من المؤكد أنك ذهبت ذات مرة للطبيب، فسألك عن «نوع» الألم الذي تشعر به، أو طلب منك أن تقيّم الألم الذي تشعر به من واحد إلى 10، أو تحديد الوجوه الكارتونية من قائمة، وجوهًا مبتسمة، وحزينة، وحزينة جدًا تبعًا لشدة ألمك، تستخدم لقياس شدة الألم.

ولكن هل يمكن قياس ألم الأسنان وألم السرطان بنفس المقياس؟ وما هي أنواع الألم؟ وما أهميتها في تشخيص العلاج؟ وكيف ساهم تطور وعينا بالألم في تطور العلاج؟ تحاول السطور التالية أن تضع بعض الإجابات لتلك الأسئلة.

كيف تعامل الإنسان مع ألم الجسد عبر الزمن؟

الألم ببساطة هو شعور حسي يمثل مؤشرًا لوجود ضرر في جهاز أو نسيج ما، تحت وقع ضربة أو حرق، أو قد يكون ألمًا عصبيًا، وهو مؤشر لوجود خلل في الجهاز العصبي، يستطيع المخ أن يترجم كل ألم يصل إليه عن طريق المعلومات الحسية التي تنقلها الأعصاب الحسية.

منذ آلاف السنين وضع الناس تصورات وتفسيرات لشرح الألم الجسدي، وطُرق تخفيفه، ولكن تظل الطريقة  التي يعمل بها الألم غير مفهومة بالشكل الكامل حتى اليوم. مسيرة تعاملنا مع الألم الجسدي شهدت سلسلة تطورات كبيرة، حتى وصلت لما نحن عليه اليوم، ففي عام 6000 قبل الميلاد، في «بيرو» تحديدًا في «وادي نانكوك» كان الناس يمضغون أوراق الكوكايين كعلاج تقليدي لمعالجة الألم في أجزاء من أمريكا اللاتينية.

وفي عام 2250 قبل الميلاد اخترع البابليون «أقراص الطين» لمعالجة دودة الأسنان التي كانوا يعتقدون أنها سبب تسوس الأسنان، فكانوا يملأون الفراغ الذي تسببه هذه الدودة، مع المستكة، وبودرة البنج الأسود، وتُعتبر أقراص الطين هي أول وصفة طبية مكتوبة كعلاج لتسكين الألم.

فرّق الناس في مصر وبلاد الرافدين بين أنواع ألم مختلفة؛ فالألم الذي يسببه الطَعن، غير الذي يسببه الحَرق، لكنهم عزوا الألم الذي لا يبدو بسبب إصابة واضحة إلى الأشباح التي تدخل الجسم عن طريق العين والأذن، وعالجه الأطباء آنذاك بالأفيون، ولكن ظل العلاج الأساسي هو التعاويذ والصلاة.

«الألم هو الحياة».. كيف تطور وعي البشر بالألم الجسدي عبر التاريخ؟

 

في عام 410 قبل الميلاد رفض أبقراط وأتباعه إرجاع سبب الألم لأسباب ميتافيزيقية، وأرجعوا أسبابه لوجود مرض ما، والألم ما هو إلا عرض له، واعتبر أبوقراط أنه إشارة مفيدة لوجود اعتلال أو خلل ما، وهي ما قادته للقدرة على تشخيص المرض، وهو ما عرفناه من «كوربس أبقراط»، حيث عرف الأطباء الإغريق الأوائل مبادئ تشخيص المرض بسؤال المريض: «هل تشعر بالألم؟ وفي أي مكان؟»
أما  الطبيب الروماني سكريبينيوس لارجوس، فقد وصف  العلاج الكهربي للصداع والمغص، وكانت آلية العمل هي تزويد المريض بالشحنات الكهربية؛ حتى يفقد الإحساس.

 

مسارات الألم.. غرف تعذيب لأسباب نبيلة

في عام 1664 عَرض «رينيه ديكارت» وفصّل مسارات الألم من مصدرها وصولًا للمخ، ثم اختبر الكيميائي الإنجليزي «همفري ديفي»  مكتشف الصوديوم والبوتاسيوم، «النيتروس أوكسيد» عام 1798، والذي وجد أنه يخفف آلام ضرس العقل الفظيعة، وأقر ديفي أن الألم يبدأ في الاختفاء بعد رابع أو خامس زخة، كما اكتشف أن خليط أوكسيد النيتروجين والأكسجين يسبب فقدًا عكسيًا للوعي عند الحيوانات، وهو ما سيستخدم في التخدير لاحقًا.

Embed from Getty Images

ثم جاء «فريدرك سيرتونر» الصيدلي الألماني مكتشف المورفين، وكان ذلك في عام 1804، عزل سيرتونر المورفين – المادة الفعالة للأفيون – واستُخدم لعلاج الآلام الشديدة، وأثبت أن قوته تفوق 10 أضعاف فعالية الأفيون. وفي فترة الحرب الأهلية الأمريكية في عام  1864 عرّف الطبيب الأمريكي «سيلاس وير ميتشل»  واثنين من الأطباء من تلاميذه نوعًا من الآلام الشديدة الناتجة من التهاب الأعصاب الطرفية، وهذه الحالة أطلق عليها ميتشل «caualgia».

ثم جاء مولد التخدير للعمليات الجراحية عام 1898 على يد الجراح الألماني «أوجست بيير» الذي أثبت فعالية التخدير النصفي حين أجرى التجربة على أحد مساعديه ونجحت، وأثبت السير «تشارلز شرينغتون» عالم الفيسيولوجية العصبية أثبت وجود نوع من الموصّلات تسمى الـ Nociceptor أو (مستقبلة الأذيّة) وهي أعصاب متخصصة لتحديد الأذى المحتمل مثل درجة الحرارة الشديدة، إذا كان لها القدرة على التسبب في حدوث إصابة، وترسل هذه الأعصاب إشارة للمخ «بوجود خطر محتمل».

لكي يقيس الطب ردود فعل الأشخاص للألم، كان عليه أن يسبب لهم آلامًا أُخرى عديدة، بأدوات وطرق مختلفة وقاسية، المعبر الذي يصل بين التجارب الدوائية على الحيوانات، وصولًا للإنسان بُني على ظهور ملايين المتطوعين، جُربت عليهم طرق أشبه بالتعذيب، من الوخز بالإبر، والضغط بالثلج، إلى عصر الأصابع، ولي شحمة الأذن، وصولًا إلى سكب زيت الخردل على الجلد، وحَقن الكباسيسين تحت الجلد «المادة الفعالة للفلفل الأحمر»، حتى إدخال بالون عن طريق الفم لكي يصل للأعضاء الداخلية، ثم يقاس الألم الناتج عن تمدده. لكن تجارب الألم على قسوتها ساعدت الباحثين على معرفة ميكانيزمات الألم، والوصول إلى مركّبات تعمل على تسكينه.

كيف نقيس الألم؟

الألم تجربة ذاتية تختلف من شخص لآخر، وتتأثر بعوامل شتى، فيختلف من الرجل للأنثى، ويختلف عند ذوات الشعر الأحمر، وعند الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب، وعند الأشخاص ضعفاء البنية. ويختلف نوعه، فقد يكون ألمًا ذا علاقة بعضلة، فينتج عنه شعور بألم خفيف، أو ألمًا له علاقة بعصب ينتج عنه ألم حارق، لذا فوصف المريض للألم الذي يشعر به بوضوح ليس سهلًا.

ولا يعتمد الطبيب على تقرير المريض في وصف ألمه بشكل أساسي، من ناحية أن المريض ليس متخصصًا، ولم يجرب بالضرورة كل أنواع الألم، وربما لشدة صعوبة حالته الصحية، أو بسبب حاجز اللغة، ومازال البحث عن وسيلة موضوعية لقياس الألم حتى الآن.

لذا فقد أمضى الباحثون عقودًا ليبحثوا عن طرق لقياس الألم، في عام 1940 اخترع العلماء مقياسًا للألم يسمى «Dol»، مشتق من كلمة (ألم) باللاتينية والتي تعني «Dolor»، والذي يحدد رد فعل المريض. والذي فتح المجال بعد ذلك لاختراع الدولوميتر لقياس حساسية أو شدة الألم، عن طريق حث أو تحفيز الجلد بواسطة الحرارة، وقياس درجة استجابته. والذي تطور إلى البابلوميتر .

Embed from Getty Images

في عام 2013 استطاع الباحثون رسم خريطة للألم باستخدام تصوير المخ، وسجلت نتائج متباينة تبعا لشدة الألم؛ خوّلت للأطباء تقسيم الألم إلى درجات، وفتحت الطريق لتطبيقات أخرى في المستقبل. لكن تقنيات فحص الدماغ تطورت كثيرًا، تستطيع التفرقة بين الألم الحقيقي والألم الوهمي، وذلك عن طريق قياس مؤشرات الألم باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI، والذي يقيس مقدار تدفق الدم في الدماغ، كمؤشر للنشاط العصبي ويرسمه.

هل يختلف إحساس المرأة عن الرجل بالألم؟

في الثقافة الشعبية المتداولة عن الألم، يشاع بأن المرأة تمتلك قوة تحمل للألم أكثر من الرجل، ويبرر الناس هذه الفكرة بعملية الولادة، وقدرة المرأة على تحمل آلام رهيبة أثناءها، لكن الحقيقة أن الأبحاث على ذكور وإناث الفئران، أثبتت أن الاختلاف في الإحساس بالألم بين الرجال والنساء موجود بالفعل بخلاف عملية الولادة؛ لأن الجسم يعد نفسه لتحمل الألم في آخر ثلاثة شهور من الحمل.

ولكن الحقيقي هو أن النساء أكثر حساسية للألم، فمثلًا لو وضع رجل وامرأة يديهما في وعاء به ماء ساخن، فإن أجزاء مختلفة من المخ عند كليهما ستتفاعل مع الألم، في دراسة بجامعة فلوريدا أجراها باحثون على رجال ونساء، قدموا هدايا نقدية لمن يتحمل وضع يده في الثلج لمدة أطول، كانت النتيجة أن الرجال صمدوا أكثر من النساء.

Embed from Getty Images

ليس فقط اختلاف درجة الإحساس بالألم، لكن المسكن الذي يخفف الألم في حالة الرجل، قد لا يعمل بالكفاءة نفسها عند الأنثى، فالمورفين مثلًا واحد من المسكنات التي لا تعمل بالكفاءة نفسها عند الرجل والأنثى في العمليات الجراحية، فمثلًا تحتاج الأنثى لنسبة 30% أكثر من الرجل من المورفين. وبسبب اختلاف طبيعة إحساس الرجل والمرأة للألم، يبحث العلماء إمكانية إيجاد مسكنات مقسمة على أساس النوع.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد