغيرها من أزمات الإمداد، وتوزيع السلع الغذائية على الفقراء خلال شهر رمضان.

الأخطر من ذلك بحسب الدراسة، أن كبار ضباط القوات المسلحة المصرية منذ الثمانينيات ينظرون إلى القطاع الاقتصادي العسكري الرسمي، ووصوله غير الرسمي إلى جهاز الدولة والاقتصاد المدني، باعتباره استحقاقًا أصيلًا.

الدراسة تتحدى السائد بشأن حجم الاقتصاد العسكري

على عكس السائد إعلاميًا، يؤكد صايغ أن الاقتصاد العسكري لا يزال يمثل حصة صغيرة من الاقتصاد الوطني، وهو بذلك يتحدَّى التقديرات المبالغ فيها التي تخلط عادة بين ثلاث دوائر متمايزة:

(1) المصانع والشركات والمزارع المملوكة للجيش والمسجلة رسميًا، وإجمالي إنتاجها من السلع والخدمات العسكرية والمدنية أكثر تواضعًا بكثير مما يُعتَقَد أو يُصَوّر عادة. 

(2) عدد أكبر بكثير من هيئات القطاع العام الاقتصادية، والمؤسسات المملوكة للدولة، وشركات القطاع الخاص التي يرأسها ضباط متقاعدون أو يشغلون فيها مناصب إدارية، لكن أصولها وأرباحها لا تنتمي في الواقع إلى الجيش، على الرغم من إمكانية تأثيره على قرارات أعمالهما بما يخدم مصالحه. 

(3) الصلاحيات التنظيمية التي تتيح جني العوائد من ترخيص استخدام الأراضي، واستئجار المنشآت العسكرية والعامة، ورسوم الطرق السريعة والمناجم والمحاجر، وتخليص الواردات، والاستثمار في مشاريع مشتركة مع شركات خاصة وطنية ودولية.

تشريح التقديرات التي أعلنها السيسي ومسؤولو الدفاع للاقتصاد العسكري

تقديرات السيسي ومسؤولي قطاع الدفاع للاقتصاد العسكري الرسمي بنحو 1.0 – 1.5 أو 1.5 – 2.0% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر في عام 2016، يُقصَد بها القيمة الإجمالية للسلع والخدمات التي تنتجها جميع الوكالات العسكرية: وزارة الإنتاج الحربي، والهيئة العربية للتصنيع، ووزارة الدفاع والوكالات التابعة لها.

ترجح الدراسة أن هذه التقديرات قريبة من الحقيقة، لكن من غير الواضح ما إذا كانت تتضمن إيرادات وزارة المالية من عقود الأشغال العامة التي تنفذها أو تديرها إدارات القوات المسلحة، وإن كان يتعذر تصديق ذلك لأنه يتطلب تسجيل جميع الأموال الواردة في الدفاتر الداخلية للوزارة، وإدراجها ضمن الأرقام الإجمالية المقدمة إلى الرئيس.

وتشير الدراسة إلى أن تقدير إجمالي الناتج المحلي لمصر معقد بسبب التخفيضات الحادة التي طرأت على قيمة الجنيه المصري في شهري مارس (آذار) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2016، لكن من حيث القيمة الثابتة للدولار، كان نصيب الاقتصاد العسكري من إجمالي الناتج المحلي في ذلك الوقت يتراوح بين 3.32 و 6.64 مليار دولار، بحسب النسب التقديرية التي أعلنها السيسي وإحصاءات صندوق النقد الدولي للناتج المحلي الإجمالي الاسمي البالغ 332 مليار دولار في السنة المالية 2015-2016.

صحيح أن الدفعة القوية التي حظيت بها مشروعات الجيش الضخمة منذ عام 2013 تمخضت عن زيادة دخل وزارة الدفاع من الرسوم الإدارية وهوامش الربح، وبالتالي رفع حصة الجيش الإجمالية من الناتج المحلي الإجمالي، لكن ربما فقط بنقطة مئوية إضافية على الأكثر. 

لماذا نبالغ في تقدير حجم اقتصاد الجيش؟ الخلط بين الملكية والسيطرة

يرى الباحث أن التقديرات المبالغ فيها تخلط بين الملكية والسيطرة والتأثير. ففي معظم الحالات، تكون السيطرة العسكرية غير مباشرة وليست مباشرة، وغالبًا ما ينبغي اعتبارها نفوذًا. إذ يمكن للوكالات العسكرية- أو حلفائها في جهاز الدولة البيروقراطي والبرلمان- التلاعب بمنح العقود أو تراخيص الاستيراد، وإنشاء حواجز غير جمركية مصممة خصيصًا لصالح شركات معينة أو لمنع دخول الآخرين (خاصة المنافسين الأجانب).

مصدر آخر للتقديرات المتضخمة للاقتصاد العسكري هو المبالغة في تبسيط أو تحريف علاقة الجيش بالأصول الرئيسية مثل أراضي الدولة. في الواقع، كثيرًا ما يخلط هذا النوع من التقدير بين الأصول والدخل الذي يمكن توليده من الاستفادة منها، أي الإنتاج أو المبيعات.

وتؤكد الكثير من التقارير أن وزارة الدفاع تمتلك جميع أراضي الدولة، التي تقدر من 90 إلى 95 في المائة من مساحة مصر، لكن صايغ يؤكد أن هذا ليس صحيحًا تمامًا. إذ تتمتع وزارة الدفاع بصلاحية ترخيص استخدام أراضي الدولة، لكنها في الواقع واحدة (وإن كانت الأقوى) من بين وزارات حكومية عديدة تتمتع بصلاحيات تنظيمية مماثلة. 

بعد السيسي.. هل فات أوان رفع يد الجيش عن اقتصاد مصر؟

برغم هذه الاستدراكات التي تتحدى السائد إعلاميًا بشأن حجم الاقتصاد العسكري، يحذر صايغ من أن تمكين الجيش في عهد السيسي ربما يكون قد وصل إلى نقطة لم يعد من الممكن بعدها إخراجه من الاقتصاد.

ويلفت إلى أن تكاليف هذا النهج قد تكون مرتفعة للغاية؛ إذ بلغ إجمالي الدين الحكومي (المحلي والخارجي) حوالي 108.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول يونيو 2016، وهو أعلى مستوى على مدار 12 سنة.

وبعد ثلاث سنوات، ارتفع الدين الخارجي الوطني إلى 106.2 مليار دولار، وهو ما يمثل 35.1 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، والدين المحلي الحكومي إلى 4.2 تريليون جنيه مصري، وهو ما يمثل 92.5% من الناتج المحلي الإجمالي. 

واستحوذت الطفرة في المشروعات الضخمة والوطنية خلال عهد السيسي على 54% من الزيادة في الاقتراض الحكومي من البنوك المصرية والمقرضين الأجانب خلال الفترة ما بين ديسمبر (كانون الأول) 2016 ومايو (أيار) 2019، واستهلكت خدمة الدين العام ما يصل إلى 40% من ميزانية الحكومة، وانخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2019، وبالإضافة إلى تلك التأثيرات على الاقتصاد الوطني، فإن لهذا التوغل العسكري في الاقتصاد آثارًا كبيرة أيضًا على تنمية القطاع الخاص. 

الدفاع عن الأمة ليس بالمجان.. تحويل السلطات إلى مغانم

من بين العوامل الرئيسية التي يقوم عليها الاقتصاد العسكري بأكمله: قدرة القوات المسلحة المصرية على الاستفادة من دورها الرسمي الأساسي في الدفاع عن الأمة، واستغلال السلطات الرسمية وغير الرسمية التي تستحوذ عليها داخل الدولة المصرية. 

يتم ذلك بموجب إطار قانوني وتنظيمي يمنح الجهات الفاعلة الاقتصادية العسكرية ثلاث مزايا أساسية: 

(1) الاستفادة من المنطقة الرمادية بين ما يجيزه الإطار القانوني صراحةً وما لا يحظره صراحةً، في شرعنة السلوك «غير المرغوب فيه لكنه مسموح به قانونًا»؛ مما أدى إلى تعدٍ كبير على الأصول العامة والخاصة، وارتكاب ممارسات غير قانونية تمامًا، بالإضافة إلى الالتفاف على القوانين المحلية أو اتفاقات التجارة الدولية بما يحقق مصلحة الجيش مع البقاء رسميًّا ضمن إطار القانون.

(2) يتمتع قطاع الدفاع بصلاحيات تقديرية كبيرة للغاية، بينما لا يتعين على الوكالات العسكرية التنسيق مع أي جهة حكومية مسؤولة عن التخطيط أو الإدارة الاقتصادية عند تصميم أو تنفيذ استراتيجيات التجارة والإنتاج والاستثمار الخاصة بها، أو تشكيل شراكات تجارية، أو التصرُّف في العائدات.

(3) في ظل انعدام الشفافية؛ يتعذر التأكد من مصداقية ادعاء القطاع الاقتصادي العسكري الرسمي أنه أكثر كفاءة من المنافسين في القطاعين المدني والخاص، ولا غروَ أن يؤدي التعتيم المعلوماتي إلى تمكين تطور الاقتصاد العسكري المنحرف. 

تسارعت هذه الاتجاهات بفضل تأكيد الإفلات من العقاب؛ حيث لا يقع الجزء الأكبر من القطاع الاقتصادي العسكري الرسمي تحت طائلة هيئات التدقيق ومكافحة الفساد في مصر، سواء بشكل قانوني أم بحكم الأمر الواقع. بل إن أقوى هذه الوكالات – هيئة الرقابة الإدارية – يرأسها ويعمل بها عدد كبير من ضباط القوات المسلحة المصرية – بعضهم متقاعد لكن لا يزال معظمهم في الخدمة الفعلية – مما يضمن طبقة إضافية من الحماية ضد التدقيق والمحاسبة.

الإمارات وقطر وإسرائيل في «الأكثر نزاهة».. ما هو ترتيب بلدك في مؤشر الفساد العالمي؟

إعادة إنتاج النظام الريعي في مصر.. نسف مكتسبات ثورة يناير

توضح الدراسة أن وضع الاقتصاد العسكري الأساسي هو النظام الريعي؛ إذ تطور الاقتصاد العسكري في الواقع بشكل رئيس عن طريق الاستيلاء على تدفقات الدخل الناتجة عما يحظى به الجيش من امتيازات للوصول إلى الأموال والأصول الخاضعة لسيطرة الدولة والعقود العامة.

وإذا بدا أن ثورة 2011 شكلت تهديدًا لحظيًا لهذا الوضع المحمي للاقتصاد العسكري، فإن أي قيود متبقية قد أزيلت فعليًا بعد سيطرة الجيش على مقاليد الأمور في عام 2013. وزادت السيطرة العسكرية أكثر في عهد السيسي، حيث برز دور الجيش بوصفه وسيطًا ومديرًا اقتصاديًّا رئيسيًّا.

جدول زمني لتطوُّر الاقتصاد العسكري في مصر منذ الخمسينيات

«كله بالقانون».. تطوُّر الإطار التشريعيّ التمكينيّ للاقتصاد العسكري

رصدت الدراسة تطوُّر الإطار القانوني التمكيني للاقتصاد العسكري بشكل مستمر في ظل الإدارات الرئاسية المتعاقبة التي حكمت مصر منذ استولى الضباط الأحرار على السلطة في عام 1952، وبعدما وُضِعَت الأسس في عهد عبدالناصر، ألحقت بها تعديلات إضافية في عهود السادات ومبارك والسيسي أعادت التأكيد على تلك الأسس أو وسعت نطاقها. 

ورغم أن مصر عضو في منظمة التجارة العالمية، يلفت صايغ إلى أنها ليست طرفًا في اتفاقية المشتريات الحكومية؛ ما يفسر أهمية القانون 89 لعام 1998، الذي منح الوزارات والأجهزة الحكومية صلاحيات واسعة لمنح العقود حتى قيمة معينة وفي نطاقات محددة من خلال ما يُعرف عمومًا باسم «الأمر المباشر».

هذا بالإضافة إلى سلسلة القوانين التي تمنح سيطرة عسكرية واسعة النطاق على أراضي الدولة، وبلغت ذروتها في المرسوم الرئاسي 152 لعام 2001 الذي يحدد «المناطق الاستراتيجية ذات الأهمية العسكرية في الأراضي الصحراوية». 

أيضًا القانون (5) لعام 1996 رغم أنه لا يتعلق مباشرة بالجيش، لكنه يُمكِّن الرئيس من وضع القواعد والإجراءات التي تحكم منح أراضي الدولة للمستثمرين مجانًا أو مقابل رسوم رمزية.

والجدير بالذكر أن هذه القوانين المتعاقبة تزامنت خلال العقدين الماضيين مع عملية الخصخصة الجزئية التي مرت بها مصر على مراحل بين عامي 1991 و2009، مع زيادات موازية حادة في المضاربة العقارية والفساد.

تؤكد الدراسة أن سلطة منح العقود بالأمر المباشر تعزز قدرة الشركات العسكرية على بيع منتجات ذات جودة رديئة أو بأسعار مبالغ فيها للوكالات الحكومية، ويمكّن الجيش من منح عقود للمشروعات الممولة من الحكومة التي يديرونها لمقاولي القطاع الخاص المفضلين (أو لمن يرغب في دفع رشاوى ضخمة، حسبما كشفت المقابلات العديدة التي أجرتها الدراسة).

وكما هو متوقع، أعيد التأكيد على جميع الإعفاءات والامتيازات العسكرية، وتوسع نطاقها، منذ أحداث يوليو (تموز) 2013، ومن الأمثلة على ذلك التعديل الذي أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور في سبتمبر (أيلول) 2013 على القانون رقم 89 لعام 1998 بشأن العطاءات والمناقصات؛ مما رفع سقف قيمة العقود التي يمكن للوزراء والهيئات الحكومية إصدارها بالأمر المباشر للمقاولين الذين يختارونهم دون تقديم عطاءات مفتوحة «في حالة الطوارئ».

وعزز المرسوم الرئاسي رقم 32 لعام 2014، الذي يحصن العقود التي تمنحها الوكالات الحكومية، بما يعزز قدرة الجهات الفاعلة القوية، بما في ذلك الجيش، على الحصول على مصادر دخل مربحة، وحماية نفسها من التدقيق والملاحقة القضائية في آن واحد.

وفي الوقت ذاته، أعفى القانون 5 لعام 2015 الوكالات العسكرية من الامتثال لشرط أن تفضل عقود المشتريات الحكومية السلع المصرية المصنعة، مما أتاح إمكانية استيراد السلع الأجنبية.

العديد من القوانين اللاحقة كانت متعلقة بالجيش بشكل مباشر، وأهمها – بحسب الدراسة – المرسوم الرئاسي 446 لعام 2015 الذي أتاح لجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة استخدام أصول الجيش في تكوين مشاريع مشتركة مع الشركات المحلية والأجنبية، إذ ينص القرار على أن «يتولى الجهاز تجهيز وإعداد مدن ومناطق عسكرية بديلة للمناطق التي يتم إخلاؤها والقيام بجميع الخدمات والأنشطة التي من شأنها تحقيق أهدافه وتنمية موارده، وله في سبيل ذلك تأسيس الشركات بكافة صورها سواء بمفرده أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي».

ومن بين المزايا العديدة المصادق عليها قانونًا، والتي يتمتع بها الاقتصاد العسكري الرسمي، الوصول التفضيلي لمواد البناء والبنية التحتية العامة والطاقة المدعومة والعملة الصعبة بأسعار مخفضة.

الامتيازات الاقتصادية للجيش المصري 

في ظل هذه الامتيازات، يستفيد الاقتصاد العسكري من درجة ملحوظة من الغموض، ويتيح لكبار المسؤولين في صناعة الدفاع أن يقولوا في بعض الأحيان أن القطاع يخضع للضرائب العادية، لكن الدراسة تؤكد أن هذا الزعم غير صحيح. ناهيك عن أن الاقتصاد العسكري الرسمي مخوَّل قانونًا للعمل خارج معظم الإطار التنظيمي الذي ينطبق على مؤسسات الدولة الأخرى، كما تستفيد جميع الجهات الاقتصادية الفاعلة في مصر من ثغرات واسعة النطاق في الإطار التنظيمي، حسبما ورد في تقرير البنك الدولي الصادر عام 2003.

خريطة الاقتصاد العسكري الرسمي.. «قلعة» الصناعة المصرية

في هذا الفصل يشير «صايغ» إلى أن وزارة الإنتاج الحربي تعد مثالًا على التطلعات الاقتصادية لوزارة الدفاع المصرية وفي نفس الوقت قصورها عن تنفيذ هذه الآمال، إذ يرجع تاريخ فكرة إنشائها إلى عام 1954 ويعكس الهدف من ورائها تبني الحكومة لسياسة تصنيعية تحل محل الاستيراد من الخارج، وشهدت إطلاق مصنع كبير للحديد والصلب إلى جانب خطوط لتجميع السيارات ومصنع للطائرات العسكرية.

غير أن فاعلية التكلفة كانت منخفضة كما كان التوسع طموحًا، في وقت كانت مصر تستورد فيه كميات هائلة من الأسلحة السوفيتية ما قاد الوزارة وقادتها إلى الإغلاق في عام 1969. وجرى تدشين الوزارة رسميًّا في عام 1971 بعد اتفاق يسمح لمصر بالمشاركة في إنتاج الأسلحة السوفيتية، والذي لم يتم تنفيذه في الواقع.

واستأنفت الوزارة إنتاج المواد الاستهلاكية العسكرية ذات التكنولوجيا المنخفضة مثل الأسلحة الخفيفة والمدفعية وقذائف الدبابات والمطروقات المعدنية وبطاريات المركبات، على مدى العقد المقبل. 

وقدر أن صناعة الدفاع تحتاج إلى ما يتراوح بين 5 إلى 6 مليارات دولار من الاستثمارات الجديدة في أواخر الثمانينيات، غير أن الأمور تعثرت بسبب ديون مصر الخارجية الهائلة (التي كانت تقترب في ذلك الحين من 50 مليار دولار) وتصنيفها الائتماني الضعيف وهو الأمر الذي حال دون نقل التكنولوجيا والخبرة التصنيعية من خلال الإنتاج بترخيص من الدول الصناعية المتقدمة مما أدى إلى تأخير وإلغاء المشاريع. 

(الأنشطة الاقتصادية لوزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع)

رغم الامتيازات.. تراجع أسهم وزارة الإنتاج الحربي

ورغم كل امتيازاتها التي تتمتع بها مقارنة بشركات القطاع الخاص، إلا أن وزارة الإنتاج الحربي ظلت تعاني ماليًا، حتى قرر مجلس الوزراء في عام 1993 إعفاء شركاتها من تكلفة الإنتاج الدفاعي، التي ستتحملها بدلًا من ذلك ميزانية الدولة. 

غير أن كبار المسؤولين الدفاعيين الذين لم يحبطهم السجل الفاتر للوزارة، يصورونها على أنها وسيلة للاستفادة من موارد البلاد الطبيعية والإسهام في خطط التنمية القومية والنمو الاقتصادي، إذ تحقق التآزر التجاري مع القطاع الخاص، وتحظى بالدخول إلى أسواق الائتمان الخارجية والتكنولوجيا والأسواق. 

ويكشف مسار وزارة الإنتاج الحربي أنها على مدار العقدين الماضيين كانت تحركها أهداف متناقضة وعانت باستمرار من التأخير والتقارير المضللة وانعدام الكفاءة المتأصل. ورغم خطط الوزارة لنقل كل مصانعها في مجمع للصناعات العسكرية منذ أيام مبارك إلا أن هذه الخطط لم تنفذ كما يراد لها. 

وفي عام 2013 أعلنت صفحة تابعة للقوات الخاصة المصرية على فيسبوك أنه تم نقل 28 مصنعًا إلى مجمع (مبارك 1) بحلول نهاية عام 2012 وهو التاريخ الذي أعلنه الوزير، مع خطط لإقامة 34 موقعًا صناعيًا آخر. غير أن كل ذلك لم يكن حقيقيًا. ومن بين ثلاثة مصانع التي كان يتعين نقلها في عام 2007، لم ينقل سوى مصنع شبرا للصناعات الهندسية (مصنع 27) إلى مجمع الصناعات العسكرية بحلول نهاية 2017. 

وزارة الإنتاج الحربي.. مبالغات إعلامية وواقع قاصر

وتقول دراسة مركز كارنيجي إن ادعاءات الزيادة في الإنتاج وتضاعف الإنتاجية غير متسقة على حد سواء، مما أثار شكوكًا كبيرة حول قدرة وزارة الإنتاج الحربي على تجميع ومعالجة بيانات الإنتاج، ووضع التقارير المالية، وتقييم العمليات من أجل تحسين الأداء.  

وكشف العصار الذي تولى إدارة الوزارة في عهد السيسي عن غير قصد القيود التي تعوق الوزارة في مارس 2018 عندما اعترف بعد أن تفاخر بتحقيق طفرات كبيرة في حجم المبيعات، بأن ست شركات فقط من 20 شركة حققت ربحًا في السنة المالية السابقة.  

على الرغم من أن وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع قطعتا خطوات كبيرة في اكتساب المعرفة التقنية والإنتاجية، إلا أن التقارير المنتشرة في وسائل الإعلام المصرية وبياناتها التي تنم عن تهنئة الذات تحتوي على مبالغات كبير، مثل وصف عبد العزيز سيف الدين رئيس الهيئة العربية للتصنيع الهيئة بأنها «قلعة مهمة» للصناعة المصرية بعد فترة وجيزة من توليه منصبه في عام 2012، فضلا عن احتفال العصار بالذكرى السنوية الستين لتأسيس وزارته في عام 2017 بإعلان أن «الهدف الأكبر» هو «الوصول إلى مجمع دفاعي يكون 100% مصريًا».

القصور في البحث والتطوير سبب تراجع المكاسب الاقتصادية

ويشير «صايغ» في دراسته إلى أن أوجه القصور الخطيرة تتمثل في عدم قدرة صناعة الدفاع على البحث والتطوير، وهو أمر حاسم لاستيعاب التكنولوجيا والمعرفة الخارجية وتحويلها إلى ناتج محلي، وهو ما تسبب إلى الحد من فعاليتها وتراجع عائداتها الاقتصادية.

قد يكون الافتقار إلى الربحية مفهومًا بالنسبة للمنتجات العسكرية غير المخصصة للتصدير في المقام الأول، ولكن السبب الوحيد وراء بقاء صناعة الدفاع المصرية بالرغم من انخفاض مستويات الإنتاجية واستخدام القدرات والابتكار التكنولوجية في ناتجها المدني من السلع والخدمات هو أنه يتم تحويل خسائرها وتكاليفها الخفية إلى خزينة الدولة، مما يقلل من التكاليف الحدية لرأس المال إلى الحد الأدنى. 

ولا يعود هذا إلى نقص في القدرة الحقيقية للتصنيع والمهارات الفنية، ولكن بسبب الاقتصاد السياسي الأوسع الذي يعمل ضمنه القطاع، والذي يسمح لقادته بتجاهل الحاجة إلى تحليل مُجدٍ من حيث التكلفة والفائدة. 

تنطبق المشكلة أيضًا على شركات القطاع العام المحمية والشركات الخاصة المرتبطة سياسيًا في مصر عمومًا، لكن صناعة الدفاع مضمونة بالحصانة حتى في ظل ظروف السوق التي من شأنها أن تدفع الحكومة إلى إعادة هيكلة أو خصخصة الأولى. 

إن المعرفة بأن عدم كفاءتها خالية من التكلفة تساعد في تفسير سبب ازدواجية الأنشطة بين الكيانات المختلفة التي تشكل صناعة الدفاع وشركاتها الفرعية والمصانع التابعة لها بدلًا من إكمال بعضها البعض. وهذا هو أيضًا السبب وراء عدم متابعة التخصص في المنتج أو التعمق التكنولوجي أو الدمج والتوحيد. 

ويقول «صايغ» إن المساهمات الصافية الحقيقية في الاقتصاد الوطني والمستهلكين هي في أفضل الأحوال موضع تساؤل، ومع ذلك فإن أولئك الذين يقودون الأمر يظهرون ميلًا ضئيلًا لتبسيط القطاع، سواء عن طريق تجريد بعض القطاعات الفرعية أو الأنشطة أو عن طريق إخضاع الجميع للشفافية وفعالية التكلفة. 

المفتاح الرئيسي لمثل هذا التحول هو إنهاء الوصول المضمون لصناعة الدفاع إلى عقود المشتريات العامة، والتي تغطي أوجه القصور الرئيسية والخسائر المالية وتمنع أي حديث عن الإصلاح. لكن من غير المحتمل أن يحدث هذا ، طالما أنه يعمل بشكل أساسي لدعم منطق صيانة النظام المعمول به منذ الخمسينيات وخدمة العنصر العسكري للتحالف البيروقراطي الحاكم.

نبني مصر ونطعم مصر.. إذن «نحن مصر»

إدارات تمويل الجيش.. جهاز مشروعات الخدمة الوطنية

تمثل وزارة الدفاع الركن الرئيسي الثاني للاقتصاد العسكري الرسمي، ولكن على عكس صناعة الدفاع الخاسرة، فإنها تقدم مساهمة كبيرة في الأموال العسكرية من خارج الميزانية، وهناك مجموعة متنوعة من الإدارات والهيئات والشركات التي تضمها وزارة الدفاع تقدم للقوات المسلحة المصرية مواد استهلاكية وخدمات غير قتالية، وتقوم على نحو متزايد الأهمية، بالأشغال العامة الرئيسية بموجب عقود مع الوزارات والهيئات الحكومية.

قدمت هيئات وزارة الدفاع، التي تضم القوات المسلحة المصرية نفسها والإدارات التابعة لها، مساهمات ملموسة في توفير السلع والخدمات المدنية المتنوعة – من الطرق السريعة والكباري والسكن إلى المواد الكيميائية الوسيطة – ولكن بتكلفة باهظة. 

غير أن هناك غموضًا يحيط بأعمال هذه الإدارات بسبب الافتقار المتعمد للشفافية الذي يخفي الكثير من رأس المال المعطل وتكلفة الفرص الضائعة، ليس فقط في المشاريع التي لا جدوى منها التي يديرها الجيش ولكن حتى في القطاعات التي يمكن أن تسهم بشكل إيجابي في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

ويمثل جهاز مشروعات الخدمة الوطنية ذراعًا اقتصاديًا لوزارة الدفاع، لكنه أيضًا ركيزة مهمة للاقتصاد العسكري في حد ذاته، حيث يدير 35 شركة بحلول عام 2019. وكما يشير اسمه، فإنه يوظف الذكور المصريين الشباب الذين يؤدون الخدمة العسكرية الوطنية في القوات المسلحة بمقابل زهيد للغاية، وقوة العمل المحتملة تعد كبيرة حيث يصل عدد الرجال المصريين الذين يصل عمرهم إلى الخدمة العسكرية سنويًّا إلى أكثر من مليون ونصف. 

وكانت ميزانية الجهاز للسنة المالية 1982-1983 50 مليون جنيه مصري، بعد ما يقرب من ثلاثين عامًا، حجم مبيعات الجهاز السنوي بلغ 3.6 مليار جنيه (1.06 مليار دولار) في عام 2011، وبلغ صافي الربح منذ عام 1990 نحو 7.7 مليار جنيه.

معكرونة وبيض.. تحويل الجيش إلى شركة إنتاج غذائي

تشير الدراسة إلى أن المشير عبد الحليم أبو غزالة أحدث في أعقاب تعيينه وزيرًا للدفاع في مارس 1981 تحولا في عمل الجهاز عندما أنشأ قسم الأمن الغذائي بهدف توفير الكثير من احتياجات القوات المسلحة، ولا سيما الماشية والدواجن والبيض ومنتجات الألبان والخبز.

وبحلول عام 1986، أصبح الجهاز مسؤولاً عن حوالي 5% من إجمالي بناء المساكن و18% من إنتاج الغذاء في جميع أنحاء البلاد، كما بدأ الجهاز أيضًا في إنتاج المعكرونة في جميع أنحاء البلاد بعد ثلاث سنوات، ثم جمعت جميع مصانع المعكرونة في مؤسسة واحدة. كما أقام مرافق دعم مثل تعبئة الخضروات الآلية.

توسع الجهاز في عام 1992 من خلال بناء ست محطات وقود لخدمة الأسواق المدنية، مرة أخرى باستخدام المجندين، ثم أنشأت شركة فرعية تسمى «وطنية» في عام 2002  لإدارة المحطات، والتي توسعت بعد ذلك في جميع أنحاء البلاد لتمتلك الآن 71 محطة وقود.

 من عام 1995 إلى عام 2004، قام جهاز مشروعات الخدمة الوطنية أيضًا ببناء أو إعادة تأهيل أربعة متاحف، و22 موقعًا أثريا، و390 مدرسة، وفي عام 2008 قام بتوحيد خطوط إنتاج المعكرونة الخاصة به تحت اسم «كوين».

بعد ذلك، أصبح الجهاز مشروعات الخدمة الوطنية عبارة عن شركة قابضة، حيث استحوذ على شركات قائمة مملوكة للدولة – مثل الشركة العربية الدولية للبصريات وشركة النصر للكيماويات الوسيطة – كما قام بإنشاء شركة للمصاعد.

ويقول صايغ إنه لا يمكن التحقق من القيمة السوقية الحقيقية لإنتاج الجهاز، لكن وفقًا لمصدر واحد، أظهرت حسابات الجهاز الختامية مبيعات بقيمة 1.63 مليار جنيه في 2012-2013، بأرباح بلغت 63 مليون جنيه. ومهما كان الواقع، فإن الإطاحة بمرسي في يوليو 2013 فتحت الطريق إلى النمو الجامح لمشروعات الجهاز.

بين أكتوبر 2013 وفبراير (شباط) 2014، منحت الحكومة المؤقتة برئاسة حازم الببلاوي عقودًا بالأمر المباشر إلى الجهاز لتمويل وتشييد وصيانة طريقين سريعين. ويشمل هذا الحق الحصري في فرض وتحصيل الرسوم من السيارات التي تمر على الطرق الجديدة، وبيع المساحات الإعلانية، واستئجار الأراضي لمدة 99 عامًا كما في حالة محور روض الفرج بالقاهرة، ولمدة 50 عامًا كما في حالة الطريق الصحراوي السريع بين القاهرة والإسكندرية. 

استحواذ الجيش على المشروعات الرابحة من القطاع الخاص

ألغت الهيئة العامة للطرق والكباري والنقل التابعة للحكومة على الفور التصاريح الممنوحة لشركات الإعلان التابعة للقطاع الخاص، وفي يوليو 2014 زادت رسوم النقل الثقيل على الطريق السريع بين القاهرة والإسكندرية بنسبة 800 بالمائة. وبموجب ترتيب عقد الإيجار الخاص به، سيدفع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للحكومة حوالي 5 ملايين جنيه رسومًا كل عام، في الوقت الذي يكسب فيه 800 مليون جنيه سنويًا.

وبمرور الوقت، تزايد نفوذ الجهاز وانتقل من توسع إلى آخر، ما بين عامي 2014-2016 فاز الجهاز بعقود جديدة بأمر مباشر من الهيئات الحكومية لتركيب كاميرات المرور في 250 تقاطع في محافظة القاهرة مقابل 260 مليون جنيه، وبناء مجمع خدمات في محافظة الغربية مقابل 240 مليون جنيه، ومحطة لمعالجة مياه الصرف الصحي ومحطتي كهرباء في هليوبوليس الجديدة مقابل 200 مليون و230 مليون جنيه على التوالي، وأربعة مبان لفرع مطروح بجامعة الإسكندرية بقيمة 346 مليون جنيه، وتجديد موقع الأهرامات بالقرب من القاهرة مقابل 20 مليون جنيه.

كما أنشأ الجهاز شركة وطنية لصيد الأسماك وتربية الأحياء المائية في عام 2015، وفي أواخر عام 2017 أعلن الجهاز عن استثمار بقيمة 1.7 مليار جنيه فيما قالت وسائل إعلام مصرية بفخر أنها أكبر مزرعة أسماك في الشرق الأوسط. 

بوابة الحصول على مشروعات.. التبرع لصندوق تحيا مصر

يشير الباحث يزيد صايغ إلى أن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية اتبع استراتيجية لا يمكن الطعن فيها، حيث تبرع بقيمة مليار جنيه لصندوق تحيا مصر في عام 2014، مما يعكس ثقته المتنامية وخزانته المتضخمة.  

في مجال استصلاح الأراضي، وعد السيسي باستصلاح مليون فدان في غضون عامين فقط، وفي وقت لاحق تحدث عن 1.5 مليون فدان، وذكر أن هذه كانت المرحلة الأولى من 4 ملايين فدان. كما تحدث السيسي أيضًا عن تجديد مشروع توشكى، على الرغم من أنه ما زال يحقق 10% فقط من أهدافه بحلول 2012، ويعتقد أن التكلفة الأصلية المقدرة له البالغة 6 مليارات جنيه في عام 1999 قد وصلت إلى ما يصل إلى 70 مليار جنيه بحلول عام 2015، على الرغم من أنه يصعب الوصول إلى الحسابات الدقيقة التي يوثق بها.

في كثير من الحالات، وصفت القوات المسلحة المصرية بكل فخر أعمالها مثل الكباري بأنها «هدايا من القوات المسلحة للشعب المصري»، ولكن معظمها، إن لم يكن جميعها، تم تمويلها في الواقع من الأموال العامة، وهي المشاريع التي تنفذها في العادة الشركات المدنية مع وزارتي الطرق والإسكان. 

غالبًا ما تخدم الأشغال العامة الأكبر المصالح التجارية لوزارة الدفاع، ليس أقلها تلك المتعلقة بإنتاج الأغذية وتجارتها. كذلك سهلت العديد من المراسي النيلية التي شيدت من قبل القوات المسلحة لتحفيز السياحة والتبادل التجاري بين مصر والسودان واستيراد الماشية والمنتجات الزراعية الأخرى من السودان، وهي تجارة مربحة تشارك فيها وكالات وزارة الدفاع، وإدارات القوات المسلحة وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية. 

مشروعات كثيرة وأرقام كبيرة.. وغياب لدلائل النجاح

تشير الدراسة إلى أن سيطرة وزارة الدفاع على استخدام الأراضي وتسهيل الوصول المباشر لبعض الجهات إلى المعلومات المتعلقة بخطط تقسيم الأراضي والمدن الجديدة أدت إلى ممارسات غير قانونية أخرى، فقد استفاد الضباط وعائلاتهم وأصدقاؤهم بشكل متكرر من شراء الأراضي الصحراوية بأسعار منخفضة في المناطق التي يتم فيها التخطيط لتطوير البنية التحتية أو المشاريع السكنية العملاقة، ثم بيعها بمجرد أن تصبح من المناطق العقارية المتميزة.  

وفقًا للهيئة الهندسية للقوات المسلحة، فقد نفذت 473 مشروعًا استراتيجيًا وخدميًا بين عامي 2012 و2014، لكن خلال العامين التاليين حتى يونيو 2016، قيل إنها نفذت 1737 مشروعًا، بزيادة قدرها 367%.  

تتولى وزارة الدفاع والوكالات التابعة لها الآن كما هائلًا من المشروعات المدنية، لكن القيمة الصافية التي تضيفها إلى الاقتصاد الوطني مشكوك فيها، وفي كثير من الحالات سلبية. لا يتم قياس هذه الأمور ببساطة من حيث الأصول المادية التي تنتجها أو الدخول التي تولدها، والتي يمكن أن تكون كبيرة، ولكن بالمدى الذي يمكن أن تحققه من النمو المستدام، أو حفز التنويع الاقتصادي، أو تعزيز قدرة المدنيين في القطاعين الخاص والعام على ممارسة صنع القرار المستقل القائم على السوق. 

وتتابع دراسة مركز كارنيجي أنه حتى في حالة المساهمات المفيدة بلا شك مثل بناء البنية التحتية العامة والإسكان، فإنه لم تثبت بالأرقام دلائل نجاح الجيش في هذه المشروعات من حيث التكلفة الفعلية، حيث يتم نقل الكثير من التكلفة الحقيقية لعوامل الإنتاج الخاصة بهم إلى الخزانة العامة وإخفائها أو التقليل منها.

نظرًا لأن الجيش يلعب الآن دورًا أكبر بكثير في إدارة الطرق والأشغال العامة، وقيادة الاستثمار، وتلبية احتياجات المعروض في الأسواق المدنية، أصبحت مواقفه ووجهات نظره أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى على مسار الاقتصاد. سواء عن طريق التدريب أو التأثير في المزاج العام، كما أنه يشترك من الناحية الفنية مع المؤسسات المدنية في بيروقراطية الدولة في مصر والنهج الهرمي والأبوي العميق لقادة الدولة المتعاقبة.

في أفضل الأحوال، تمثل استجابة الجيش للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية مثالًا على الرؤية التي ينشرها بين المصريين القائمة على مطالبتهم بالصبر والتقشف حتى يتسنى له بناء البلد، في الوقت الذي زادت فيه نسبة الفقر من 26.5% من السكان إلى 32.5 منذ تولي القوات المسلحة المصرية السلطة، بحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء.

وفي أسوأ الأحوال، يرتبط الجيش بالأنشطة التي تضمن له تدفقات دخل ثابتة على الرغم من الأدلة الواضحة على عدم جدواها وارتفاع تكلفتها. ليس هناك ما يدعوه الى تغيير هذا السلوك، فقد اعتاد الجيش الحصول على مستويات متفاوتة من رأس المال والفرص الاقتصادية من الأموال العامة والمساعدات الخارجية لما يقرب من سبعة عقود، مع وجود القليل أو عدم المساءلة عن الانجاز الفعلي.

بالإضافة إلى خزينة الدولة، فإن الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة والمستثمرين الجدد مثل الشركات الصينية الضالعة في المشروعات الضخمة التي يديرها الجيش تشكل المصادر الكبرى لتمويل الجيش ومشروعاته الاقتصادية. 

إن الطريقة التي يوزع بها الجيش الميزانيات والفوائض والعقود والاستثمارات بين مختلف الشركات من القطاعين العام والخاص والخزانة والشركاء الأجانب ووكالاته الخاصة تشكل لعبة معقدة للغاية، وبسبب غياب المحاسبة الفعالة وتقييم أداء الجيش وهيئاته الاقتصادية، فإن الفساد يحيط بها من كل جانب.

خريطة الاقتصاد العسكري غير الرسمي.. جمهورية الضباط

 يتحدث الفصل الرابع من دراسة مركز كارنيجي عن شبكات الضباط غير الرسمية المنتشرة في كافة أجهزة الدولة والتي تستفيد من المكانة القوية التي تتمتع بها القوات المسلحة المصرية، فهذه الشبكات تشكل ركيزة أساسية فيما يُطلق عليه الجناح غير الرسمي للاقتصاد العسكري، كون ما يقع تحت دائرة تأثيرهم من مناصب وموارد لا ينتمي رسميًا للجيش. 

جمهورية الضباط.. إرث قديم وتوسع جديد

وتقول الدراسة إن نواة جمهورية الضباط تتكون من مئات الضباط المتقاعدين الذين تحولوا إلى مديرين وأعضاء مجالس إدارات في هيئات ومؤسسات الدولة وشركات قطاع الأعمال العام التي تدير الأصول الاقتصادية؛ الإنتاج والتجارة والخدمات ومنح العقود والتحكم إلى حد كبير في السياسات والأطر التنظيمية التي يعمل ضمنها القطاع العام والخاص، ويكمل هذه الحلقة الآلاف من العسكريين المتقاعدين الذين يشغلون مناصب رفيعة في الوزارات وأجهزة الحكم المحلي. 

ويفسر وجود جمهورية الضباط الاعتقاد الشائع بأن الجيش المصري يغذي الاقتصاد الوطني بنسبة 25 – 60%، ولكن بينما قُدرت مساهمة القطاع العام في إجمالي الناتج المحلي لمصر بـ31% عام 2016، يتحتم على الجيش السيطرة على كامل الإنتاج العام من خدمات وسلع للوصول لما يقوله عن نفسه من مساهمته في الاقتصاد المصري. 

وتعود نشأة جمهورية الضباط إلى حقبة جمال عبد الناصر الذي مهّد الطريق لدخول الضباط إلى الأدوار المدنية وسيلة لضمان الكفاءة والولاء في القطاع العام. حاول عبد الناصر أن يُلزم الضباط الذين يشغلون مناصب مدنية بالاستقالة من الجيش ولكنه فشل، ولم يحدث ذلك إلا في عهد السادات عام 1975 الذي عدّل قانون الضمان الاجتماعي ليحرم الضباط من رواتبهم أو رواتبهم التقاعدية في حال عملهم بالوظائف المدنية. 

لكن مع تولي المشير محمد حسين طنطاوي وزارة الدفاع في 1991، عاد الضباط للانخراط في القطاع المدني ولعبت العلاقات التي تربط بعضهم بعضا دورًا هامًا في رسم سياسات المؤسسات المدنية التي ينصبّون قادة عليها. 

تضمن جمهورية الضباط اليوم تدفق العقود والموارد التي تساعد في الحفاظ على المشاريع العسكرية، ولكنها تفعل أكثر من ذلك أيضًا فهي تعمل على ضمان ولاء هذه المؤسسات والعاملين فيها لنظام الحكم العسكري. 

توزيع المناصب القيادية على الضباط حسب الثقة والولاء

يشير يزيد صايغ في دراسته الجديدة إلى أن هناك ما يسمى بمخطط الولاء للنظام، والذي يركز على كبار الضباط عبر زيادة تواجدهم على رأس أجهزة الدولة وتمديد سن تقاعدهم. وقد تم تعزيز هذا النظام بعد سيطرة السيسي على الحكم في 2014. فبعد عامين من هذا التاريخ، وافق البرلمان على مشروع قانون يمنح الرئيس حق تمديد خدمة العسكريين برتبة لواء لأربع سنوات بعد سن التقاعد. وبالطبع، تتم التعيينات بعيدًا عن القواعد الرسمية وبناءً على الثقة والولاء. 

تعيينات الضباط في المؤسسات المدنية لا تخضع لأي متطلبات قانونية أو استحقاقات أو شهادات، فالضباط الذين لديهم علاقات قوية يتم تعيينهم في المشاريع الممولة دوليًا، بينما يتم تعيين الآخرين مستشارين في الوزارات والمؤسسات الحكومية الأقل شأنًا. 

اتبع تعيين المتقاعدين العسكريين نمطين رئيسيين يميزان الاقتصاد العسكري غير الرسمي:

الأول: يتم تعيين المتقاعدين في فروع محددة ضمن مجال خدمتهم، فضباط القوات الجوية السابقين يتم تعيينهم في إدارة الطيران المدني. 

الثاني: الترابط الذي نشأ تدريجيًا بين الاقتصاد العسكري الرسمي وغير الرسمي. أدى إلى ذلك التوازي بين التوسع في تنفيذ خطة الولاء وبرنامج الخصخصة الحكومي عام 1991 والذي أدى إلى زيادة عدد المتقاعدين في القطاعات المدنية. هذا الترابط أفاد كل طرف على حدة، ولكنه فشل في تحقيق نتيجة مشتركة أكبر لمصلحة البلاد.

(صورة توضح التواجد العسكري بالوزارات والهيئات المختلفة خلال الفترة بين 2014 – 2019)

نخبة إدارية أم إقطاعية عسكرية؟

من بين 72 هيئة عامة شملتها الدراسة الاستقصائية لهذا التقرير، كان العسكريون المتقاعدون رؤساء ونواب رؤساء وأعضاء مجلس إدارة في 40 منها أي بما يعادل (56%) وذلك خلال عام 2018. 

كما يرأس المتقاعدون العسكريون أو يشاركون في إدارة 15 من أصل 16 هيئة عامة للنقل (برية وبحرية وجوية وسكك الحديد)، واثنين من ثلاث هيئات سلطات عامة في الإسكان، وواحد من اثنين من هيئات استصلاح الأراضي وثلاثة من سبعة في القطاع الزراعي. 

 تعتبر السيطرة على استخدام الأرض عنصرًا رئيسيًا في التمكين وهو أساس النهج العسكري الموجه نحو الأعمال التجارية، فقد ترأس المتقاعدون العسكريون المركز الوطني لتخطيط استخدام الأراضي لأكثر من عقدين. 

كما يمارس العسكريون المتقاعدون نفوذًا إضافيًا من خلال الهيئات الوطنية مثل: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء؛ وهو الهيئة الحكومية الوحيدة المخولة بإصدار الإحصاءات الرسمية. 

دمج المتقاعدين في أجهزة الحكومة المحلية يجري على نفس النسق إذ يعطي انطباعًا قويًا عن الوجود العسكري في كل قطاعات مصر العامة. 

الردود العسكرية على الخصخصة

تباينت الردود العسكرية على الخصخصة فمن ناحية عارض القوميون الاقتصاديون بيع المؤسسات والشركات الناجحة المملوكة للدولة، وأيضًا لأن المشترين يهدفون إلى تجريد شركات القطاع العام السابقة من أصولها، ويهددون الاستقرار الاجتماعي والسياسي بطردهم للعمال والموظفين، وهو قلق مبرر إذ انخفضت نسبة التوظيف في الشركات التي تمت خصخصتها بحوالي 75%. 

لكن من ناحية أخرى، استفادت جمهورية الضباط من برامج الإصلاح الاقتصادي وإعادة الهيكلة حيث تمتع المتقاعدون بزيادة هائلة في الدخل عن طريق التعيين على رأس شركات القطاع العام سواء خُصخصت أم لا. 

منذ ما يقارب عقدين استحوذ رجال الأعمال والسياسيون المقربون من مبارك أو ابنه جمال على نصيب الأسد من الجزء الذي تمت خصخصتُه من الشركات، والكثير منهم كان ينتمي للحزب الوطني الحاكم خلال عهد مبارك. 

ووفقًا لبعض الاقتصاديين لم يكن هناك تداخل بين الشركات المرتبطة بالحزب الوطني والشركات العسكرية، وكانت الشركات التابعة للحزب الوطني أكثر قيمة بعشرة أضعاف قبل أن تُعكس الصورة في 2011 حيث عدلت الشركات مجالس إدارتها لتشمل من هم موجودون في السلطة الأمر الذي صب في مصلحة الجيش. 

الإقطاعيات التجارية العسكرية.. سيطرة شبه كاملة على كل قطاعات الدولة

تتابع الدراسة أن الإقطاعيات العسكرية ظهرت في الهيئات التجارية والخدمية تمامًا كما في قطاع الأعمال العام، فعلى سبيل المثال يسيطر الضباط السابقون في إدارة المياه على 24 شركة قابضة للمياه ومياه الصرف. بينما يسيطر متقاعدو القوات الجوية على شركات الطيران المدني ومكاتبها المنتشرة في أنحاء البلاد. 

الوصول للمراكز الإدارية العليا يعطي الفرصة لتوظيف المزيد من المتقاعدين العسكريين، فشركة «حسن علام» للمقاولات، على سبيل المثال، أُجبرت على توظيف 60 لواءً متقاعدًا في سنة 2016 وحدها. 

تشبه شركات القطاع العام المرتبطة بالجيش شركات التصنيع الدفاعي من حيث عدم الكفاءة الاقتصادية وضعف الأداء المالي. شركة القاهرة للعبّارات والنقل البحري التي يرأسها قائد عسكري منذ 2008 تراكم عليها ديون بقيمة 80 مليون جنيه أي ما يعادل (5.2 مليون دولار) بحلول عام 2016، واللافت أن كل موظفيها الخمسين كانوا ضباطًا متقاعدين من الجيش. 

في هذه الفترة، كانت العديد من شركات قطاع الأعمال العام تتباهى بوجود تحسن كبير في أرقامها على الرغم من أدائها الضعيف، ويعود السبب في ذلك ليس لزيادة الكفاءة أو الإنتاجية، وإنما لإعادة توجيه التمويل العام للإنفاق على هذه الشركات تحت قياداتها العسكرية. 

تبادل منافع.. الخصخصة تجمع بين الضباط ورجال الأعمال في خندق واحد

يلفت صايغ أيضًا في هذا الشأن إلى أن توزيع المتقاعدين العسكريين على المناصب القيادية في أجهزة الدولة البيروقراطية والشركات المملوكة ملكية عامة في العقدين الأخيرين من حكم مبارك يعكس مزيجًا من العوامل التي أثرت كثيرًا في الواقع المصري، فمن جانب، استغل الضباط السابقون سياسة الخصخصة واستفادوا منها من خلال دخولهم القطاعات الاقتصادية التي توفر أفضل الفرص والحوافز الكبيرة كما يفعل المديرون المدنيون ورجال الأعمال في القطاع الخاص. 

ومن جانب آخر، فإن نمو جمهورية الضباط منذ عام 1991 كشف عن تنسيق وأهداف استراتيجية تظهر من خلال تعيين المتقاعدين في الهيئات الحكومية «المفصلية» التي تتحكم في استخدام الأراضي والاتصالات والمعلومات والإحصاءات والمحاسبة. 

وكان التوسع الكبير في دخول الجيش بشكل رسمي في القطاع العام منذ 2013 أثر على جمهورية الضباط من خلال إعادة تشكيل النفوذ والشبكات داخل بيروقراطية الدولة لصالح ضباط الجيش، واعتبر ذلك تحولًا مهمًا أدى إلى تنحية الشركات المنافسة في قطاعات الإعلام والغاز الطبيعي والنفط التي كانت تعتبر مجالا شبه حصري للمخابرات العامة والشركات الاقتصادية التابعة لها.  

ستبقى جمهورية الضباط تبحث عن الفرص في الهيئات العسكرية الرسمية، ولكنها أكثر من مجرد باحث عن الفرص فهي تقدم وتضمن الدفاع عن أي محاولة مستقبلية لإعادة الهيكلة أو الترشيد ناهيك عن تفكيك الاقتصاد العسكري. 

جنود ورجال أعمال.. تأثير الاقتصاد العسكري على القطاع الخاص

أدى التوسع الشديد في الاقتصاد العسكري إلى تقويض الأعمال التجارية وزعزعة الاستقرار في القطاعات التي ظل القطاع الخاص مهيمنًا عليها لفترة طويلة. صحيحٌ أن القلق بشأن هذا النمو ليس جديدًا، بل لوحظ في السنوات الأخيرة من رئاسة مبارك، بيدَ أن المخاوف من مزاحمة القطاع الخاص تفاقمت منذ بدأت القوات المسلحة مسارها التوسعي الجديد أواخر عام 2013. 

العلاقة بين القطاعين العسكري والخاص في الاقتصاد الريعي

تتحدَّى الدراسة افتراضًا آخر مفاده أن النشاط الاقتصادي العسكري له آثار سلبية بالضرورة على القطاع الخاص، وتؤكد أن العلاقة بينهما كانت في الغالب مبنية على المنفعة المتبادلة، إذ يوجه الجيش في الواقع قدرًا كبيرًا من العمل نحو القطاع الخاص. 

لكن هذه العلاقة غالبًا ما تكون غير متكافئة، إذ تمنح الأجهزة العسكرية للشركات الخاصة التي تفضلها امتياز الوصول إلى السلع والمواد الإنتاجية المدعومة أو إبرام عقود الأشغال العامة. هذا يؤثر على مجمل القطاع الخاص، ومع تسارع الاقتصاد العسكري، بدأت التداعيات تتفاقم بطرق جديدة. 

ورغم وجود تفكير استراتيجي وراء النهج العسكري، تخلص الدراسة إلى أن هذا النهج يكشف أيضًا عن تفكير اقتصادي مشوش، وسوء فهم حركة السوق، وعدم اتساق في تنسيق الأطر القانونية والتنظيمية والإنمائية. 

«خط ساخن» بين الشركات الخاصة والقيادة العسكرية

مع تزايد النفوذ العسكري، اضطرت الشركات الخاصة إلى توظيف ضباط من القوات المسلحة في مناصب إدارية حتى يكون لديها «خط ساخن» مع الضباط في الأجهزة الأخرى أو مع القيادة العسكرية بما يسهل لها الحصول على تصاريح العمل، وهذا النهج يعود بالنفع على الطرفين؛ فبالنسبة للعديد من الضباط، يوفر هذا النوع من العمل وسيلة لزيادة معاشات التقاعد.

«الفنان المقاول» ليس أولهم.. إليك 5 من أشهر نافخي الصافرات حول العالم

مرة أخرى، توضح الدراسة أن هذا النهج ليس جديدًا، بل برز بجلاء في عهد السادات، مع تزايد التفاعلات بين قطاعات المؤسسات العامة والخاصة والأجنبية، وفي العقد الأخير من حكم مبارك، بدأت الشركات الخاصة تتعرض لضغوط لتوظيف ضباط متقاعدين «باعتبارهم أعضاء منتدبين» في مجالس إدارتها.

لكن هذه الممارسة اتخذت بعدًا جديدًا بعد عام 2013، وبحلول عام 2019 أصبحت الأجهزة العسكرية تجبر الشركات الناشئة على التنازل عن حصة من أسهمها أو تعيين ضباط من القوات المسلحة في مجالس إداراتها. 

صحيح أن توظيف المتقاعدين العسكريين أمر شائع في جميع أنحاء العالم، ولا يؤدي بالضرورة إلى المحسوبية والممارسات الفاسدة، لكن لجوء إدارة السيسي إلى القوات المسلحة «لإنجاز الأمور»، حدث بموازاة منح الجيش سلطة للتحايل على المتطلبات القانونية والتنظيمية، وليس مجرد تجاوزها، مما جعل دور الوسطاء العسكريين أكثر جاذبية – أو لا مفر منه- للشركات المدنية. 

وتتمتع «جمهورية الضباط» بمواطئ أقدام أخرى داخل القطاع الخاص، ويتحقق ذلك جزئيًا من خلال عضوية الشركات التابعة للجيش في غرف التجارة ذات الصلة، كما يستطيع الضباط المتقاعدون تدشين علاقات إضافية متبادلة النفع بين الشركات العسكرية المسجلة رسميًا والشركات الحكومية المملوكة للقطاع الخاص والشركات العامة، وهو ما يتضح بجلاء في تطوُّر صناعة السيارات منذ عام 1977. 

شركات الأمن الخاصة.. ما بعد حرب 1973 وحتى عهد السيسي

تقاعدت أعداد كبيرة من ضباط القوات المسلحة المصرية مبكرًا بعد حرب 1973 واتفاقية السلام عام 1979 مع إسرائيل، مما أتاح مجموعة من الخبرات للجيل الجديد من شركات الأمن الخاصة، التي توسعت مع التحرر الاقتصادي في السنوات التالية.

لكن بينما تحصل الشركات الخاصة على معظم أعمالها من القطاع الخاص المصري، فإن الشركات التابعة للقوات المسلحة (ووزارة الداخلية)، أو التي تروج لها هاتان الجهتان، هي التي تهيمن على عقود القطاع العام، وفق الدراسة. علاوة على أن اتصالاتهم تؤمن لهم الفوز بنصيب كبير من عقود الشركات الخاصة.

يستشهد صايغ بشركة «كير سيرفيس» التي حصلت على عقود بالأمر المباشر دون تقديم عطاءات، ويرأسها ضابط سابق في المخابرات العسكرية، كان مساعد وزير الدفاع وعضوًا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة في عام 2011، بالإضافة إلى رئاسته فرع شركات الأمن الخاصة بغرفة تجارة القاهرة، وهو منفذ آخر للقوات المسلحة المصرية إلى القطاع الخاص. 

وأيضًا شركة فالكون، وهي نتاج مزيج غير اعتيادي من القطاعين العام والخاص، وتصفها الدراسة بأنها المستفيد الأكبر من سوق الأمن الخاص المتنامي، استنادًا إلى التقارير التي تشير إلى أن حجم مبيعاتها بلغ ملياري جنيه، وهو ما يمثل 45 في المائة من حجم هذا السوق. 

ردًا على الضغوط التي مارستها أجهزة أخرى، حسبما تشير الدراسة، أصدر السيسي مرسومًا رئاسيًا في يوليو 2015 يسمح لوزارتي الدفاع والداخلية بإنشاء شركات أمنية ذات توجه تجاري للمنافسة في السوق، وفي أواخر عام 2018، أجرى البنك المركزي المصري نقاشات مع عدد من البنوك الكبرى حول إنشاء شركة لتحويل الأموال بالشراكة مع «هيئة سيادية»، وهو مصطلح يستخدم للإشارة إلى وزارة الدفاع أو وزارة الداخلية، وبعد بضعة أشهر أسس بنك القاهرة شركة أمنية خاصة بالشراكة مع هذه الهيئة.

المنطقة الرمادية.. حين يصبح الوهم هو السائد

كما يظهر في قطاع الإعلام، أتاح تطور العلاقات بين القطاعين العسكري والخاص، وزيادة نفوذ القطاع العسكري، فرصًا واعدة لضباط القوات المسلحة لبدء أنشطتهم التجارية الخاصة.

في كثير من الحالات، تعد هذه الأنشطة مشاريع شرعية، أنشأها ضباط متقاعدون يستفيدون من مهاراتهم واتصالاتهم المتخصصة، لكن ظهرت أيضًا منطقة رمادية، نسجًا على نمط تأسس في العصور السابقة، حيث تسجل شركات وهمية من القطاع الخاص من أجل الحصول على مخصصات للسلع أو الواردات المدعومة، لبيعها بعد ذلك إلى المشروعات القانونية.

تستشهد الدراسة على هذا النموذج بشركة «Maridive» العالمية التي تعمل في القطاعين النفطي والبحري، وأسسها ضابط بحرية سابق. وأيضًا شركة الإسكندرية للشحن والتفريغ، التي تأسست في عام 1984 على يد ضباط سابقين في القوات المسلحة، وسلطات الموانئ، واتهمتها نقابة عمال الشحن والتفريغ باحتكار منشآت المستودعات بشكل غير قانوني.

رصدت الدراسة أيضًا دور جهاز المخابرات العامة، الذي يمتلك حوالي 70% من سعة الإنترنت في مصر، وله دور مؤثر في هيئة تنظيم الاتصالات، ويملك شركة وسيطة لتصدير الغاز، بحسب الباحث عبدالفتاح برايز، لكن ما يزال غير واضح هو ما إذا كانت الشركات الخاصة الفائزة بالعقود من الباطن، أسسها ضباط جيش بصفتهم الشخصية لتحقيق مكاسب خاصة، أم أن بعضهم يعملون بوصفهم واجهات بالنيابة عن وزارة الدفاع أو الهيئات العسكرية الأخرى.

اقتصاد فوق جسر السياسة.. الضغط العسكري على الجهات المدنية

يشير العديد من الاقتصاديين والمؤسسات المالية مثل صندوق النقد الدولي إلى أن القيود المفروضة على الوصول إلى أراضي الدولة من أجل الاستخدام التجاري هو أحد أهم العوائق أمام تنمية القطاع الخاص في مصر، ولأن هذا الملف يخضع لسيطرة وزارة الدفاع، فإنه يعتبر المثال الأكثر وضوحًا والأكثر أهمية للضغط العسكري على الجهات المدنية (بما في ذلك باقي الوزارات والهيئات الحكومية).

استفاد الجيش استفادة كاملة من الأطر القانونية والتنظيمية التي وفرت له تأثيرًا كبيرًا على الجهات الاقتصادية الأخرى، على الرغم من أن هذه الأطر ليست من صنعه في المقام الأول. لدرجة أن صندوق النقد الدولي تخلى لفترة وجيزة عن تحفظه العام المعتاد ليحذر علانية في سبتمبر 2017 من أن تنمية القطاع الخاص وتوفير فرص العمل «قد يعيقها إشراك كيانات تابعة لوزارة الدفاع». 

ساهمت هذه العوامل مجتمعة في التشويه الشديد لحوافز السوق وهيكل القطاع الخاص. نتيجة لذلك، ارتبطت طبيعة العلاقات العسكرية مع القطاع الخاص بالارتفاع أو التراجع النسبي للهيمنة السياسية داخل منظومة الحكم ومستويات التغلغل في أجهزة الدولة خلال فترة معينة.

ومرة أخرى ترصد الدراسة في هذا السياق تحولا كبيرًا ومستمرًا منذ عام 2013، إذ سمح التوسع العسكري والبيروقراطي والسياسي الكبير للجيش بإعادة تشكيل الكثير من السياق الذي يعمل فيه القطاع الخاص.

إرث التأميم.. العمل خارج الحسابات التجارية المعتادة

هذا التوسع المتسارع للقوات المسلحة في عدد من القطاعات الاقتصادية، التي سيطرت عليها الشركات الخاصة منذ فترة طويلة، لا يحولها فقط إلى منافس مباشر ولكن أيضًا إلى فاعل مهم يثير اختلال السوق؛ نظرًا لأن سلوكها لا يخضع للحسابات العادية لفوائد التكلفة التجارية، بموازاة إعادة الجيش تنظيم علاقاته الاستراتيجية مع الشركات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة.

ويرى الباحث أن عصر التأميم في أوائل الستينيات دشن نمطًا من العلاقات بين الجيش والقطاع الخاص لا يزال قائمًا حتى اليوم. ومن المفارقات، أن جوهر هذا النمط ظل لعقود من الزمان هو الترتيب المريح في الغالب، حيث تستحوذ الطبقات البيروقراطية العسكرية الصاعدة على عوائد مشروعة وغير مشروعة من القطاع العام وتجارة الاستيراد.

ويكشف نمط العلاقات العسكرية مع الشركات الكبرى عن دوافع استراتيجية على المستويين الاقتصادي والسياسي، وينطبق الشيء ذاته على الجهود التي يبذلها الجيش لبناء دائرة جديدة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، على الرغم من اختلاف الأهداف والحسابات في هذه الحالة.

ويؤكد المقاولون العاملون في مصر أنه في معظم المشروعات الكبيرة التي تديرها الأجهزة العسكرية، يشارك في تنفيذ العمل عشرات المتعاقدين الصغار من الباطن، وكل منهم قد يضطلع ببناء مبنى سكني واحد أو اثنين فقط أو رصف بضعة كيلومترات من الطريق السريع.

وبحلول عام 2017، أشار بيان مناخ الاستثمار في مصر الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن الشركات المملوكة للجيش (بالإضافة إلى الشركات المملوكة للدولة عمومًا) تتنافس مباشرة مع الشركات الخاصة في العديد من القطاعات الاقتصادية.

رسالة من الرئيس.. العمل مع الجيش أو من خلاله وإلا فلا!

توضح الدراسة أنه من خلال الاستحواذ على وسائل الإعلام الخاصة تمكن الجيش من استثمار رأس المال وتوفير فرص عمل وأجور إضافية لكل من الضباط العاملين والمتقاعدين الذين التحقوا بوسائل الإعلام ويراقبون محتواها، كما خدم هذا التوجه أجندة سياسية؛ إذ أعلنت إدارة الشؤون المعنوية بتفاخر في أكتوبر 2017 أنها أنتجت ثلاثة أفلام طويلة «لأول مرة منذ حرب 1973».

وفي ظل القبضة الراسخة التي يدشنها الرئيس السيسي، من غير المرجح أن تثق الدولة بالقطاع الخاص. في الوقت ذاته، نأى السيسي بنفسه عن العديد من أصدقاء مبارك القدامى، وقام بدلاً من ذلك بتطوير شبكته الشخصية التي يديرها الجيش في الغالب مباشرةً. لكن طالما ظل الخطر السياسي كبيرًا- وهو خطر ملازم للجهود المبنية على استراتيجية «فرّق تسُد» العنيفة- فمن المحتمل أن تظل هذه المجموعة الجديدة من المقربين ضيقة.

وحتى إذا امتنع الجيش في النهاية عن الإفراط في الإنفاق، فإن العواقب المحتملة لمسار السياسة الحالية على الاقتصاد المصري تظل جسيمة، بحسب الدراسة. إذ تشير تقديرات البنك الدولي الصادرة في ديسمبر 2018 أن مصر تحتاج إلى 675 مليار دولار لتغطية احتياجات البنية التحتية وفجوات التمويل على مدار العشرين عامًا القادمة، لكنها تواجه عجزًا قدره 230 مليار دولار لا يمكن سده سوى بالاستثمار الخاص أو التمويل التجاري. 

هذا يعتمد كليًّا على توفير بيئة مواتية، لكن الباحث يستبعد تمامًا حدوث ذلك؛ بالنظر إلى الاتجاهات الحالية، ويستشهد بمنح السيسي السيطرة على العقارات السياحية الرائدة في عشرات من جزر البحر الأحمر وفي موقعين ساحليين رئيسيين لوزارة الدفاع في أغسطس 2019، وهي رسالة مفادها أن مستثمري القطاع الخاص لا يمكنهم العمل في أحد أكثر القطاعات ربحًا في الاقتصاد المصري إلا إذا كانوا يعملون مع الجيش أو من خلاله.

بلا حدود.. تحوُّل الاقتصاد العسكري في عهد السيسي

 تمخَّض استحواذ القوات المسلحة المصرية على السلطة في يوليو 2013 عما هو أكثر من إزالة أي قيود متبقية على الاقتصاد العسكري، بحسب الدراسة. وسواء كان ذلك مقصودًا أو مصادفة، يقدم السيسي تحفيزًا سياسيًا نشطًا وتشريعًا تمكينيًا، جعل الجيش هو رأس الحربة في عملية انتقال مصر إلى مرحلة جديدة من الرأسمالية التي تقودها الدولة، والتي تعيد بناء الجوانب الرئيسية للملكية العامة أو السيطرة على الاقتصاد حتى أثناء الشراكة مع رأس المال الخاص، سواء المحلي أو الأجنبي، بموازاة ادعاء الإخلاص لخط السوق الحرة الذي تتبعه الحكومات الغربية والمقرضون الدوليون.

ويعتقد كبار ضباط القوات المسلحة المصرية أن مهاراتهم الإدارية وتفوقهم المتأصل على المدنيين يضعهم في موقع فريد لقيادة النمو الاقتصادي والتحديث، بيد أن سجل السنوات الست الماضية يشير بدلا من ذلك إلى أن النتيجة الأكثر ترجيحًا -لهذا التوغل العسكري- هي زيادة اضطراب الأسواق، والتأثيرات الضارة على القطاع الخاص، وارتفاع تكاليف الفرصة للاقتصاد ككل (وإن كانت لا تزال خفية في الأساس)، وانفتاح شهية الجيش لجني الأرباح ووضع السياسات.

السيسي كان يستهدف محاربة الفساد من إجراءاته.. فماذا حدث؟

يرى صايغ أن المشاريع الضخمة التي أطلقها السيسي كانت انعكاسًا لرغبته في إظهار مصداقية إدارته للحكومات الأجنبية والأسواق الدولية. وأحد الأهداف الهامة الأخرى هو تحفيز النمو وتوفير فرص عمل، وكذلك كبح جماح ارتفاع أسعار السلع والخدمات الرئيسية، لتخفيف آثار خفض دعم الغذاء والطاقة على الفئات منخفضة الدخل. 

لكن هذا يتطلب رأس مال، وهو ما يفسر حملة السيسي لزيادة الإيرادات وتحقيق مدخرات من خلال احتواء الفساد الذي يعم معظم القطاعين العام والخاص، والمفارقة أن هذا النهج أدى إلى تحفيز الاقتصاد العسكري، سواء بسبب التنافس أو ازدواجية الجهود بين الوكالات العسكرية، أو السعي للحصول على المزيد من الريع والمنافسة بين مجموعات المصالح الخاصة، بما في ذلك شبكات الضباط غير الرسمية، استجابة للتركيز على المبادرات التي تقودها الدولة والتمويل العام.

وفي حين أن بعض المسؤولين العسكريين يتمتعون بنفوذ كبير، فإنهم لا ينظمون الاقتصاد العسكري ككل، بل هم أعضاء في مجموعة كبيرة -من مسؤولي الدفاع والهيئات العسكرية وشبكات الضباط والجماعات- تستجيب لتوجيهات الرئيس.

 هؤلاء جميعًا يشتركون في تشكيل الاقتصاد العسكري؛ لكن الطريقة التي يُدار بها هذا الملف، بالاعتماد أولًا على الولاء، تجعله يفتقر إلى تماسك السياسات، ويفرز نتائج متناقضة، بما يؤدي في النهاية إلى هزيمة ذاتية، حسبما تشير الدراسة.  

متوسط الإنفاق العام السنوي على البنية التحتية

من العاصمة الإدارية إلى توسيع القناة.. المزيد من الأموال لخزانة الجيش

استشهدت الدراسة بعدة مشروعات على رأسها، خطة السيسي لبناء عاصمة إدارية جديدة بالكامل، تديرها القوات المسلحة، وهو المشروع الذي تشغل فيه وزارة الدفاع المنصب الذي كان يشغله رجل الأعمال «عثمان أحمد عثمان» في عهدي عبد الناصر والسادات. 

وتحت عنوان «أهم مشروع اقتصادي في مصر» لفتت الدراسة إلى أن توسيع القناة لم يكن سوى المرحلة الأولى من خطة أوسع لتحويل مساحة تبلغ 76000 كيلومتر مربع -تشمل ثلاث محافظات بمحاذاة القناة هي بورسعيد والإسماعيلية والسويس- إلى محور صناعي ولوجستي ونقل دولي. 

ومن المفارقات أن هذا الاقتراح هو تكرار لخطط إدارة الرئيس السابق محمد مرسي لمنطقة القناة، ورغم جدوى المشروع الاقتصادية المشكوك فيها، فإنه زاد من أرباح وزارة الدفاع من الرسوم الإدارية. 

وفي حين لم يوضع حتى الآن إطار قانوني يحكم العلاقات بين المستثمرين العسكريين والمدنيين، يشدد صايغ على أن القدرة على استخدام الأراضي باعتبارها أسهمًا تجارية يمنح الجيش نفوذًا دائمًا على شركاء القطاع الخاص، سواء كانوا محليين أم أجانب. 

«مصرنا ومصرهم».. يوتوبيا ذكية للأغنياء ومدن صحراوية للعمال

تسلط الدراسة الضوء على الفارق بين حزمَتَي مشاريع، تستهدف أولاهما الأغنياء، وتشمل ثلاث مدن ذكية، هي: مدينة الجلالة العالمي، والعلمين الجديدة، والإسكندرية الجديدة. على النقيض من ذلك، تستهدف الحزمة الثانية جذب الصناعات والخدمات والعمال المهرة ذوي الياقات البيضاء ورجال الأعمال الشباب، وتشمل مدينة شرق بورسعيد الجديدة و مدينة المنصورة الجديدة.

بشكل عام، قام السيسي والحكومة، بمساعدة نشطة وتحفيز من الجيش، بإطلاق أو إصدار قرارات ببناء 17 مدينة وبلدة جديدة منذ عام 2016، على الرغم من أن عدد سكان المجتمعات الحضرية الجديدة الحالية يمثل 3.8% فقط من إجمالي الزيادة السكانية في مصر سنويًا.

وفي مقابل الإشادة الإعلامية بالمدن الجديدة، تلفت الدراسة إلى أن المواطنين ذوي الدخل المنخفض مثل سكان مثلث ماسبيرو وجزيرة الوراق لا ينتقلون عادة إلى المدن الصحراوية، ولكن إلى سكن دون المستوى يفتقر إلى الخدمات العامة في أجزاء أخرى من القاهرة.

ويشير خبير التنمية الحضرية، ديفيد سيمز، إلى أن جميع المناطق التي خصصت لنقل الصناعات الصغيرة تقع في مناطق نائية أو بلدات جديدة تثقل كاهل الملاك والعمال بتكاليف نقل باهظة، وتزاحم اقتصاديًا السياسات الصناعية الأكثر فعالية في تعزيز التوظيف والتصنيع. 

ولا ينكر صايغ أهمية الإسكان الاجتماعي، بل يتركز انتقاده حول نقطة أساسية: أنه يأتي جزءًا من نهج شامل للتنمية الحضرية لم يفعل الكثير لتغيير الحقائق الاجتماعية والاقتصادية الصارخة في أرض الواقع، مستدلًا بالأرقام: إذ يمتلك 5% من أصحاب الأراضي 57% من الأراضي الزراعية، في حين يمتلك 43% من الشريحة الأدنى أقل من 1% من الأراضي الزراعية في عام 2015، حتى عندما تؤخذ المناطق المستصلحة في الاعتبار، وارتفع عدد المصريين الذين يعيشون في فقر مدقع إلى 32.5 في المائة بحلول عام 2019، وفي الوقت ذاته بلغت نسبة الأمية 25.8%.

«في العجلة الندامة».. تنفيذ تكليفات السيسي مهما كان الثمن باهظًا

تكليف السيسي للجيش بتنفيذ مشاريع ضخمة أعطى شعورًا ملموسًا بالإلحاح دعمته الوعود المتكررة بالوفاء بالجداول الزمنية المتسارعة، ورافقت هذه التصريحات ادعاءات متضخمة حول عدد الوظائف التي يمكن أن توفرها هذه المشاريع. لكن لتحقيق نتائج سريعة؛ اضطرت وزارة الدفاع إلى توظيف شركات ووكالات عديمة الخبرة، ودفع أجور أعلى من المتوسط في بعض الأحيان، مقابل إقناع بعض الشركات بالعمل مجانًا. 

تتطرق الدراسة أيضًا إلى الاستهلاك الهائل لموارد مصر المائية في جميع المشروعات الضخمة التي يديرها الجيش تقريبًا، وهي النقطة التي تتزايد خطورتها في ظل الإنهاك المائي الذي تعاني منه مصر، حيث أصبحت البلاد بالفعل تحت عتبة فقر المياه، وتتجه نحو مستوى ندرة المياه المطلقة بحلول عام 2025.

برغم ذلك، من المتوقع أن تستهلك العاصمة الإدارية الجديدة أكثر من 500 مليون متر مكعب من المياه سنويًا عند اكتمالها، وتخطط لسحب حوالي 200 ألف متر مكعب من المياه يوميًا من المدن الفضائية المجاورة، وهو ما يوضح مرة أخرى كيف تتغلب الاعتبارات السياسية على تحليل جدوى التكلفة وندرة الموارد.

حتى عندما قرر الجيش الاستجابة لهذا التحدي، فإنه لجأ إلى إصلاحات هندسية بسيطة لا تحل المشكلة الرئيسية، بل في الواقع قد تؤدي إلى تفاقمها، مثل: تحلية مياه البحر لتزويد المدن الجديدة والمشروعات الضخمة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط ​​أو حول العين السخنة على البحر الأحمر، وهو مشروع كثيف الاستهلاك للوقود.

إلى جانب ذلك، ضخ المياه من النيل أو الخزانات الجوفية إلى التضاريس الأعلى أو عبر القنوات أو الأنفاق العابرة لقناة السويس إلى مشاريع استصلاح الأراضي المتعطشة للمياه والمشاريع الزراعية. علاوة على ذلك، تحمل قنوات مياه الصرف نفايات صناعية وزراعية سامة، مما يؤثر على مناطق المصب مثل كفر الشيخ، موطن جزء كبير من ثروة مصر السمكية.

عززت وزارة الدفاع أيضًا مصالحها في شبه جزيرة سيناء، ومنطقة قناة السويس المجاورة، ودلتا النيل، وعلى الأخص في إنتاج الأسماك. بالإضافة إلى توغل وزارة الدفاع في التنقيب عن الذهب في منطقة شلاتين الحدودية مع السودان، وشبه احتكاراتها لمحاجر الرخام وإنتاج الملح، بالإضافة إلى صناعات الصلب والأسمنت وقطاع التعدين والرمال السوداء.  

5 نماذج تشرح لك ما يحدث لاقتصاد الدول بعد التخلص من حكم العسكر

الاستثمار في آلام المصريين.. لعبة سلاسل الاستيراد وأزمات التوريد

أدى عدم استقرار المعروض من السلع الأساسية في الأسواق المحلية بعد عام 2013، متأثرًا بالانخفاض الحاد في قيمة الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية والنقص الكبير التالي في قيمة الدولار وتضخم الأسعار في عام 2015، إلى توفير ما يكفي من الحوافز والذريعة لتوسع الاقتصاد العسكري حتى في التجارة.

تستشهد الدراسة بدور الجيش في استيراد ونقل وبيع الماشية واللحوم من السودان المجاور، باعتباره قطاعًا تجاريًا رئيسيًا، نظرًا لحجم السوق المصري وارتفاع نسبة اللحوم في النظام الغذائي الوطني منذ تحرير الواردات في عهد السادات خلال سبعينيات القرن العشرين، بالإضافة إلى وجود عدد كبير من العملاء المضمونين مثل القوات المسلحة وأجهزة الدولة البيروقراطية الضخمة. 

وقدمت أزمة إمدادات القمح في عام 2016 أبرز دليل على الدور المتزايد للجيش في الإدارة الاقتصادية والديناميات الجديدة الناتجة. إذ تعد مصر أكبر مستورد للقمح في العالم، حيث جلبت 12 مليون طن خلال 12 شهرًا حتى يوليو 2017، و 12.5 مليون طن حتى يوليو 2018، وهو ما يمثل حوالي 4% من إجمالي واردات البلاد.

وليس من المستغرب أن يُعاد بيع كميات كبيرة من الطحين والقمح في السوق السوداء، حسبما أشار تقرير أصدرته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة في عام 2015. وقد كشفت أزمة القمح عن رسوخ قدم وزارة الدفاع في الشؤون الاقتصادية، لكنها أظهرت أيضًا أن يديها لا تزال مقيدة بسبب مصالح بيروقراطية وخاصة قوية.

بالمثل، كان دخول الجيش الرسمي إلى القطاع الصحي المدني مدفوعًا بالاستجابة لأزمة إمداد أخرى، تتعلق هذه المرة بحليب الأطفال. وسرعان ما جابهت وزارة الدفاع ارتفاع الأسعار، وأعلنت عن استئناف بيع حليب الأطفال بنصف السعر الجديد، وتعهد وزير الدولة للإنتاج الحربي، محمد العصار، بأن ينتج الجيش الحليب محليًا، لكن بدلاً من ذلك لجأ إلى استيراده. لكن النقاد يشيرون إلى أن القوات المسلحة كان لا يزال بإمكانها جني الأرباح على الرغم من البيع بسعر مخفض، حيث أنها لم تدفع الرسوم الجمركية على الواردات.

وسرعان ما وسعت وزارة الدفاع مشاركتها في الواردات الطبية والإنتاج الطبي خلال العام التالي، تحت مظلة حملة إعلامية تسلط الضوء على النقص المزعوم في الإمدادات الطبية؛ وكان هذا إيذانًا بتنافس الوكالات العسكرية لدخول هذا المجال المربح.

 وفي توسع مشابه، طرقت وزارة الدفاع مجال الاتصالات السلكية واللاسلكية من أوسع أبوابه، بعدما كان دورها مقصورًا في السابق على عضوية مجلس إدارة شركة المصرية للاتصالات، التي تحولت إلى شركة مساهمة في عام 1998.

الكعكة المقدسة.. الدين لله والأرباح للجيش

تضيف الدراسة أنه على النقيض من أسواق الاتصالات أو وسائل الإعلام، التي تتطلب استثمارات مؤسسية كبيرة، فقد سعى المتقاعدون من  القوات المسلحة إلى الحصول على فرصة تجارية في القطاع الديني، الذي يوفر عائدات أكثر تواضعًا، ولكن يمكن الاعتماد عليها. 

وبدءًا من عام 2017، سيطرت الحكومة على جميع تأشيرات الحج الصادرة في مصر، ثم كلفت القوات المسلحة بإدارة القرعة، وتوفير خدمات الحج سواء للحجاج المسلمين أو حتى المسيحيين. 

وتلفت الدراسة إلى أن الفرصة المالية الأكبر تكمن في الأوقاف الدينية، التي تقدر قيمتها بـ70 مليار جنيه في عام 2016. وتطرق صايغ أيضًا إلى المشاركة العسكرية طويلة الأمد في قطاعات الثقافة والتعليم ذات الصلة، خاصة فيما يتعلق بالمباني التاريخية والآثار.

تضارب المصالح.. حين تتنافس الأجهزة العسكرية

يتابع صايغ: تستجيب الأجهزة العسكرية بطرق مشابهة للظروف المشتركة؛ إذ تسعى للدخول إلى القطاعات الاقتصادية التي توفر عوائد آمنة، وتسعى لعقد شراكات أجنبية مصدرًا للدراية ورأس المال. بيد أن عدم وجود قواعد صارمة يعني أن تضارب المصالح غالبًا ما يتم حله من خلال المنافسة المباشرة. وقد أوضح الخلاف الحاد الذي أثر على إمدادات القمح في أواخر عام 2015 هذه الديناميكية.

وتبين خريطة النشاط الاقتصادي للجيش منذ عام 2013 أن نطاقه وأنماطه وعوائده المالية تختلف اختلافًا كبيرًا من قطاع إلى آخر، لكن من الواضح أن الجيش يستمد الجزء الرئيسي من دخله إلى حد بعيد من سيطرته على الأرض ومن العقود العامة، إذ يتمتع بفعالية كبيرة للغاية، ويمسك بتلابيب القطاع الخاص كرهينة. 

وتحذر الدراسة من أن هذا المسار الذي تسلكه المؤسسة العسكرية، إذا ترك بدون رقابة، فسوف يضفي طابعًا مؤسسيًا على مشاركة القوات المسلحة في الاقتصاد المدني، مما يحول فيلق الضباط القدامى من مجرد مجموعة ذات مصلحة خاصة (وإن كانت مجموعة كبيرة وقوية) إلى محدد لوضع السوق، إن لم يكن صانعًا للسياسة الاقتصادية. لكن لأن القوات المسلحة تعمل من خلال مزيج من المفاهيم قديمة الطراز، يخلص صايغ إلى أن النتيجة  الأكثر ترجيحًا هي إضفاء قدر أكبر من التناقض وعدم القدرة على التنبؤ بمسار الاقتصاد المصري.

خلف الستار.. إدارة الشؤون المالية

 يخلُص الفصل السابع من دراسة مركز كارنيجي إلى أن توليفة من السلطات التقديرية، والحصانة القانونية، والغموض في المعلومات المتعلقة بالدخل والحسابات العسكرية؛ قد أوجدت أسلوبًا للإدارة المالية يتمتع بقشرة من الشرعية ويتيح حتى التلاعب بالأموال والممتلكات العامة دون مساءلة جادة أمام أي سلطة مدنية.

حتى داخل المؤسسة العسكرية، يجعل أسلوب الإدارة المالية من المستحيل عمليًا تقييم فعالية التكلفة الفردية أو تقديم حسابات شاملة للاقتصاد العسكري ككل، كما أنه يحجب ما تشير إليه الحسابات الداخلية من أن النظام المالي يعج بالممارسات الفاسدة، وفي أحسن الأحوال، ثمة نتيجة أخرى للغموض المالي هي أن الوكالات العسكرية تجد صعوبة في تقييم الجدوى الاقتصادية، مما يؤدي إلى استثمارات للأموال التي يسيطر عليها الجيش تتمخض عن نتائج عكسية. والنتيجة: اقتصاد عسكري لا يسير في اتجاه واحد. 

محددات اتخاذ القرارات الاقتصادية وتدفقات رأس المال في الجيش

توضح الدراسة أن عملية اتخاذ القرارات الاقتصادية وتدفقات رأس المال في حالة الجيش تحددها ثلاثة عوامل:

(1) الكلية الحربية، وفرع الخدمة في القوات المسلحة، الذين ينتمي إليه المسؤولون الرئيسيون، من خلال مجموعاتهم وشبكاتهم المتميزة والمتنافسة في كثير من الأحيان،

(2) التفاعلات من القاعدة إلى القمة مع مجموعات المصالح في مؤسسات الدولة البيروقراطية (بما في ذلك مؤسسات الحكم المحلي، فضلًا عن المنافسين المحتملين في وزارة الداخلية وأجهزة الاستخبارات) وشركات قطاع الأعمال، والقطاع الخاص، عبر قنوات غير رسمية خلف واجهة المؤسسات والقواعد الرسمية. 

(3) الاستجابة للضغط من أعلى إلى أسفل لتنفيذ توجيهات السياسة والأهداف الرئيسية التي تحددها القيادات العليا.

بالتالي، لا توجد خطة رئيسية اقتصادية أو مدرة للدخل، حتى لو كانت الجهات الاقتصادية العسكرية تعمل جنبًا إلى جنب، حسبما تخلص الدراسة. صحيح أنها جميعًا تسعى لتحقيق مصالح متسقة نسبيًا، لكن الأدلة تشير إلى أنها تميل إلى الاستقلالية عن بعضها البعض، حيث تتمسك كل وكالة بوعائها المالي المنفصل وتدير بغيره. 

لكن هذا لا يعني إنكار السلوك الاستراتيجي، لكن يؤكد على الآثار المترتبة على رأس المال العسكري للجيش:

أولاً، ستنفق الوكالات العسكرية أو تستثمر الأموال استجابةً لتعليمات الرئيس، حتى عندما تكون غير سليمة اقتصاديًا وتؤدي إلى خسائر مالية.

ثانيًا، على العكس من ذلك، تتمتع هذه الوكالات بسلطة تقديرية مطلقة تتيح لها تخصيص الأموال التي تتحكم فيها- بمعنى أنها ليست ملزمة بالتشاور مع أي وكالة حكومية أخرى مسبقًا، ناهيك عن الحصول على إذنها- طالما أن أنشطتها تتماشى بشكل واسع مع التوجه السياسي للرئيس .

تشريح مصادر الدخل العسكري.. السعي وراء المكاسب السياسية أم المالية؟

يشير تشريح الاقتصاد العسكري المقدم في هذا التقرير إلى المصادر التالية للتمويل المرخص قانونًا، ومعظمها معفى من جميع الضرائب والرسوم:

– ميزانية الدفاع،

– الرسوم المكتسبة من الفنادق والطرق والمرافق المملوكة لوزارة الدفاع والمرافق الاجتماعية والرياضية الأخرى.

– مبيعات السلع الغذائية الأساسية في الأسواق المحلية وتوفير الخدمات الطبية مدفوعة الرسوم.

– رسوم إدارة الأشغال العامة، بما في ذلك استصلاح الأراضي، والمشروعات الضخمة، وغيرها من مخططات الإسكان والبنية التحتية، أو هوامش الربح المضمنة في ميزانيات المشروع المتفق عليها مع المقاولين المنفذين.

– إيرادات الإيجار، وهي الرسوم أو التبرعات المدفوعة مقابل منح تراخيص استخدام الأراضي وتأجير المرافق مثل الموانئ وفرض رسوم على الطرق السريعة أو في المناجم والمحاجر.

– رسوم تقديم خدمات متخصصة مثل تخليص البضائع المستوردة في موانئ الدخول إلى مصر، والتفريغ، ونقل المعدات الثقيلة، وغيرها.

– إيرادات مبيعات الشركات العسكرية (المصانع والمزارع وشركات أخرى) من السلع والخدمات المدنية، بما في ذلك المشاريع الجديدة في مجالات التعدين والتنقيب والقطاعات الاستخراجية الأخرى.

– ودائع محتفظ بها في صناديق خاصة وفوائد مستحقة عليها. 

– رسوم الأنشطة المخصصة مثل مساهمة القوات في بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام أو إزالة الألغام أو إجراء مناورات مشتركة على الأراضي المصرية مع الجيوش الأجنبية.

– الدخل غير المباشر للاستثمارات التجارية من خلال شركات الواجهة.

من المحتمل أن تكون هوامش الربح كبيرة في عدد قليل من هذه الأنشطة، لكن على أي حال ليست جميعها تستهدف الربح في المقام الأول. على سبيل المثال، ينفق 60% على الأقل من ميزانية الدفاع على الرواتب والتعويضات (البدلات والمزايا الأخرى غير المعاشات التقاعدية).

 ورغم أن الرواتب العسكرية متواضعة، مقارنة بقطاع الأعمال العام والشركات الخاصة (على الأقل على مستوى الإدارة)، بيد أن موظفي قطاع الدفاع بشكل خاص يعينون على بند «كادر خاص» ويتمتعون بتفاوتات كبيرة في الأجور والمزايا مقارنة بالموظفين المدنيين. وخلال فترات الاضطرابات، يحصل ضباط القوات المسلحة، بالإضافة إلى رواتبهم الكبيرة، على مكافآت تصل إلى ضعف رواتبهم، يُفترض أن تُحمَّل على ميزانية الدفاع.

عمليات شراء الأسلحة التي لا يغطيها التمويل العسكري الأمريكي

تضيف الدراسة: من الناحية النظرية على الأقل، يمكن لـوزارة الدفاع أن تضخ احتياطياتها في عمليات شراء الأسلحة الكبيرة التي لا يغطيها التمويل العسكري الأمريكي، ويشمل ذلك الطلبات التي قدمت في الفترة ما بين عامي 2014 و2018 لشراء منظومات الأسلحة الفرنسية والروسية والتي يبلغ مجموعها 8 مليارات دولار و7.5 مليار دولار على التوالي. 

صحيح أن نصف التكلفة البالغة 5.2 مليار يورو لشراء الطائرات المقاتلة الفرنسية كان سيغطيه بعض دول الخليج، والنصف الآخر سيأتي من القروض التجارية التي جمعتها الحكومة الفرنسية وضمنتها، كما يقال إن دول الخليج كانت تسهم في بعض عمليات شراء الأسلحة الروسية، لكن كان لا يزال يتعين على وزارة المالية المصرية تمويل جزء كبير من هذه الصفقات؛ وقد يكون هذا هو السبب -إلى جانب السحب اللاحق للتمويل السعودي- وراء عدم ترجمة بعض الاتفاقيات الخاصة المنظومتين الفرنسية والروسية إلى أوامر فعلية أو تأجيلها. 

مصر تتفوق على الجميع.. إليك عدد القصور الرئاسية في أقوى اقتصادات العالم

وفي جميع الحالات، سيتعين على وزارة الدفاع تخصيص أموال من ميزانية الدفاع أو احتياطياتها الخاصة لتغطية التكاليف المستقبلية للصيانة والإصلاحات والترقيات وقطع الغيار والتدريب طوال العمر التشغيلي لجميع أنظمة الأسلحة المستوردة، والتي يمكن أن تصل إلى ستة أضعاف تكلفة الشراء، حسبما يشير الباحث يزيد صايغ. 

«مغارة الجيش».. مليارات القوات المسلحة

تتابع دراسة كارنيجي: خلافًا لميزانية الدفاع، المودعة لدى البنك المركزي المصري، تضع وزارة الدفاع جزءًا على الأقل من دخلها في مجموعة متنوعة من البنوك المصرية؛ وفقًا لما نقله الباحث عن مصدر مجهول في البنك المركزي، قال: «مليار واحد هنا ونصف مليار هناك».

وتحتفظ وزارة الدفاع بجزء كبير من أموالها ودائع دولارية. على سبيل المثال، في أواخر عام 2011، أقرضت الوزارة البنك المركزي مليار دولار للمساعدة في دعم الجنيه المصري. وفي مايو 2013، برر اللواء محمد نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية آنذاك، احتفاظ وزارة الدفاع بالودائع الأجنبية باعتبارها وسيلة لمساعدة السلطات المدنية على التصدي لـ«حالات الطوارئ».

كما تحتفظ وزارة الدفاع وغيرها من الوكالات العسكرية بصناديق خاصة تودع فيها فوائض الميزانية- المقومة بالجنيه المصري، لأنها جزء من الميزانيات الرسمية- وهو ما تفعله كثير من الوكالات الحكومية المدنية. أكثرها شهرة يعرف باسم «الصناديق السوداء»، وهي صناديق خاصة أنشئت بسلسلة من المراسيم الرئاسية التي صدرت في السبعينيات فصاعدًا.

بالإضافة إلى ذلك قد تتحكم وزارة الدفاع في الأموال التي تأتي من خارج الصناديق السوداء. مثلما ظهر في فبراير 2015 خلال محادثة مسربة بين السيسي ومدير مكتبه اللواء عباس كامل بشأن اعتزام السيسي إيداع 10 مليارات دولار من مساعدات دول الخليج في حساب وزارة الدفاع. من المعروف أيضًا أن الشركات التي يكون للجيش فيها مصلحة تجارية استفادت من الوصول التفضيلي إلى القروض.

من منظور سياسي عسكري.. لماذا لا تستطيع مصر خوض حرب ضد إثيوبيا؟

في ظل انعدام الشفافية وتواطؤ البرلمان.. من يراقب الأخ الأكبر؟

يذكر المتحدثون الرسميون باسم القوات المسلحة وكبار مسؤولي صناعة الدفاع بشكل روتيني أن أعمال الاقتصاد العسكري سواء كانت زراعية أو خدمات أو صناعية أو غير ذلك، تخضع للضرائب والمراقبة من قبل الجهاز المركزي للمحاسبات، مثل أي شركة أخرى في مصر. لكن أحمد السيد النجار، وهو خبير اقتصادي كبير في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الحكومي، أعلن بصراحة أن هذه المزاعم «تتعارض تمامًا مع الحقيقة». وقد كان ذلك في عام 2012، لكن القليل تغير منذ ذلك الحين.

وبينما تحتفظ الوكالات العسكرية بسجلاتها المالية حسب الأصول- كما هو الحال مع وزارة الدفاع في القوات المسلحة المصرية وغيرها من الإدارات التابعة لها – يقول صايغ إنها لا تبدو خاضعة لأي شيء يرقى إلى مستوى التدقيق الكامل. 

ومما يعوق التقييم الفعّال للأداء عدم وجود شفافية فيما إذا كانت الشركات المستحوذ عليها أو المشكلة حديثًا تُحسب أصولًا أو نفقات في دفاتر الاقتصاد العسكري، وما إذا كانت هذه الأخيرة تُظهر مستحقات مستحقة على هيئة ديون أم متأخرات، يمكن ترحيلها من سنة إلى أخرى.

ويلفت صايغ إلى أن عجز (وعدم رغبة) مجلس الشعب في ممارسة الرقابة على ميزانية الدفاع، أو أي جانب آخر من جوانب شؤون الدفاع، يؤكد افتقار الجيش للمساءلة أمام السلطات المدنية، وهو ما يمكِّن الاقتصاد العسكري بصورة كبيرة، ووفقًا لمنظمة الشفافية الدولية، فإن الفساد قد تفاقم بشكل أسوأ منذ تولي السيسي الرئاسة:؛ حيث سجلت مصر 32/100 و37/100 في مؤشرها الشامل لمدركات الفساد لعامي 2014 و2018، مما يضعها في ذيل المؤشر. 

ومع وجود العديد من الوكالات العسكرية والهيئات القضائية المتداخلة بل والتي يحتمل أن تتنافس فيما بينها، يمكن للضباط والأفراد أن يزعموا بسهولة أنهم يمثلون السلطة الشرعية لترخيص نشاط أو حظر نشاط آخر. لكن حتى هذه التفاصيل القانونية قد تضعف، مثلما يظهره ابتزاز الأسهم من الشركات الناشئة مقابل الموافقة على طلباتها لتمويل الاستثمار.

 مستقبل مصر الاقتصادي على المحك

تختم الدراسة بالسؤال التالي: ما هو المسار الذي يرجح أن يسلكه الاقتصاد العسكري، وما هي التداعيات السياسية المترتبة على هذا النهج؟

لأن تطوُّر الاقتصاد العسكري كان دائمًا مرتبطًا بتطور الاقتصاد السياسي الأوسع في مصر، تتوقع الدراسة أن يتكرر سلوك الجهات الفاعلة المؤسسية والاجتماعية، لكنها تلفت في الوقت ذاته إلى أن الاقتصاد العسكري مهيأ الآن لتغيير نوعيّ، وحتى تحوُّليّ، مستفيدًا من تعزيز مكانته السياسية والدستورية.

صحيحٌ أن الاقتصاد العسكري لم يتمكن حتى الآن من حلّ مشاكله وأوجه القصور المزمنة التي يعاني منها، لكن الصدارة التي حققها في الساحة السياسية؛ تمكنه من الدخول في مرحلة جديدة من التوسع والتعمق.

السيطرة العسكرية على الأدوات السياسية للحفاظ على المصالح الاقتصادية 

على مدار عدة عقود، رفض الجيش مرارًا التخلي عن الأصول الاقتصادية أو التراجع عن الوصول إليها بمجرد الحصول عليها، وهو التوجه الذي ترسخ نتيجة التغييرات التي شهدتها البلاد منذ عام 2013. في ظل هذه الامتيازات، يتعين على الجيش التأثير، إن لم يكن السيطرة، على أدوات السياسة؛ إذا كان يريد الحفاظ على مصالحه الاقتصادية وتعزيزها.

ومع ذلك، يحذر صايغ من أن الترويج للذات لا بد أن يكون له ثمن؛ ذلك أن الدور البارز للجيش في وقت يزداد فيه الفقر وانعدام المساواة قد بدأ يولِّد القلق ويؤثر سلبًا على صورته في أوساط الشعب الذي كان دائمًا ينظر إليه بتقدير كبير.

لكن هذا التعمق والتوسُّع الذي ترجحه الدراسة ليس قدرًا محتومًا؛ فالاقتصاد العسكري يمر الآن بمرحلة انتقالية، ويقدم إشارات مختلطة واتجاهات متناقضة. وقد يؤدي فشل عمليات الاستحواذ في قطاع الإعلام إلى إضعاف الشهية العسكرية، على سبيل المثال، وهي النتيجة ذاتها التي يمكن أن تنتج عن عبء الاستثمار في قطاعي الأسمنت والصلب حالما ينخفض ​​الطلب على الإنتاج العسكري ويتصاعد الضغط من القطاع الخاص المحلي والشركات الأجنبية. ناهيك عن المؤشرات على وجود رغبة داخل القوات المسلحة في إعادة التركيز على تطويرها المهني وتحسين قدراتها التشغيلية.

هل تمتلك مصر المقومات الضرورية لتكرار تجربة تشيلي أو تركيا؟

برغم ذلك كله، تؤكد الدراسة في أكثر من موضع على أن أسباب تعميق وتوسيع الاقتصاد العسكري تبقى قوية على أقل تقدير. صحيح أنه من الناحية النظرية، يمكن أن ينشئ مسار النمو الاقتصادي الإيجابي ظروفًا مواتية لتقليص الدور الاقتصادي للجيش عن نطاقه وحجمه الحاليين. 

لكن مصر تفتقر إلى الإرث السياسي والمتطلبات الاجتماعية والاقتصادية لتكرار تجربة تشيلي أو تركيا، حيث أدى النمو الاقتصادي المطرد إلى إحداث تغيير اجتماعي وتمكين قطاعي العمل والعمال اللذين ضغطا لاستعادة الحكم المدني وعودة الجيش الكاملة إلى الثكنات.

في ضوء هذه الخصوصية المصرية، ترجح الدراسة ألا يؤدي تدهور الظروف الاجتماعية والاقتصادية أو زيادة الديون إلى تثبيط أو عرقلة امتصاص الشبكات العسكرية الراسخة بعمق لموارد التمويل اللازمة لتوليد نمو مستمر وتوفير مدخرات محلية.

هل يستطيع الاقتصاد العسكري انتزاع النجاح من بين فكي الانهيار الاجتماعي؟

يلفت صايغ إلى أن السيسي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على شركائه داخل الائتلاف الحاكم لمؤسسات الدولة -وحتى على الفصائل المتباينة داخل صفوف كبار قادة القوات المسلحة- وجميعهم يتوقعون عائدًا على دعمهم.

هذه الشبكات العسكرية ومجموعات المصالح راسخة بما يكفي لمقاومة أي مسار آخر للعمل، وقد تكون بالفعل في وضع يمكنها من مواصلة توسيع الاقتصاد العسكري غير الرسمي وتعميق ممارسات النهب بغض النظر عمنا يقرره السيسي أو قادة الاقتصاد العسكري الرسمي.

ومع ذلك، فإن السيسي (مثله مثل جميع أسلافه) والعسكريين ملتزمون تمامًا بالنشاط الهرمي الذي يتميز بكثافة رأس المال -كما هو الحال مع العديد من كبار موظفي الخدمة المدنية والتكنوقراط في الوزارات الحكومية- مما يجعل من غير المرجح أن يتغيروا.

أما الاعتقاد بقدرة الجيش المصري على انتزاع النجاح الاقتصادي من بين فكي الانهيار الاجتماعي، فتقول الدراسة إنه لا يستند إلى أسس قوية. وبدلًا من ذلك، يرجح الباحث أن تبقى مصر معتمدة بشكل حاسم على صيغة عمرها نحو سبعة عقود لتأمين ضخ رؤوس الأموال الأجنبية في شرايين الدولة لتفادي أزماتها الحادة.

 

ماذا خسر الاقتصاد المصري بانخراط الجيش فيه؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد